بيت جن جنوبي سورية تتحوّل لساحة حرب : شهادات الناجين والجرحى
الرأي الثالث - وكالات
تعيش قرية بيت جن الحدودية، الواقعة جنوب غربي سورية ضمن ريف دمشق وعلى سفوح جبل الشيخ قرب مرتفعات الجولان المحتل، واحداً من أعنف أيامها منذ أشهر، بعدما تحوّلت إلى ساحة قصف واشتباكات مباشرة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.
الاقتحامات المتكررة، والاعتقالات، والقصف الجوي المستمر خلّفت دمارًا واسعًا في المنازل وسقوط شهداء وجرحى، فيما اضطرّت عائلات كثيرة للنزوح. في خضم هذا الواقع، تتوالى شهادات الناجين والمسعفين لتكشف حجم المعاناة والخوف الذي أصاب الأهالي.
ويؤكد الأهالي أن الساعات التي تلت الهجوم كانت "الأكثر رعبًا" منذ سنوات، إذ تزامن إطلاق النار مع عمليات اقتحام للمنازل وتهديد للسكان.
ويقول رضوان قاسم عثمان إنّ اعتداءات الاحتلال لم تكن جديدة، لكنّ حدّتها تغيّرت في الفترة الأخيرة: "في الماضي كنا نتجنب الردّ حتى لا يحدث أي نزاع كبير. لكنهم أصبحوا يدخلون إلى البيوت ويعتدون على النساء والأطفال. الناس وصلوا إلى حافة الانفجار…
ما جرى لم يعد مجرد مداهمات، بل حرب حقيقية"، ويضيف أنّ ما يفعله الاحتلال "يتم تحت ذريعة محاربة الإرهاب"، بينما الواقع كما يراها السكان هو "محاولة توسع وفرض سيطرة بالقوة على القرية".
ورغم الدمار والخسائر، يصرّ أهالي بيت جن على البقاء في أراضيهم، مؤكدين أنّ مطلبهم الوحيد هو وقف الاعتداءات الإسرائيلية وضمان حدّ أدنى من الأمن للعيش داخل قريتهم التي تحولت، خلال يومين فقط، إلى ساحة حرب مفتوحة.
العدوان الإسرائيلي على بيت جن: 13 شهيداً سورياً
يشكّل العدوان الإسرائيلي على أهالي بلدة بيت جن بريف دمشق الغربي فجر أمس الجمعة، نقلة نوعية في الاعتداءات الإسرائيلية والتوغلات شبه اليومية في الأراضي السورية منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول الماضي،
نظراً لوقوع العدد الأكبر من الشهداء السوريين في عملية إسرائيلية بأراضيهم منذ ديسمبر الماضي، بتسجيل 13 شهيداً سورياً و24 مصاباً،
في عملية برز فيها تصدي الأهالي للجيش الإسرائيلي الذي تعرّض لخسائر بشرية بإصابة 6 من ضباطه وجنوده لأول مرة في مثل هذه التوغلات.
وبدأت العملية مع تقدّم قوة إسرائيلية إلى بلدة بيت جن التي طالما شهدت سابقاً توغلات مماثلة، في محاولة لاعتقال ثلاثة شبان تزعم إسرائيل أنهم ينتمون إلى ما سمته "الجماعة الإسلامية"،
فبادر بعض الأهالي إلى محاصرة الدورية الإسرائيلية لمنعها من اعتقال الشبان، ثم دار اشتباك بين الطرفين، وفق ما ذكر الناشط ممدوح العوض من أبناء المنطقة .
وأضاف العوض أن الاشتباك استمر لنحو ساعتين، استطاع المسلحون المحليون خلاله إيقاع خسائر في القوة الإسرائيلية ومنعها من اعتقال الشبان،
لكن جيش الاحتلال سارع إلى نجدة تلك الدورية عبر مروحيات وطائرات مسيّرة عملت على قصف المنطقة ومراقبة الحركة فيها،
إضافة إلى قصف مدفعي من المناطق المجاورة التي يسيطر عليها جيش الاحتلال في الأراضي السورية، خصوصاً من موقعه في محيط بلدة حضر وشمال بلدة جباتا الخشب.
وأوضح العوض أن 13 شخصاً استشهدوا نتيجة القصف الإسرائيلي، بينهم ستة أشخاص من عائلة واحدة قضوا وهم نيام بعد سقوط قذيفة إسرائيلية على منزلهم، وهم سيدة وأولادها مع زوجها وشقيقه.
وأضاف أن عدد الضحايا مرشح للارتفاع نظراً لوجود عدد من المصابين جروحهم خطيرة. ولفت العوض إلى أن قوات الاحتلال التي انسحبت من البلدة بعد تلقيها مؤازرة جوية، تمركزت في تلة باط الوردة على أطراف بيت جن،
فيما وصلت تعزيزات إسرائيلية أيضاً إلى التلول الحمر الواقعة بين بيت جن وبلدة حضر، وهو ما يثير مخاوف السكان من تجدد الاعتداءات الإسرائيلية على البلدة.
وذكر مدير الإسعاف والطوارئ في وزارة الصحة السورية نجيب النعسان لوكالة "سانا" الرسمية أن جثامين 13 شهيداً، و24 مصاباً، نقلوا إلى المستشفيات في حصيلة غير نهائية لضحايا العدوان الإسرائيلي على بلدة بيت جن بريف دمشق.
إصابة 6 إسرائيليين
وفي الجانب الإسرائيلي، قال المتحدث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي في تغريدة له على "إكس" إنه "استناداً إلى معلومات استخباراتية جمعت خلال الأسابيع الأخيرة" تقدمت قوة من الفرقة 210 إلى بلدة بيت جن لاعتقال مطلوبين مما سماه "تنظيم الجماعة الإسلامية" ممن خططوا للعمل ضد إسرائيل،
وجرى خلال العملية إطلاق النار باتجاه هذه القوات، ما أدى إلى إصابة 6 عسكريين، ضابطين وجندي بجروح خطيرة، إضافة إلى إصابة جندي بجروح متوسطة، وضابط وجندي بجروح طفيفة.
وأضاف أدرعي أن "العملية أنجزت بالكامل وتم اعتقال جميع المطلوبين والقضاء على عدد من الإرهابيين"، وفق تعبيره.
ووفق شهادات ولقطات مصورة عدة، فإن قوات الاحتلال اضطرت بعد انسحابها من المنطقة، نتيجة المقاومة المحلية، إلى ترك عربة عسكرية في المكان، بادرت مسيّرة إسرائيلية إلى تدميرها.
وصفت وزارة الخارجية السورية، في بيان أمس، العدوان على بلدة بيت جن بأنه "جريمة حرب مكتملة الأركان"، محذرة من أن "استمرار هذه الاعتداءات الإجرامية يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة،
ويأتي في سياق سياسة ممنهجة لزعزعة الأوضاع، وفرض واقع عدواني بالقوة".
كما جددت مطالبتها مجلس الأمن والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية بـ"التحرك العاجل لوضع حد لسياسة العدوان والانتهاكات المتكررة التي يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب السوري".
كما دان وزير الخارجية أسعد الشيباني عبر "إكس" العدوان على بيت جن، قائلاً إن "الصمت الدولي يشجع المعتدي على ارتكاب المزيد من الجرائم بحق المدنيين".
وأضاف أن "استمرار الاعتداءات يشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الإقليمي، ويستوجب موقفاً دولياً حازماً لوقف هذه الانتهاكات".
وأردف: "سورية تؤكد حقها الكامل في الدفاع عن أرضها وشعبها بكل الوسائل المشروعة وفق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة". وشدد على أن "الصمت الدولي يشجع المعتدي على ارتكاب المزيد من الجرائم بحق المدنيين".
من جهتها، دانت وزارة الخارجية القطرية هذا العدوان، واعتبرته انتهاكاً صارخاً لسيادة سورية والقانونين الدولي والإنساني.
وأكدت في بيان أن استمرار مثل هذه الممارسات الإسرائيلية الخطيرة يفاقم التوتر ويقوض جهود إحلال الأمن والاستقرار في المنطقة.
ودعت المجتمع الدولي إلى تحرك فوري لوقف هذه الانتهاكات وحماية المدنيين، ومساءلة المسؤولين عنها وفقاً للقانون الدولي.
وفي السياق، وصفت وزارة الخارجية الأردنية العدوان الإسرائيلي بأنه "تصعيد استفزازي خطير"، لا يسهم إلا في زيادة حدة التوتر والصراع في المنطقة.
وشددت، في بيان، على أن "هذا العدوان السافر يشكل انتهاكاً صارخاً لسيادة سورية ووحدة أراضيها، وخرقاً فاضحاً للقانون الدولي".
من جهتها، دانت نائبة المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سورية نجاة رشدي، في بيان، الهجوم الذي شنته إسرائيل.
وأضافت أن الغارات والهجمات المصاحبة لها أدت إلى تهجير العائلات في بلدة بيت جن، ونزوحهم إلى مناطق مجاورة بحثاً عن الأمان.
وأشارت إلى أن "مثل هذه الأعمال تُعد انتهاكاً خطيراً وغير مقبول لسيادة سورية ووحدة أراضيها، وتزيد من زعزعة الاستقرار في بيئة هشة بالفعل".
وأكدت التزام الأمم المتحدة الثابت بسيادة سورية ووحدتها واستقلالها وسلامة أراضيها، داعيةً إلى وقف جميع هذه الانتهاكات فوراً والالتزام الكامل باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
ليس أول توغل في بيت جن
وليست هذه المرة الأولى التي تتوغل فيها قوات الاحتلال في بلدة بيت جن الواقعة على سفوح جبل الشيخ، جنوب غربي دمشق، حيث توغلت فيها مراراً، واعتقلت في أوقات سابقة ما يصل إلى 7 أشخاص من سكان البلدة على دفعات،
ولم تفرج عن أي منهم حتى الآن، وفق ما قال محمد كسحوت من سكان البلدة المقيم خارجها حالياً
وأوضح كسحوت أن موقع البلدة هو أحد الأسباب الرئيسية لهذا الاستهداف، كونها تفصل منطقتي حضر وعرنة، وحين تخرج قوات الاحتلال من قرية مجدل شمس في الجولان السوري المحتل تكون أول قرية في طريقها هي حضر، وخط سير هذه القوات باتجاه الشمال نحو عرنة تعترضه بلدة بيت جن في المنتصف ما جعل الاحتلال ينظر إليها بوصفها عائقاً في وجه تحركاته بالمنطقة.
ونفى كسحوت علمه بوجود فصيل باسم "الجماعة الإسلامية"، معتبراً ذلك مجرد فبركة إسرائيلية لتبرير اعتداءاتها على الأراضي السورية.
وتصدى الأهالي في عدد من القرى بمحافظتي درعا والقنيطرة سابقاً لقوات الاحتلال مرات عدة بمعزل عن الحكومة، واشتبكوا في ريف درعا الغربي مع دورية إسرائيلية بقرية كويا بالأسلحة الفردية في 25 مارس/آذار الماضي، ما أسفر عن استشهاد 7 مدنيين وإصابة العشرات نتيجة للقصف الإسرائيلي الذي تبع الاشتباك،
فيما طرد أهالي صيدا الحانوت بريف القنيطرة في 24 يوليو/تموز الماضي دورية عسكرية كانت تجول في أراضيهم.
ووفق بيانات سورية، فإن جيش الاحتلال الإسرائيلي نفذ أكثر من 1000 غارة جوية على سورية، إضافة إلى أكثر من 400 عملية توغل برية منذ ديسمبر 2024.
وأقامت قوات الاحتلال 9 نقاط عسكرية على امتداد الحدود السورية من جبل الشيخ شمالاً على حدود لبنان إلى جنوبي بحيرة طبرية قرب الحدود مع الأردن في محافظة درعا جنوباً.
وحول تفسيره لهذا التصعيد، رأى الباحث في مركز جسور للدراسات رشيد حوراني، أن اسرائيل تجد نفسها أمام نجاح الإدارة السورية دولياً وإقليميا وعربياً أمام أمر واقع ضاغط عليها،
إضافة إلى عدم تحقيق عملياتها العسكرية لأهدافها، سواء في جنوب لبنان أو في غزة حيث اضطرت للانسحاب بتوافق دولي.
وأضاف أن حكومة الاحتلال تجد نفسها أمام واقع على الأرجح قد يجبرها على الانسحاب إلى حدود اتفاقية 1974، ولذلك تعمل على التصعيد وتتذرع بجماعة إسلامية بالتزامن مع توجه الولايات المتحدة لتصنيف "الإخوان المسلمين" جماعةً إرهابيةً،
بمعنى أنها ترسل للعالم رسالة تفيد بتخوفها من نمو الإسلاميين في سورية. وكان وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس قال، قبل يومين، إن إسرائيل ليست على طريق السلام مع سورية، زاعماً وجود قوات "تدرس غزواً برياً لبلدات الشمال الإسرائيلي من سورية".
ورأى المحلل السياسي نعيم إبراهيم، أن "المجزرة التي ارتكبها الاحتلال الاسرائيلي في بلدة بيت جن بريف دمشق، تؤكد أن حكومة الاحتلال، تحاول فرض أمر واقع تقسيمي في الأراضي التي سيطرت عليها أخيراً في سورية أو تلك التي تتوغل قواتها فيها منذ سقوط نظام الأسد.
وأضاف أن هذه الاعتداءات هي جزء من سيناريو الحروب التي يشعلها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في المنطقة تحت حجج مختلفة،
خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية العام المقبل ومحاولة نتنياهو التفلت من المحاكمة الداخلية والملاحقة القضائية الدولية،
مع إيصال رسائل إلى دمشق وحلفائها بأن الموقف الإسرائيلي لن يتغير من قضية الجولان السوري المحتل مهما تغيرت قواعد الاشتباك بالمنطقة، أو اتسعت دائرة الانفتاح الدولي على سورية،
متوقعاً أن تواصل إسرائيل مساعيها لاستفزاز الحكومة السورية وجرها لصدام عسكري.