" اياد من حجر" للفنزويلي جوناثن ياكوبوفيتش: قصة شعب يكره أمريكا

باريس ـ حميد عقبي "القدس العربي"

 فيلم «أياد من حجر» للمخرج الفنزويلي جوناثن ياكوبوفيتش، يصور ببساطة وواقعية مسيرة الملاكم البنمي الشهير روبرتو دوران، الذي ولد عام 1951. نتعايش مع هذه الأسطورة العالمية ونتعمق في تلك الطفولة المحرومة والألم والحلم، فالفيلم لا يتوقف عند السيرة الذاتية وتقديم دوران كأفضل مقاتل وحاصد للكثير من الألقاب، بل يقدم لنا أكثر من ذلك ونقترب من إنسان عاش بلده مستعمرا وتجرع شعبه الجوع والحرمان، كما نكتشف الكثير من الحقائق عن هذه الرياضة من خلال راي أسيل (روبرت دي نيرو).

هي قصة حياة شعب وأمة يرويها ياكوبوفيتش، حيث يتابع روبرتو منذ سن مبكرة عندما اضطر للقتال من أجل كسب المال وجلب الطعام لعائلته، هذا الطفل استمد القوة من البيئة القاسية وقاتل كي يعطي الفرح لعائلته، وهكذا رضع كراهية الأمريكان. وعندما يصبح بطلا يظل كما هو ذلك الطفل الذي ينتمي إلى الشارع ويرفع علم بلاده مفتخرا به.

لعب المخرج على جميع الجبهات، فلدى كل شخصية ما تقوله، نعيش لحظات ألم التشرد والجوع، وكذا مشاهد رومانسية، فلسنا مع بطل حديدي خارق أو متوحش، بل يضعنا ياكوبوفيتش مع البطل الإنسان الذي قد يخطئ ويصيب ويحزن ويفرح.

المفاجأة اللطيفة في هذا الفيلم تكمن في دور المدرب راي أسيل، فهو شخصية فعالة ومحورية. دي نيرو يقدم شخصية نقية ونبيلة فالملاكمة كانت مرتبطة بمدينة نيويورك، وهي ليست مجرد رياضة شعبية حرة، فهناك قبضة المافيا وهي تجارة رابحة، وما يناله الملاكم من مال وشهرة، كل هذا لعبة صغيرة يرسمها الكبار من خلف الكواليس. وحلبة الملاكمة لا تختلف كثيرا عن خشبة المسرح وهناك جمهور يريد بطلا كي يصفق له عندما ينتصر أو يقذفة باللعنات عند الهزيمة، ومع ظهور التلفزيون تطورت قواعد اللعبة لتخلق من البطل نصف إله، بينما هو قد يكون مجرد عبد مأمور

شخصية المدرب الأمريكي راي، فيها بعض الغموض والكثير من الهدوء، وهي لم تأت لمجرد مساندة البطل، نجد راي الشخص الوحيد الذي يفهم روبرتو، ويرى فيه إنسانا يستحق أن يعيش ويفرح ويتمتع بحياته، وليس ماكينة دموية تلاكم وتنتصر وتعليمات المدرب لا تتوقف عند تطوير القدرات الجسمية، بل تتجاوزها أبعد من ذلك لتخلق بطلا حقيقيا يعيد إلى هذه الرياضة معانيها الإنسانية والأخلاقية.

فيلم «أياد من حجر» يعود بنا إلى فترة تاريخية مهمة في حياتنا البشرية، وخلال فترة الستينيات والسبعينيات والثمانينات، حدث الكثير من المتغيرات في الأفكار والمفاهيم. رياضة الملاكمة كغيرها من الأنشطة الرياضية، فيها الكثير من العروض الفنية الشيقة وتحقق لنا المتعة، لكن الكارثة أن هناك أيادي قذرة تحاول أن تسيطر وتوجه وتخلق ذائقة جماهيرية لها القدرة على التحكم فيها وجني المال، أي عالمنا تحكمه أياد خفية ويصعب التحرر منها

نتعايش مع الشعب البنمي البائس، حيث تحتل الولايات المتحدة الأمريكية قناة بنما وتفرض سيادتها على البلاد وتضرب بيد من حديد أي معارض لها، في الفيلم لقطات ومشاهد عديدة لها تأثيرها الخاص مثل، لقطة هروب الطفل روبرتو وقيام جندي أمريكي بتوجيه سلاحه وإطلاق الرصاص نحوه، هذه اللقطة ولقطات قتل الطلبة خلال المظاهرات التي يسترجعها وعي البطل وذاكرته، لينحتها في وعينا وذاكرتنا، هنا تبرز قوة السينما وقدرتها التعبيرية الخلاقة.

هذا الفيلم ينتمي إلى نوعية أفلام السيرة الذاتية، وتم عرضه في مهرجان كان السينمائي 2016 وبحضور الممثل الأمريكي روبرت دي نيرو، وكذلك بطل الفيلم الممثل الفنزويلي إدغار راميريز، الذي قدم لنا الأسطورة الشهيرة روبرتو دوران.

جاءت المشاهد الرومانسية بمثابة ومضات جميلة لتُظهر الجانب الآخر من حياة هذا الملاكم صاحب الأيادي الحجرية والضربات القاضية، ولكنه أيضا هذا الزوج الرومانسي، كانت الجميلة الممثلة الكوبية آنا دوارماس جذابة ومغرية في دور الزوجة، كما أن وجود المغني الأمريكي أشر (دور بطل العالم شوغر)، أضاف لمسة كوميدية وليُظهر كذلك جانبا مهما من شخصية روبرتو، لم تكن هناك عقدة درامية بالغة التعقيد ولا صراعات متشعبة، لكن الأحداث تهطل بشكل سلس ومشوق ولم تتورط في ميلودراما كاذبة، ولم يُغرقنا الفيلم في خيالات زائفة أو أفعال خارقة.

حاول المخرج جوناثن ياكوبوفيتش، جعل كل المسارات تركض لدعم واقعية الشخصية وتقديمها كشخصية شعبية ووطنية والأهم من ذلك بسيطة وإنسانية.