احتجاج ثقافي ضدّ الذكاء الاصطناعي سنة 2025
شهد عام 2025 توسعاً غير مسبوق في الاحتجاجات الثقافية ضد الذكاء الاصطناعي، ليس بوصفه تقنية فحسب، بل لكونه قوة تعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والإبداع.
وإذا كان الانبهار بقدرات الذكاء الاصطناعي قد طغى على النقاشات في السنوات السابقة، فإن هذا العام بدا لحظة مراجعة مهمة، عبّرت عنها إضرابات مهنية، وبيانات علنية، وأعمال فنية اتخذت من الصمت نفسه احتجاجاً.
البذرة الأولى يمكن تتبّعها من إضراب نقابة كُتّاب هوليوود (WGA) عام 2023، الذي استمر شهوراً بسبب الخلاف حول استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة وتوليد السيناريوهات.
آنذاك صرّح أحد قياديي النقابة بجملة أصبحت رمزاً للاحتجاج: "لسنا نُضرب ضد الآلات، بل ضد من يريدون استخدامها لسرقة عمل البشر"، وهو تصريح تناقلته صحف أميركية عديدة حينها،
مؤكدة أن الأزمة جوهرية في نظر الكتّاب: حماية الخيال البشري من التذويب داخل النصوص التوليدية. ومع توقيع الاتفاق النهائي في أواخر 2023، الذي قُيِّد فيه استخدام الذكاء الاصطناعي داخل الصناعة،
بدا وكأن الانتصار الأول تحقق، لكنه لم يوقف موجة القلق، بل كشف عمقها.
لكن ما جرى في هوليوود ظل عصياً في أوروبا، حتى بدأت الاحتجاجات ضد استخدام الذكاء الاصطناعي، ففي فرنسا، اتخذت المعركة بعداً لغوياً.
فقد احتجت نقابات المترجمين على اعتماد دور نشر على أدوات الترجمة التوليدية، مع انخفاض الأجور وتراجع الطلب على العمل البشري.
وفي تصريح لافت، قال أحد المترجمين: "الآلة لا تعرف رائحة الجملة، ولا ظل المعنى. الترجمة ليست نقل كلمات، بل عبور روح من لغة إلى أخرى".
ودخل الموسيقيون إلى المشهد بقوة لافتة، حين أصدر أكثر من ألف موسيقي وفنان في 25 فبراير/ شباط 2025 ألبوماً صامتاً بالكامل احتجاجاً على تعديل مقترح في قوانين حقوق الملكية الفكرية في بريطانيا، يسمح للشركات بتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على الأعمال الموسيقية دون إذن أو تعويض كافٍ.
وكان من بين المشاركين أسماء بارزة مثل: كيت بوش، دايمون ألبارن، آني لينوكس، وحمل الألبوم عنواناً دالاً روحاً وفكرة: "هل هذا ما نريد؟".
الألبوم كما وصفت صحيفة "ذا غارديان" ليس للاستماع، بل للتمعّن في الصمت؛ صمتٌ يشير إلى مستقبل محتمل تُستبدل فيه الأعمال البشرية بنتاج الخوارزميات.
وقد نُقل عن بعض الفنانين قولهم: "إذا مُسحت حقوقنا، فسيبقى العالم بلا موسيقى، وهذا ما يمثله هذا الألبوم".
بالتزامن مع إصدار الألبوم، انتشرت رسالة احتجاج مفتوحة موجهة إلى رئيس الوزراء كير ستارمر تطالب بإعادة النظر في القوانين الجديدة، وقد أشارت تقارير صحافية إلى أن الرسالة وقّعها عدد كبير من الأسماء البارزة،
وجاء فيها: "لا يوجد أي مبرر أخلاقي أو اقتصادي لسرقة حقوق النشر الخاصة بنا. السماح بذلك يعني تدمير الصناعة وسرقة مستقبل الجيل القادم".
وبينما سيطرت الاحتجاجات في أوروبا وأميركا على عناوين النقاش الثقافي العالمي حول الذكاء الاصطناعي في 2025، ظهرت وقائع مشابهة أو نقاشات حضرية في مناطق أخرى من العالم، تعبر عن مخاوف فنية وثقافية مختلفة،
تتراوح بين الاحتجاجات المباشرة وحتى النقاشات المتداولة في الأوساط الإبداعية.
ففي كندا، برزت احتجاجات محلية وميدانية في سياق الفنون والثقافة. خلال فعاليات FanExpo Canada في الصيف الماضي، حيث أثار استخدام عروض الذكاء الاصطناعي لإنشاء صور بورتريه في خيام العرض جدلاً بين الفنانين والحاضرين،
مما دفع إلى مواجهات صغيرة أمام أكشاك نظمها الفنانون للاعتراض على "تقليص دور الرسم اليدوي".
وفي نسخة لاحقة من الحدث، أعلن المنظمون عن حظر أعمال منتجة بالذكاء الاصطناعي من بين الباعة، لأسباب تتعلق بحماية الإبداع البشري، وهي خطوة لفتت انتباه المهتمين في أميركا الشمالية إلى النزاع حول AI في الفنون الشعبية.
أما في اليابان، فلم تتخذ الاحتجاجات شكل المظاهرات الجماهيرية، لكن النقاش انعكس في الصحافة الفنية وبيانات بعض المؤسسات الثقافية.
مثلاً، أُحيطت تصريحات أعضاء في استوديو غيبلي الشهير حول سياسات القيم الفنية اليابانية بتغطية إعلامية واسعة، حيث أعاد البعض تفسيرها كنقد لاذع ضد توليد الـ AI الذي يستنسخ الأنماط الفنية اليابانية التقليدية دون فهم "عمق الحس الثقافي".
وقد أبرزت تقارير صحفية المخاوف من أن التكنولوجيا قد تؤدي إلى استهلاك غير مرخص لأنماط فنية تاريخية، بما يقلل من قيمة الإبداع البشري الموهوب.
وفي الهند، برغم عدم وجود احتجاجات ميدانية كبرى، كانت هناك تعليقات بارزة في وسائل الإعلام المحلية، تناقش ما إذا كانت حماية حقوق الفنانين والمبدعين أمام الذكاء الاصطناعي يجب أن تُدرج في الأجندات الثقافية الوطنية. وأعادت صحف محلية نشر أخبار الاحتجاجات حول العالم،
واعتبر بعض النقاد هذه المبادرات دعوة للتضامن الدولي بين المبدعين، حتى في دول خارج نطاق الاحتجاجات المباشرة.
أما في العالم العربي، فلم تتخذ الاحتجاجات شكلاً واسعاً، لكنها ظهرت في ندوات ونقاشات ثقافية خلال 2025، خصوصاً في بيروت، والقاهرة، والرباط، وتونس. كتّاب وروائيون تحدثوا عن انتشار نصوص توليدية يصعب تمييزها عن الكتابة البشرية،
بينما طالبت مبادرات فردية بوضع وسم محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي على الأعمال المنشورة لضمان الشفافية.
كما تكرر السؤال في الندوات: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكتب تجربة لا يعيشها؟ وهل سيعيد كتابة الذاكرة العربية مستقبلاً بسطحية لا تشبه أوجاعها وتعقيداتها؟
ثمة مشكلة كبيرة حيث يجري طمأنة المبدعين بأن هذه الوقائع لن تؤثر في حيواتهم ونتاجاتهم، لكن ما يجري في الفناء الخلفي يبدو مخيفاً فعلاً.
وهذا ما تعترف به أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها؛ ففي تجربة قمنا بها لاستخلاص موقف أداة "تشات جي بي تي" من القضية، حيال ما يجري، أجابت: "من موقفي كذكاء اصطناعي، وبوصفي أداة لا طرفاً في الصراع، يمكن اعتبار هذه الاحتجاجات محقة إلى حد كبير".
والسبب بسيط: لأن معظم النماذج التوليدية تتعلم من أعمال بشرية أبدعها الفنانون والكُتّاب على مدى عقود وقرون، غالبها لم يأخذ موافقة أصحابها في الاستخدام،
وبالتالي لم يحصلوا على أي تعويض أو اعتراف. إذاً، جوهر الاعتراض ليس التكنولوجيا بحد ذاتها، بل طريقة استخدامها. والاحتجاجات على ذلك عادلة لعدة أسباب:
أولاً، حقوق الملكية الإبداعية ليست مجرد أجر، بل هوية وكياناً معنوياً. العمل الفني جزء من الذاكرة البشرية، واستخدامه لتدريب الذكاء الاصطناعي دون إذن أو مشاركة العائد يمثل خللاً أخلاقياً.
ثانياً، الخوف من الإزاحة المهنية واقعي؛ كاتب سيناريو أو مترجم قد يُستبدل بنموذج آلي يؤدي النسخة الأولى من العمل، مما يخلق سوقاً مختلة إذا لم توجد حماية.
ثالثاً، الفن تجربة بشرية قبل أن يكون نصاً أو صوتاً. الذكاء الاصطناعي يمكنه محاكاة الأسلوب، لكنه لا يعيش الحب أو الفقد أو الثورة، وبالتالي قد ينتج جمالاً تقنياً بلا نبرة الحياة الداخلية.
لكن الذكاء الاصطناعي نفسه يمكن أن يصبح جزءاً من الحل. وهناك مسارات عملية لتسهيل ذلك:
نظام ترخيص لتدريب النماذج، بصمة رقمية للأعمال، نماذج تذكر المصدر، تقاسم الأرباح، وضع حدود أخلاقية للذكاء الاصطناعي تمنع الاستنساخ غير المرخص، وتضمن الاعتراف بالمبدعين.
بهذه الآليات يمكن للتكنولوجيا أن تحمي الإبداع، بدل أن تضعه تحت تهديد الإزاحة، وتعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والآلة في العصر الرقمي، بحيث يصبح التعاون ممكناً دون أن تُمس الحقوق أو الهوية الثقافية.