الانفصال في جنوب اليمن: تفكيك السردية وكشف المسكوت
لم تنشأ الدعوات الانفصالية في جنوب اليمن بوصفها تعبيراً حراً عن وعي شعبي متراكم، ولا كنتيجة طبيعية لمسار تاريخي واحد كما تُروَّج اليوم، بل تشكّلت داخل سياق سياسي وأمني مغلق، جرى فيه تضييق المجال العام، وإقصاء الأسئلة الحرجة، وصناعة سردية واحدة قُدِّمت لاحقاً باعتبارها "إرادة جنوبية".
من هنا، يغدو تفكيك هذه السردية، وكشف ما جرى تغييبُه عمداً من مساراتها وتحولاتها، مدخلاً ضرورياً لفهم المشهد القائم بعيداً عن الابتزاز العاطفي والاختزال السياسي.
تقوم السردية الانفصالية على تصوير تجربة ما يُسمّى بـ"الدولة الجنوبية" بوصفها كياناً سيادياً مكتملاً جرى انتزاعه أو إلغاؤه مع قيام الوحدة عام 1990، ويُعاد تقديم الجنوب لاحقاً باعتباره "الوحدوي الأكبر" لأنه سلّم دولته طوعاً لدولة الوحدة.
غير أن هذا الطرح يقوم على إعادة كتابة انتقائية للتاريخ، تُسقِط تعقيدات السياق السياسي الذي أُنجزت فيه الوحدة، وتُحمِّل مجتمعاً بأكمله قراراً اتخذته نخب حاكمة مأزومة في لحظة انسداد اقتصادي وسياسي حاد في الدولتين معاً.
فالوحدة لم تكن استفتاءً شعبياً حراً في الجنوب، ولا ثمرة نقاش مجتمعي شامل حول شروطها وضماناتها، بل تسوية فوقية بين سلطتين تسعيان إلى إعادة إنتاج شرعيتهما.
تحويل هذا القرار إلى "تضحية جنوبية واعية" قراءة تبريرية تُضفي لاحقاً دلالات أخلاقية لم تكن حاضرة في لحظة صناعته، وتُستخدم اليوم لإغلاق أي نقاش نقدي لمسار الوحدة.
وانطلاقاً من هذا التأطير، تُضخَّم تجربة "الدولة الجنوبية" ذاتها، وتُقدَّم بوصفها أصلاً تاريخياً راسخاً، بينما تُظهر الوقائع أن الجنوب، قبل الاستعمار البريطاني، لم يكن دولة واحدة متجانسة، بل مجموعة سلطنات ومشيخات متناحرة بلا كيان سياسي جامع.
أما دولة ما بعد 1967، فقد تشكّلت في سياق الحرب الباردة، وقامت على أيديولوجيا حزبية إقصائية أكثر مما قامت على توافق وطني، ما جعلها عرضة لانفجارات داخلية متكررة بلغت ذروتها في أحداث يناير/ كانون الثاني 1986.
استدعاء هذه التجربة بوصفها "دولة ضائعة" لا يعكس حنيناً إلى كيان مستقر، بقدر ما يتجاهل فشلها البنيوي قبل الوحدة، ويُقصي السؤال الجوهري: أي جنوب يُراد استعادته، وبأي تصور للدولة والسلطة والمجتمع؟
في هذا السياق، تُستحضر حرب 1994 باعتبارها الدليل الحاسم على "فشل الوحدة"، بينما تكشف قراءة أقل تبسيطاً أنها لم تكن حرباً بين شمال وجنوب، ولا نتيجة حتمية للوحدة ذاتها، بل صراعاً بين نخب سياسية وعسكرية فشلت في إدارة شراكة ما بعد 1990،
ثم لجأت إلى السلاح عند انهيار التوافق. كانت حرباً على الدولة الوليدة أكثر مما كانت دفاعاً عنها، وشارك في إشعالها أطراف من الجانبين،
فيما تحمّل الجنوب عبئها الأكبر لأنه كان ساحة صراع لا صاحب قرار. تحويل نتائج تلك الحرب إلى قدر تاريخي دائم، أو توصيفها أنها "حرب احتلال"، هو توظيف انتقائي للذاكرة يُغفل أن ما أعقبها كان مساراً سياسياً فاسداً، لا حتمية تاريخية.
الأخطر من ذلك هو الخلط المتعمّد بين الوحدة بوصفها إطاراً وطنياً جامعاً، وبين الأنظمة التي حكمت باسمها بعد 1994.
فالوحدة لم تُنتج الإقصاء، بل فُرض الإقصاء عبر تحالفات سلطة وفساد همّشت الجنوب كما همّشت الشمال، وأفرغت الجمهورية من مضمونها، وحوّلت الدولة إلى غنيمة. تفكيك الوطن بسبب فشل النخب لا يمثّل حلاً، بل هو هروبٌ من معركة المحاسبة، ومكافأة لمن حوّلوا النصر العسكري إلى هزيمة سياسية للدولة.
كما يُغفل الخطاب الانفصالي، عن قصد، حقيقة أن الجنوب نفسه ليس كياناً واحداً متجانساً، ولا يمتلك رؤية موحّدة لمستقبله. فحضرموت ليست عدن، والمهرة ليست الضالع، وشبوة ليست لحج، ولكل منطقة مصالحها وهواجسها.
اختزال هذا التنوّع في شعار واحد لا يعالج التناقض، بل يُراكِمه ويؤجّل انفجاره، فيما تنظر قطاعات واسعة بقلق إلى مشروع الانفصال خشية إعادة إنتاج مركز إقصائي جديد باسم "الجنوب".
اقتصادياً، يقوم أحد أكثر الأوهام الانفصالية رسوخاً على الرغبة في الاستئثار بالثروة لا على بناء الدولة. فجاذبية المشروع تنبع من تخيّل أن الجغرافيا الجنوبية الواسعة، بما تحمله من ثروات نفطية ومعدنية وموانئ استراتيجية، ومع عدد سكاني أقل، ستتحوّل تلقائياً إلى دولة ثرية على نموذج الخليج.
غير أن هذا الوهم يختزل الدولة في الموارد، ويتجاهل أن الثروة المحتملة، في غياب المؤسسات، تتحوّل إلى وقود صراع لا قاعدة تنمية.
والأهم أن هذا التخيّل لا يستقيم داخل يمن موحّد، حيث تعني الدولة الجامعة تقاسم الموارد وتحويلها من امتياز جغرافي إلى قضية عدالة وطنية، وهو ما يفسّر تقديم "اليمن الكبير" في الخطاب الانفصالي بوصفه عبئاً يجب التخلّص منه لا إطاراً ينبغي إصلاحه.
غير أن أخطر أبعاد المشهد الراهن يتعلّق بكيفية تشكّله بعد عام 2015. فالقوى التي قادت المقاومة الفعلية ضد الحوثي في عدن ولحج وأبين لم تكن قوى انفصالية منظّمة، بل تشكيلات وطنية ذات نزعة جمهورية، نشأت من الحاجة إلى الدفاع عن الأرض لا من مشروع سياسي مسبق.
هذه القوى امتلكت شرعية نضالية حقيقية، لكنها لم تكن قابلة للاحتواء الكامل أو الضبط السياسي، فجرى إقصاؤها تدريجياً، مقابل بناء تشكيلات بديلة أُعدّت أمنياً وتسليحياً للسيطرة على الجغرافيا والتحكم في المشهد.
وفي هذا الإطار، برز نمط مقلق من تفريغ الساحة من الشخصيات الوطنية المستقلة عبر اغتيالات وعمليات قتل خارج القانون، في مناخ غابت عنه المساءلة.
وبالتوازي، بُنيت قوة مسلّحة حظيت بالدعم والحصانة، لكنها استُخدمت في تعطيل عمل الحكومة الشرعية ومصادرة قرارها، لا في مواجهة الحوثي.
وترافق ذلك مع تسييس الهوية المناطقية وتحويلها إلى أداة فرز وإقصاء، حيث استُهدف أبناء المحافظات الشمالية في الجنوب بوصفهم كتلة مشكوكاً في ولائها، ما أفرغ الخطاب الانفصالي من أي مضمون تحرري، وكشف تحوّله إلى إعادة إنتاج لمنطق الإقصاء ذاته.
وعليه، فإن ما يُقدَّم اليوم باعتباره "إرادة شعبية جنوبية" لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من احتكار السردية، وتطويع المجال العام، وإقصاء الأسئلة الحرجة باسم القضية.
فالإرادة التي تُصاغ تحت القهر، أو تُنتَج داخل فضاء مغلق، ليست إرادة حرّة، بل نتاج ميزان قوة مختلّ. والمشروع الذي لا يصمد إلا بإسكات النقاش، وتجريم الاختلاف، وتحويل التاريخ إلى أداة ابتزاز دائم، هو مشروع يعرف في داخله أنه لا يملك إجابة، بل سردية جاهزة.
اليمن، في لحظته الراهنة، لا يحتاج إلى تفكيك جديد ولا إلى إعادة إنتاج صراعات الماضي بصيغ أحدث، بل إلى استعادة الدولة من مختطفيها، ومحاسبة النخب التي أفرغت الوحدة والجمهورية من معناهما، وبناء عقد وطني عادل يعالج المظالم من داخل الدولة لا على أنقاضها.
فالأوطان لا تُنقَذ بتقسيمها، بل بإعادة تعريفها على أساس العدالة والمواطنة، وحق الناس في السؤال والمساءلة قبل الانخراط في الشعارات الجاهزة.
جلال المحمدي
باحث وأكاديمي يمني.