2026 سنة النفط الحذر.. قرارات أوبك وإشعال الجبهات يصنعان السعر
يتجه النفط إلى عام 2026 وهو محاط بمجموعة عوامل جيوسياسية تستطيع أن تغيّر اتجاه السعر بسرعة، لأن مفاوضات الحرب الروسية الأوكرانية قد تفتح باب تهدئة أو تعيد التصعيد وما يتبعه من عقوبات، والضغوط الأميركية على فنزويلا قد تربك تدفقات التصدير
بينما الاحتجاجات في إيران قد ترفع منسوب عدم اليقين السياسي، والتوتر الأخير في اليمن يمكنه أن ينعكس على أمن الملاحة والإمدادات وكلفة التأمين، من دون إغفال الوضع الليبي الذي يبقى قابلاً للانتقال بين الاستقرار والانقطاع.
ومع هذه العناوين، لا تتعامل السوق مع 2026 كسنة أرقام فقط، بل كسنة يتجاور فيها فائض محتمل مع مخاطر قد تقفز في أي لحظة.
وهذا المعنى ظهر في نهاية 2025 عندما تحركت الأسعار في نطاق ضيق بينما كان المتعاملون ينتظرون دلائل ملموسة من مسار التفاوض بشأن أوكرانيا، فأنهى خام برنت الجلسة قرب 61.92 دولاراً للبرميل،
وبقي خام غرب تكساس الوسيط قريباً من 58 دولاراً، وهو سلوك يعبّر عن سوق تريد خبراً حاسماً قبل أن تغيّر تمركزها.
قرارات أوبك
لكن النظرة لعام 2026 لا تتوقف عند المزاج اليومي، لأن قرارات تحالف "أوبك بلس" ترسم الإطار الذي يتحرك داخله المعروض في بداية العام.
وبحسب بيان منظمة البلدان المصدرة للبترول أوبك، فإن ثماني دول مشاركة أعادت تأكيد قرار وقف زيادات الإنتاج خلال يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط ومارس/ آذار 2026،
مع التشديد على أن أي إعادة تدريجية لبعض التخفيضات تبقى مرتبطة بظروف السوق وبالمراجعة المستمرة. كما نقلت رويترز أن التحالف اتفق على إبقاء السياسة الإنتاجية من دون تغيير في الربع الأول 2026 بسبب مخاوف تخمة معروض.
وبحسب تقرير التوقعات قصيرة الأجل للطاقة الصادر عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية، فإن المخزونات العالمية مرشحة لأن تواصل الارتفاع خلال 2026 وهو ما يضع ضغطاً نزولياً على الأسعار،
كما تتوقع الوكالة أن ينخفض متوسط سعر خام برنت إلى نحو 55 دولاراً للبرميل في الربع الأول 2026، ثم يبقى قريباً من هذا المستوى بقية العام.
وهذه الخلاصة تعني أن السوق في سيناريوه الأساسي لا يعاني نقصاً في البراميل، بل يعاني فائضاً يجعل الارتفاع المستمر صعباً ما لم تقع صدمة تعطيل كبيرة.
نمو الطلب العالمي
وبحسب تقرير سوق النفط لشهر ديسمبر/ كانون الأول 2025 الصادر عن وكالة الطاقة الدولية، فإن نمو الطلب العالمي في 2026 يدور حول 860 ألف برميل يومياً،
بينما يبقى نمو الإمدادات في 2026 أعلى بكثير عند نحو 2.4 مليون برميل يومياً، وهو ما يعزز فكرة أن عام 2026 قد يكون عام وفرة من زاوية الميزان الكلي.
وتظهر آثار هذه التقديرات في سلوك التسعير الفعلي. وفي هذا الصدد، أشارت رويترز إلى أن توقعات فائض المعروض في 2026 أصبحت عنصراً متكرراً في تقديرات السوق مع بقاء المخاطر الجيوسياسية حاضرة.
ليبيا
يبقى العامل الليبي مؤثراً، لأن إنتاج البلاد قابل للارتفاع بسرعة عندما تهدأ الانقطاعات وتتحسن ظروف التشغيل، كما أنه قابل للتراجع فجأة إذا عادت الإغلاقات أو تعطلت الموانئ أو ظهرت توترات داخلية.
وهذا النوع من الإمدادات المتقلبة لا يغيّر مسار السوق وحده على مدار السنة، لكنه يستطيع أن يربك توازنات شهرية، كما يستطيع أن يرفع علاوة المخاطر عندما يشعر المتعاملون أن البراميل الليبية قد تخرج من السوق في وقت حساس.
اليمن
يمارس اليمن تأثيره عبر قناة الملاحة وكلفة النقل أكثر من قناة الإنتاج المباشر، لأن أي توتر في الممرات البحرية يرفع أسعار التأمين ويطيل زمن الشحن ويدفع بعض الناقلات إلى تغيير المسارات، ثم تنتقل هذه التكاليف تدريجياً إلى سعر النفط، وإلى أسعار المنتجات المكررة.
وعندما يقترن ذلك بتوترات سياسية بين قوى إقليمية فاعلة، فإن السوق تميل إلى تسعير الخطر بسرعة حتى قبل أن يظهر نقص فعلي في الإمدادات.
ونقلت وكالة بلومبيرغ، أمس الثلاثاء، أن السعودية والإمارات المنتجتين للنفط، عضوان رئيسيان في تحالف أوبك بلس، وقد اختلفا سابقاً حول حصة الإمارات من إنتاج النفط، في الوقت الذي يتنافسان فيه على جذب الاستثمارات الأجنبية في إطار مساعيهما لتنويع اقتصاداتهما.
وأشارت إلى أن تصاعد التوترات الجيوسياسية قد يؤدي إلى تفاقم المخاوف من اضطراب الإمدادات ويدفع أسعار النفط إلى الارتفاع، حيث يشعر المتعاملون بالقلق أيضاً إزاء التطورات في الشرق الأوسط.
إيران
تؤثر إيران في السوق عبر طبقتين، الأولى تتعلق بحجم الصادرات الفعلي ومساراتها، بينما الطبقة الثانية تتعلق بالضبابية السياسية التي قد ترافق الاحتجاجات وما قد ينتج عنها من تشدد داخلي أو ردود خارجية أو ارتفاع في احتمالات التصعيد.
وفي مثل هذا الوضع، يكفي أن يرتفع منسوب عدم اليقين حتى ترتفع علاوة المخاطر، كما أن أي تغيير في بيئة العقوبات أو في قدرة الشحن قد يتحول إلى أثر سعري واضح، خصوصاً إذا جاء في لحظة تكون فيها السوق متوترة أصلاً.
فنزويلا
يميل أثر فنزويلا إلى التحرك مع العقوبات والضغط الأميركي، لأن تشديد القيود أو زيادة ملاحقة الشحنات يربك انتظام التصدير ويرفع كلفة النقل ويخلق هوامش ربح إضافية للوسطاء.
وفي الوقت نفسه، لا تتعامل السوق مع فنزويلا بعامل يحدد وحده اتجاه السعر العالمي طوال السنة، لكنها تتعامل معها بوصفها عاملاً قادراً على صنع موجات قصيرة عندما تختلط أخبار العقوبات بمخاوف الشحن وبحساسية الإمدادات الثقيلة في بعض الأسواق.
روسيا
يبقى الملف الروسي الأوكراني هو العامل الأكثر قدرة على تغيير العناوين في 2026، لأن أي اختراق تفاوضي واسع قد يخفض علاوة المخاطر ويضعف مبررات التسعير المرتفع،
بينما أي تعثر أو تصعيد قد يعيد الحديث عن تشديد العقوبات وعن القيود على النفط والمنتجات، ثم ينعكس ذلك على الشحن وعلى التأمين وعلى كلفة التمويل.
ولهذا لا تراقب السوق فقط مسار المعارك، بل تراقب مسار التفاوض نفسه، لأن أثره قد يظهر في السعر حتى قبل أن يتغير حجم البراميل المتداولة فعلياً.
مسارات 2026
بعد تفكيك هذه العوامل يصبح مسار 2026 أكثر وضوحا، وهو الذي يملك قاعدة رقمية تميل إلى الوفرة، وله سقف سياسي يرفع احتمالات القفزات. وحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، فإن الضغط النزولي يأتي من ارتفاع المخزونات،
ومن توقع بقاء برنت قريباً من 55 دولاراً في الربع الأول 2026، ثم قرب هذا المستوى بقية العام.
وبحسب وكالة الطاقة الدولية، فإن السبب العميق هو أن نمو الإمدادات المتوقع في 2026 أكبر بكثير من نمو الطلب، وهو ما يجعل أي صعود كبير في حاجة إلى صدمة تعطيل تتجاوز الضجيج السياسي المعتاد.
لهذا يمكن حصر مسارات 2026 في:
- مسار الهدوء النسبي عندما تبقى الانقطاعات محدودة، وعندها تميل الأسعار إلى نطاق أدنى، لأن الفائض والمخزونات يصنعان ثقلاً واضحاً.
- مسار الارتفاع السريع عندما تتجمع صدمات أو تتشدد عقوبات أو ترتفع كلفة الشحن، وعندها تعمل علاوة المخاطر رافعةً فورية حتى في سوق وفيرة.
- مسار الهبوط الأعمق عندما تهدأ التوترات السياسية وتتراجع علاوة المخاطر بالتزامن مع تباطؤ اقتصادي أو زيادة إمدادات أعلى من المتوقع، وعندها يصبح فائض المعروض أكثر تأثيراً.
وفي كل هذه المسارات يبقى قرار أوبك بلس بتجميد زيادات الربع الأول 2026 عاملاً يهدف إلى إدارة التذبذب لا إلى صناعة موجة صعود دائمة، لأن التحالف يتصرف كما لو أنه يريد أن يمنع انزلاقاً حاداً إذا سيطر فائض المعروض،
كما يريد أن يبقى قادراً على التعديل إذا قفزت المخاطر.