لماذا ظلت الوحدة اليمنية فكرة عصيّة على السقوط؟
لم تكن الوحدة اليمنية التي أُعلنت في الثاني والعشرين من مايو 1990 مجرد اتفاق سياسي بين نظامين كانا يحكمان شمال اليمن وجنوبه، بقدر ما كانت تعبيراً عن حالة تاريخية ظلت حاضرة في الوعي اليمني لعقود طويلة.
فاليمنيون، على امتداد تاريخهم، لم ينظروا إلى أنفسهم كشعبين منفصلين تجمعهما المصادفة، وإنما كشعب واحد فرضت عليه ظروف السياسة والاستعمار والصراعات الدولية واقع التشطير والانقسام.
ولهذا بدت الوحدة، بالنسبة لكثير من اليمنيين آنذاك، وكأنها استعادة لوضع طبيعي أكثر من كونها تأسيساً لكيان جديد.
ورغم أن اليمن عاش سنوات طويلة من الانقسام السياسي بين شطرين مختلفين في التوجهات والأيديولوجيا، إلا أن ذلك الانقسام لم ينجح في خلق هويتين منفصلتين أو ثقافتين متناقضتين.
كانت العلاقات الاجتماعية والإنسانية بين أبناء الشمال والجنوب أعمق من أن تقطعها الحدود، وكان اليمنيون يدركون دائماً أن ما يجمعهم أكبر بكثير مما تفرضه الخلافات السياسية المؤقتة.
ولهذا ظلت الوحدة هدفاً حاضراً في الخطاب الوطني منذ ثورتي سبتمبر وأكتوبر، حتى وإن تعثرت الطرق المؤدية إليها بفعل الصراعات والحسابات الإقليمية والدولية المعقدة.
لقد جاءت الوحدة اليمنية في لحظة تاريخية لم تكن سهلة على الإطلاق، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.
ففي الداخل كانت آثار الصراعات السياسية والاغتيالات والانقسامات الأيديولوجية لا تزال حاضرة بقوة، بينما كان العالم في الخارج يشهد تحولات كبرى تمثلت في انهيار المعسكر الشرقي وتفكك كثير من الدول والكيانات السياسية.
ومع ذلك استطاع اليمنيون الوصول إلى مشروع وحدوي اعتبر حينها واحداً من أبرز التحولات السياسية في المنطقة العربية، لأنه تحقق بإرادة يمنية خالصة وفي ظل ظروف اقتصادية وسياسية معقدة للغاية.
لكن السنوات التي تلت الوحدة كشفت عن مشكلات عميقة في بنية النظام السياسي للدولة الجديدة، وهي مشكلات لم تكن مرتبطة بفكرة الوحدة نفسها بقدر ما كانت مرتبطة بطريقة إدارة السلطة والثروة والعلاقة بين القوى السياسية المختلفة.
ومع تصاعد الأزمات، بدأ الخطاب السياسي لدى بعض الأطراف يتعامل مع الوحدة باعتبارها سبباً للمشكلات التي تعانيها البلاد، في حين أن كثيراً من تلك المشكلات كان ناتجاً عن غياب الدولة العادلة وضعف المؤسسات واحتكار النفوذ والثروة من قبل مراكز القوى التقليدية.
ومع مرور الوقت، وخصوصاً بعد أحداث 2011 ثم انقلاب الحوثيين في سبتمبر 2014، دخل اليمن مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة.
فقد أدى انهيار مؤسسات الدولة واتساع رقعة الحرب إلى خلق بيئة مناسبة لصعود مشاريع سياسية متناقضة، من بينها المشروع الانفصالي في الجنوب، الذي وجد في حالة الفوضى والخذلان التي عاشها الناس فرصة لتوسيع حضوره السياسي والشعبي.
كما ساهم استمرار سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من شمال اليمن في تعزيز مشاعر الإحباط لدى كثير من أبناء الجنوب، ودفع بعضهم إلى الاعتقاد بأن استعادة الدولة الجنوبية السابقة قد تكون مخرجاً من الأزمة القائمة.
ومع ذلك، فإن اختزال القضية اليمنية في فكرة الوحدة أو الانفصال يبدو تبسيطاً لمشكلة أكثر تعقيداً. فالأزمة الحقيقية التي عاشها اليمن خلال العقود الماضية لم تكن أزمة جغرافيا أو هوية بقدر ما كانت أزمة دولة وإدارة وسلطة.
ولذلك فإن كثيراً من اليمنيين الذين ينتقدون تجربة ما بعد الوحدة لا يفعلون ذلك رفضاً للوحدة نفسها، وإنما اعتراضاً على الطريقة التي أُديرت بها الدولة بعد 1990، وعلى الإقصاء والفساد والصراعات التي رافقت تلك المرحلة.
ورغم كل ما شهدته البلاد من حروب وانقسامات وتوترات، ما تزال الوحدة اليمنية تحتفظ بحضورها في الوجدان العام لقطاع واسع من اليمنيين، ليس باعتبارها شعاراً سياسياً فقط، بل باعتبارها تعبيراً عن روابط اجتماعية وثقافية وتاريخية يصعب تجاوزها.
فاليمنيون، مهما اختلفوا سياسياً، ما تزال تجمعهم شبكة واسعة من العلاقات الإنسانية والعائلية والمصالح المشتركة والتاريخ المشترك، وهي عوامل تجعل من الصعب التعامل مع فكرة الانقسام وكأنها مسألة سياسية بسيطة يمكن حسمها بالشعارات أو بالمواقف الآنية.
وربما تكمن أهمية الوحدة اليمنية في أنها ظلت، حتى في أشد لحظات الانقسام، فكرة مرتبطة بصورة اليمن الذي يتجاوز صراعات السياسة ومصالح القوى المتنافسة.
ولهذا فإن الحديث عن مستقبل الوحدة لا يمكن فصله عن الحديث عن مستقبل الدولة نفسها، وعن إمكانية بناء نظام سياسي عادل يشعر فيه اليمنيون، شمالاً وجنوباً، بأنهم شركاء متساوون في السلطة والثروة والقرار.
لأن الحفاظ على أي وحدة لا يتحقق بالقوة أو بالشعارات وحدها، وإنما بوجود دولة قادرة على تحقيق العدالة وخلق شعور حقيقي بالمواطنة والانتماء لدى الجميع.
✍️ أ. محمد نبراس العميسي
كاتب وصحفي يمني