Logo

الرواية العربية والأفق المغلق

 المتأمل للرواية العربية يدرك أن اقترابها من الأفق المغلق، نابع من دورانها داخل بنيات ثابتة بفعل التكرار بوصفه الملحظ الأكثر كشفا عن مدارات الثبات، 
والأكثر تدليلا على مساحات التصحر الخاص بهذه البنيات نتيجة لكثرة الاستخدام، فالبنية أو الآلية مثلها مثل أي كائن حي يولد وينمو ويزدهر، ويصل إلى بدايات نهايته بفعل الشيوع والانتشار. والأفق المغلق ليس معناه نهاية النوع، 
ولكن معناه أن هذا الفن أو ذلك النوع قد وصل إلى مرحلة تحتم البحث عن شكل جديد، أو عن حركة أو تحوير في اتجاه جديد، أو عن آلية فنية تعيد إليه بعضا من البهاء المفقود بفعل التكرار دون تفعيل أو تخصيب، 
فالاستناد إلى السائد والمكرر يغيب جمالية الظاهرة أو الآلية بالتدريج. والثبات في الشكل لا يفضي فقط إلى بنية شكلية ثابتة، وإنما يؤدي بالضرورة إلى تأويلات شبه ثابتة، ففي كثير من المقاربات تأتي التأويلات من مناح مستمدة من الشكل.
لا أحد يستطيع أن ينكر أن الرواية العربية عامة والمصرية خاصة تأثرت كثيرا بفعل تكرار البنيات وثبات التأويلات، 
وأن هذا التأثر قد وصل إلى مدى خاص، يستطيع من يتأمله أن يضع يديه على علامات واضحة تشير إلى متغير حقيقي قد يصيب منظومة الأنواع بالرغم من تداخلها، وأن هناك تراتبية جديدة، 
قد تلقي بظلالها داخل الأنواع بشكل عام، وداخل الأنواع السردية بشكل خاص. فقد أشار بعض المراقبين إلى قيمة القصة القصيرة وجدارتها، في احتلال مساحة من الرواج والانتعاش بجانب الرواية، وأن صعودها يجاوبه هبوط للكتابة الروائية التي يمكن أن يكون الوهن قد أصاب بنياتها بفعل أشياء عديدة،
 فهناك مساحة من التكلّس البنائي، يصيب في غالب الأحيان الظاهرة الفنية بالضمور والانكماش، فقد أشارت نادية هناوي إلى أن تراجع مكانة الرواية بين الفنون الأخرى-
 ومنها القصة القصيرة- التي أخذت تتقدم عليها بخطة حثيثة ــ لم يعد غريبا؛ بل هو طبيعي ذلك أن القصة القصيرة هي الفن المستقبلي الذي سيتقدم على الرواية شيئا فشيئا. 
وإذا كان القرن العشرون هو عصر الرواية؛ فإن القرن الحادي والعشرين سيكون عصر القصة القصيرة.
في اللحظة الآنية يتجلى للمتأمل أن هيمنة الأنواع أو الأشكال الأدبية أو هامشيتها وثيق الصلة بما تقدمه في معاينة إشكاليات الوجود الإنساني بالنسبة للبشر.
 فدور الشكل الروائي قد يتأثر، لأن محور فنه قائم على الوضوح والفهم، والعالم الآن من خلال تشابكاته غير المبررة تبريرا واضحا، يدخل في طور واسع من الإبهام وعدم الفهم، 
وهذا وثيق الصلة بفن القصة القصيرة، لأن هذا الفن- وهذا جزء من بنية تكوينه- يظل ناقصا ومشحونا بالغموض، وإن كان هذا الفن يكافح دائما للتعاظم على هذا النقص، 
وعلى هذه الجزئية للوصل إلى فهم كلي. وهذه الحال أقرب للقبول وللشيوع بين الكتّاب والمبدعين. فالقصة القصيرة فن الغموض الذي دائما ما يشير إلى أن معرفة الإنسان لوجوده، 
وللأحداث المحيطة به معرفة تعاني الكثير من النقصان. القارئ بعد قراءة القصة القصيرة يصبح أقرب إلى الدهشة، وينفتح ذهنه على التفكير لاستكمال الناقص الذي لم تكشف عنه القصة ارتباطا بطبيعتها البنيوية.
وقد توقف البعض عند الظلال الجديدة للشعر، وأن هذه الظلال- خاصة ظلال الشعر المصري- في طريقها لاكتساب مساحات تصل به إلى مدى مرتفع، وذلك من خلال منجز مجموعة من الشعراء الذين لم ينصتوا كثيرا لدعوات الحداثة المفرّغة من الداخل،
 بل يمكن القول بشكل قد يكون أكثر صحة ومقبولية إن هؤلاء الشعراء في كتاباتهم الشعرية، ظلّوا قادرين على تقديم نص يتأرجح بين المحافظة على الإيقاع، والانفتاح على الفكري والمعرفي، والوعي اللافت بقيمة البنية الشعرية.
هذه الملاحظات الخاصة بالتراتبية الجديدة للأنواع، لا تخلو من خطأ، ولا تخلو من صواب، لأن معظمها يرتبط بمراقبة الظاهرة الفنية في عمومها، وقد تكون مزدانة بانحيازات أيديولوجية فنية، أو موجهة نتيجة ما يقع في أيدي أصحابها من أعمال،
 ولكن كل ذلك- على تنوّع الأسباب- يشير إلى أن منظومة الأجناس الأدبية في حالة قلق تراتبي، وأن هناك همهمات من آن لآخر تشير إلى تصحر ما قد أصاب- أو سيصيب- النوع الروائي، بسبب دخول كثيرين إلى حدوده، مشدودين إلى شيوعه ورواجه،
 أو بسبب انغلاق الأفق بكثرة السير في الدروب البنائية المتواترة، مما أدى إلى ثباتها، دون القدرة على ارتباد أو قتح دروب جديدة مولّدة ومتعالقة بالسابقة.
وفي كل ذلك لا نميل لرأي دون آخر، لأن ذلك يشكل مغامرة غير محسوبة، ففن الرواية باستطاعته أن يغيّر من جلده بسرعة، ويستعيد عافيته، خاصة إذا أحس كتّاب الرواية بالخلل الرئيس بغياب العنصر المعرفي في كثير من منجزهم،
 وإن وجد فهو شائه لا يخلو من تهافت ومحدودية. وعلى الطرف المقابل يمكن أن يزداد هذا التراجع الذي بدأت بوادره في الظهور حدّة، ويحدث التراجع المتوقّع، ويحلّ بكل أركانه على النوع الأدبي،
 ومن ثم سيفتح المجال حتما لنوع آخر لتصدر المشهد، يكون قادرا في التعبير عن حاجة الفرد والمجموع، في التطلع للوصول إلى إجابة عن أسئلته الوجودية، يستطيع هذا النوع الجديد التقاط بوادر التغيير.
هناك توجهات تعمل على تفعيل وجود أنواع فرعية من خلال منظومة النقد المؤثرة بأساليبها المختلفة في تغيير أو تشكيل الوجهة الإبداعية داخل نوع سردي محدد، 
ويمكن أن نجد صدى لذلك على سبيل المثال في تيار أو توجه الرواية التاريخية الجديدة، خاصة مع وجود مبدعين كبار صنعوا تداخلا بين التاريخي والبوليسي مثل إيكو، ومنظرين (مثل ليندا هتشون)، 
ولهذا جاء هذا التوجه الكتابي فاعلا في الحصول على الجوائز، مدشنا لنماجه الشبيهة في دول ولغات عديدة.
حين نتوقف عند الرواية ذات الإطار والبنية الخاصة المستندة إلى نمط تاريخي به شيء من الجاهزية نجد أنها قد أصابها الاختلاف، والكثير من التصحر، والاستنفاد الشكلي، بداية من البنيات المرتبطة بالمخطوطات واللفائف على تنوّعها إلى تقديم الحكايات التاريخية في إطارها التقليدي، 
فكأن الأمر قائم عند حدود قصّ الحكاية أو روايتها بشكل جديد، دون وجود رؤية نقدية معاصرة للتاريخ، تعطيه وتأخذ منه في آن. 
ففي رواية «ملك اللصوص- لفائف إيونوس السوري» للكاتب تيسير خلف يأتي البناء كاشفا عن حكاية عادية لحادثة تاريخية عرفت باسم (ثورة العبيد الأولى 135-132). تشتغل الرواية على الحكاية في تراتبها، وما تثيره من أطر معرفية لا يتولّد إلا في مدى تأويل القارئ الخاص، في إطار السلطة وتحولاتها من مقموع إلى قامع، 
بالإضافة إلى الإشارة إلى ميراث دموي للسوريين ممتد عبر التاريخ، فكأنه يشكل مساحة للهوية، ولكن كل ذلك ليس محسوما إلى بنية سردية، تجعلنا نعيد قراءة الماضي، وفق وجهة نظر حداثية.
الرواية تسيّج تلقينا بالحكاية، فهي لا تناوش هذا الماضي، ولا تقدمه برؤية ناقدة نافذة، ولا ترفده بطرق وأساليب جديدة لإعادة القراءة. والتأويلات التي يمكن أن يقف أمامها القارئ تعود إلى طبيعته المهمومة بعقد التشابكات والمقارنات. 
فالنص الروائي يقدم لك الحكاية دون توجيه، ودون جرّها إلى إطارات معرفية وثيقة الصلة باللحظة الآنية. ففي فترة شيوع هذه الآلية البنائية بداية من رواية «الزيني بركات» للغيطاني، و«العلّامة» لبن سالم حميش، ومرورا بروايات واسيني الأعرج، خاصة رواية «كتاب الأمير مسالك أبواب الحديد»، وانتهاء بروايات أجيال لاحقة، كانت هناك مساحة من التداخل بين الآني والماضي ليست على سبيل الإسقاط، أو قراءة الحاضر بمنطق الماضي، وإنما كان هناك نوع من التبادل المعرفي، حيث يرفد الحاضر الماضي، ويرفد الماضي الحاضر بأشياء متشابكة وشديدة التعقيد.
الفيصل في نجاح مثل هذه الروايات التي تستند إلى جاهزية تاريخية، يتمثل في تغييب الزمن، واندياحها إلى أية لحظة زمنية سابقة أو آنية أو مستقبلية. فرواية الغيطاني «الزيني بركات» تقدم إطارا سرديا مشدودا لزمن محدد،
 لكن إطارها التأويلي أو الدلالي لا يقف عند حدود هذا الزمن القديم في العصر المملوكي، فطبيعة السرد تولّد التعاظم على الحدود الزمنية للحكاية، وتجعلها منفتحة على الأفكار التجريدية شديدة الصلة بالوجود الإنساني.
تبدو تقنية (تيار الوعي) من الآليات التي تلقفها الكتّاب العرب من الرواية الأجنبية لدى أعلامها المعروفين، في محاولاتهم المستمرة لتجديد الشكل الروائي في بدايات القرن العشرين، مثل جيمس جويس ووليم فوكنر وآخرين.
 وقد سجلّت هذه الآلية في الرواية العربية حضورا لافتا، ويمكن مراجعة استخدام هذه الآلية في روايات عديدة، منها على سبيل المثال «النيل الطعم والرائحة» للكاتب الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل، 
فقد حاول الكاتب أن يكشف عن الحضور الباطني للبطل وهو في لحظة مفصلية بين توجه قديم تكوّن في إطاره، وتوجه حديث ينفر منه، ومن ثم فقد كان تيار الوعي طريقا وآلية مهمة لمعاينة هذا التحوّل وأثره الباطني في إسدال نوع من الذهول، ونوع من الثبات الجزئي لم يؤثرا على الحركة السردية، وتوجهها إلى الأمام، وإن كانت بطيئة، نظرا لانفتاح السرد من خلال آليات الارتداد على الخلفيات المعرفية للبطل، للكشف عن تكوين خاص يؤثر بالضرورة على الحدث القادم.
ولكن استخدام هذه الآلية السردية في السنوات الأخيرة لدى بعض الروائيين أخذ منحى مغايرا فيه الكثير من الإفراط، حتى أصبحت الرواية مشدودة للثبات، وفيها فقدت العملية السردية أي مؤشر للحركة والانتقال والنمو التدريجي وثيق الصلة بكل سرد. فالإفراط في استخدام هذه الآلية دون تحويرات أو توازيات مساوية للكشف عن الحركة للأمام، ودون إحداث نوع من التوزان بين الحركة للخلف في مقابل الحركة للأمام، مما يؤدي إلى تغيير في طبيعة تجليها بشكل مستمر، ينتج نوعا من الاحتباس والثبات.
وحين ننظر بشيء من التأمل إلى الكيفية التي تعامل بها كتاب الرواية مع آلية تعدد الأصوات ندرك أنه تعامل غير دال وغير كاشف عن التعدد. فهي آلية وثيقة الصلة بغياب اليقين، وبحضور التوجه الديمقراطي في مقاربة أي موضوع وأية إشكالية مطبقة، من خلال وجهات نظر عديدة ارتباطا بالمناحي الفكرية والثقافية والمذهبية. ولكن استخدام بعض الروائيين- ربما بسبب غياب التشكيلات المذهبية الناجزة في تجليها القديم-لا يجعلها دائرة في سياق التعدد، وإنما في سياق تضخم وإعادة وتكرار، خاصة إذا كان هذا التعدد مرتبطا بإكمال عناصر الكون الروائي، وهنا يتمّ تشويه الآلية، أو على الأقل تجريدها من قيمتها الكاشفة عن التباين في الأسلوب ووجهة النظر واللغة ففي روايات عديدة نجد أن اللغة المستخدمة- بالرغم من هذا التعدد الصوتي- لغة واحدة ثابتة، كأنها لغة أحادية مع كل الأصوات في النص الروائي، وهذا يباين فكرة التعدد في أصل وجودها، وفي قيمتها الوظيفية في الكشف عن التنوّع الأيديولوجي، والتنوّع في الأسلبة اللغوية لكل صوت سردي.
وهذا سياق يجعل آلية التعدد الصوتي مخذولة أو مقهورة، فنجدها في كثير من الروايات في العقود تتجلى بشكل خاص، لا يكشف في عمقه عن التباين الذي يشكل أساس التعدد الصوتي، بل يكشف عن المشابهة التي تؤدي إلى أن تصبح الأصوات أقرب إلى الظلال المتشابهة، دون وجود فروق جوهرية، تحتم المغايرة على مستوى الأيديولوجيا المذهبية أو على مستوى الأسلبة اللغوية، فتصبح الأصوات العديدة مساحة للاكتمال الموحّد، وليس للتباين والاختلاف.

عادل ضرغام