لن أرثي علي سالم البيض .. فالرثاء للعامة
لن أرثي علي سالم البيض ..
فالرثاء للعامة ..
وهو رجل اختزل في صدره خارطة ..
وفي صمته عاصفة ..
لكني ..
سأحاول أن أرسم الوحدة ..
من تجاعيد وجهه ..
تلك الملامح التي شاخت في المنافي ..
بينما ظل حلمه طفلاً يتيماً ..
في شوارع عدن ..
وفي أزقة صنعاء ..
اليوم ..
توقفت رئة الجنوب عن التنفس ..
وترجّل الشريك الذي لم يكن شريكاً في الغنيمة ..
بل كان شريكاً في المغامرة الكبرى ..
هذا ليس نعياً لرئيس سابق ..
بل هو وقوف خاشع أمام المقامر الأكبر في تأريخ اليمن الحديث ..
الرجل الذي حمل الدولة في حقيبة يده ..
وذهب بها إلى نفق جولد مور ..
لا ليفاوض ..
بل ليمنح ..
لم يذهب باحثاً عن كرسي ..
فقد كان الجالس عليه ..
بل ذهب باحثاً عن وطنٍ ..
بحجم أوهامه القومية النبيلة ..
في كيمياء السياسة اليمنية المعقدة ..
كان علي سالم البيض هو العنصر النقي ..
الذي تفاعل بصدق حد السذاجة ..
وذاب في المحلول الوحدوي ..
حد التلاشي ..
حتى إذا ما برد التفاعل ..
وجد نفسه وحيداً خارج الإناء ..
لقد ارتكب خطيئة الصدق في زمن الثعالب ..
وآمن بأن توقيعاً واحداً ..
يكفي لمحو شتات القرون ..
لم يكن يعلم أن حبر التوقيع ..
سيتحول دماً ..
وأن شريك المنصة ..
سيتحول إلى خصم في الخندق ..
هو أوديب التراجيديا اليمنية ..
الذي فقأ عينيه بيده ..
حين رأى الحقيقة عارية في صيف 94 ..
ثم حمل عصاه ورحل في أرض الله الواسعة ..
يجر خلفه خيبةً ..
أثقل من جبل شمسان ..
وأقسى من صمت نقم ..
لماذا نحبه رغم الانكسار؟ ..
لأنه يشبهنا ..
يشبه اندفاعنا العاطفي نحو المستحيل ..
ويشبه خذلاننا العظيم أمام الأمر الواقع ..
هو لم يبع الوهم ..
هو اشترى الحلم ..
بأغلى ثمن دفعه زعيم عربي في العصر الحديث ..
رئاسة دولة كان هو الثمن ..
في منفاه الطويل ..
الصامت ..
والموجع ..
كان البيض تمثالاً من ملح ..
ينظر إلى الخلف نحو كريتر و المكلا ..
لا ليتحسر على سلطة زالت ..
بل ليبكي على نسيج تمزق ..
وعلى جيل ضاع ..
بين الوحدة والانفصال ..
برحيله اليوم ..
ينطوي النصف الثاني من الصفحة ..
ويغلق التأريخ ..
محضر جلسة الثاني والعشرين من مايو للأبد ..
لقد مات الرجل الذي امتلكَ ..
شجاعة التوحد ..
وشجاعة الإعتراف بالخطأ ..
وشجاعة الإنسحاب ..
أيها الرئيس علي سالم البيض ..
نمت قرير العين أو مسهداً ..
لا فرق الآن ..
فقد استرحت من عبء الذاكرة ..
ومن وجع الخرائط التي رسمتها بقلبك .. فمزقوها بأنيابهم ..
أنت لست مجرد سياسي عبر ..
أنت الشق الغائر في الروح اليمنية ..
التي كلما لمسناها ..
تذكرنا أننا كنا قاب قوسين من المجد ..
فهوينا ..
وداعاً أيها البيض ..
يا بياض النوايا في زمن السواد الأعظم ..
يا بياض النوايا الذي لوثته أطماع الرفاق ..
ويا آخر الرجال الذين دخلوا التأريخ ..
من باب التضحية ..
لا من باب التكسب ..
... نعم ..
ودّعناه ..
لكن ..
هل تكفي كلمات الوداع لرجلٍ ..
صاغ من دمه حبر الخرائط الجديدة؟ ..
دعونا نعترف اليوم ..
ونحن نواريه الثرى في غربته ..
أن علي سالم البيض ..
لم يكن سياسياً بالمعنى الميكافيلي السائد ..
كان صوفياً في محراب الوطنية ..
آمن بمبدأ الفناء من أجل البقاء ..
فأفنى الجنوب كدولة ..
ليبقى اليمن كأمة ..
لكن مأساته تكمن في أنه مارس طقوس الطهارة الثورية في معبدٍ ..
دنسه الجيران ..
والتجار ..
وأدعياء الوهم المقدس ..
لقد جاءهم من أقصى اليسار ..
يحمل الخبز والورد ..
فقابلوه من أقصى اليمين ..
يحملون الخنجر والقيد ..
تأملوا تلك اللحظة ..
لحظة أن أنزل علم دولته بيده ..
لم تكن تلك حركة بروتوكولية ..
كانت عملية انتحار سياسي واعية ..
قرر أن يقفز في المجهول ..
لا طمعاً في مغنم ..
بل هرباً من تشظي الهوية ..
كان يظن أن صنعاء هي الحضن ..
فإذا بها الفخ ..
وكان يظن أن الوحدة هي المرفأ ..
فإذا بها التيه ..
في سنوات صمته الطويل ..
ذلك الصمت ..
الذي كان أبلغ من كل خطابات الساسة ..
كان البيض يعاقب نفسه ..
ويعاقبنا ..
كان صمته سوطاً ..
يجلد ضمير المرحلة ..
كأنه يقول: ..
لقد منحتكم المستحيل ..
فأضعتموه ..
فماذا تبقى لأقوله؟ ..
هو ليس بريئاً من الأخطاء ..
حاشا ..
فقد أخطأ ..
حين ظن أن نوايا الثوار القدامى تكفي لحماية الدول ..
وأخطأ ..
حين قايض جغرافيا وتاريخاً وثروةً ..
بمصافحة وابتسامة ..
لكنها أخطاء الشرفاء ..
تلك الأخطاء التي نغفرها للفارس ..
حين يكبو جواده ..
لأنه كان يركض نحو الشمس ..
لا نحو الاسطبل ..
نحو الغد ..
لا نحو الأمس ..
كان يجري نحو المستقبل ..
لا نحو الماضي وأوهامه ..
رحل أبو عدنان ..
رحل الرجل الذي عاش متطرفاً في كل شيء ..
متطرفاً في عشقه للوحدة ..
حتى الذوبان ..
ومتطرفاً في رغبته بالفكاك منها ..
حتى القطيعة ..
لا يعرف الحلول الوسط ..
لأن الحلول الوسط ..
هي شيمة المترددين ..
وهو كان مغامراً عنيداً ..
اليوم ..
بينما ينام هو نومته الأبدية ..
بعيداً عن جبل ردفان ..
الذي فجر منه ثورته الأولى ..
وبعيداً عن بحر العرب ..
الذي شهد انكساره الأخير ..
نكتشف نحن اليتامى على موائد اللئام ..
أن هذا الرجل ..
كان الترمومتر الحقيقي لجسد اليمن ..
حين كان بخير ..
كنا نحلم ..
وحين انكسر ..
تكسرت النصال على النصال ..
يا أيها المسافر بلا حقائب ..
إلا من وجع الذاكرة ..
نم الآن ..
فلم يعد هناك شريكٌ ..
يغدر بك ..
ولا حليفٌ ..
يبيعك عند أول منعطف ..
لقد تركتنا ..
وعلامة الاستفهام الكبرى معلقةً ..
فوق رؤوسنا كالسيف: ..
كيف استطاع رجل واحد ..
أن يهدي وطناً بحجم الجنوب بجرة قلم ..
ثم عجز العالم كله ..
أن يعيد له شبرًا واحداً من طمأنينة؟ ..
ستذكرك الأجيال القادمة ..
ليس بصفتك الرئيس ..
الذي انفصل ..
بل بصفتك الزعيم ..
الذي أحب حد التهور ..
ووثق حد السذاجة ..
ودفع الثمن نيابة عن الجميع ..
أنت لم تمت اليوم ..
أنت متّ ..
يوم أدركت أن الحلم ..
الذي ضحيت بعرشك لأجله ..
صار كابوساً يطارد أهلك ..
وما رحيلك اليوم ..
إلا إعلان رسمي ..
لتوقف قلبٍ كان قد مات قهراً ..
منذ ثلاثين عاماً ..
سلام عليك يوم ولدت ..
وسلام عليك يوم وحدّت ..
وسلام عليك يوم انفصلت ..
وسلام على روحك ..
التي ظلت تبحث عن يمنٍ سعيد ..
في زمن الأشقياء ..
حتى فاضت إلى بارئها ..
غريبةً ..
وحيدةً ..
ونقيةً كدمعة في عين يتيم ..
إبراهيم سنان