"ملوك اليمن".. دراما تأريخية بحجم اليمن وتأريخه العظيم
طيلة العقود الفائتة اقتصر الإنتاج الدرامي اليمني على وظيفة الترفيه وحاول مقاربة القضايا الاجتماعية وتناولها بقوالب وأشكال مختلفة،
وبقي التاريخ مهملاً كنتيجة لعدم إدراك واهتمام القائمين على الدراما بالتاريخ أو لأن الدراما اليمنية الناشئة ومحدودة الإمكانات والقدرات وجدت نفسها غير قادرة على التعاطي مع الجانب التاريخي وتناول تاريخ اليمن بمراحل المختلفة مع استثناءات بسيطة ربما كانت دون المستوى.
ومع ظهور إعلانات الأعمال الدرامية التي أنتجت لتعرض خلال شهر رمضان القادم كان اللافت بين عناوين وأسماء لأعمال كوميدية وأخرى دراما اجتماعية، مسلسل "ملوك اليمن" الذي أعلنت قناة "يمن شباب" أنها أنتجته وسيتم بثه خلال شهر رمضان.
ملوك اليمن: إعادة ربط الأجيال بتاريخها
وفي وقت يواجه فيه المجتمع اليمني تحديات سياسية وثقافية استثنائية، تظهر الحاجة الملحة إلى مشاريع فكرية وفنية تُعيد ربط الأجيال بتاريخها العميق وحضارتها الغنية.
ويأتي مسلسل «ملوك اليمن» كخطوة نوعية في هذا الاتجاه، مقدمًا سردًا تاريخيًا متكاملًا عن اليمن منذ عصور سبأ وحِمْيَر،
مرورًا بدوره في الحضارة الإسلامية، وصولًا إلى تعزيز وعي الشباب بتاريخ الآباء والأجداد، وإحياء فخر الأمة بماضيها الزاهر.
تحويل التاريخ إلى دراما حيّة تنبض على الشاشة
بعد التأكيد على أهمية استعادة التاريخ والهوية، يبرز التحدي الأكبر: كيف نجعل التاريخ اليمني حيًا أمام الأجيال الحالية؟
هنا يكمن تميّز مسلسل «ملوك اليمن»، الذي لم يكتفِ بسرد الوقائع، فأعاد صياغتها في قالب درامي مبتكر يمزج بين التوثيق والدقة البحثية، ليحوّل الماضي المطمور إلى تجربة بصرية ومعرفية مشوّقة، تصل إلى المشاهد مباشرة، وتعيد التاريخ إلى قلب الحياة اليومية، دون أن تُثقل على الجمهور أو تفقده المتعة والإثارة.
يقول أسامة الصالحي، أحد المشرفين على إنتاج العمل، إن أهمية مسلسل «ملوك اليمن» تكمن في اعتماده على بحث تاريخي معمق، أعدّه الباحث المتخصص في التاريخ والحركات الفكرية اليمنية زايد جابر، مع إخضاع المادة لتدقيق تاريخي، قبل العمل على تقديمها بصورة مبسطة وقريبة من الناس.
ويشير إلى أن العمل قُدّم في قالب «ديكودرامي» وثائقي درامي، يمزج بين التوثيق والسرد الدرامي، بهدف إيصال المعلومة دون إرهاق المشاهد، خصوصًا في ظل صعوبة الأوضاع وطول المرحلة التي يعيشها اليمنيون.
اليمن بين العدل والظلم: محطات وشخصيات صنعت التاريخ
ليست كل الشخصيات في التاريخ اليمني معروفة، ولا كل المحطات موثقة في الكتب. كثير من الأحداث بقيت مطمورة خلف صفحات الغياب، وبعض الشخصيات لم يحظَ تاريخها بالاهتمام الكافي.
هنا يأتي مسلسل «ملوك اليمن» ليعيد لهذه المحطات حياتها، ولينقل للمشاهد اليمني دروس العدل والحكم، ويبرز كيف أن اليمن حُكم عبر التاريخ بأيدي أبنائه سواءً قبل الإسلام أو بعده،
وأن وحدة الأرض كانت دائمًا مرتبطة بالعدل، بينما كان الظلم سببًا للتشتت والانقسام، حسب الصالحي.
وعن الخط الزمني الذي تتبعه المسلسل يقول أسامة الصالحي إن المسلسل يروي محطات تمتد من سيف بن ذي يزن وصولًا إلى عامر بن عبدالوهاب،
كما يسلط الضوء على شخصيات ومحطات تاريخية لم تحظَ بالاهتمام الكافي، مثل نور الدين الرسولي، وعلي بن الفضل، وأروى بنت أحمد الصليحي.
من البحث إلى الشاشة.. تنوع خبرات وحرفية في "ملوك اليمن"
التاريخ يحتاج إلى عين دقيقة لترى التفاصيل، والفن يحتاج إلى يد خبيرة لتحول الرؤية إلى صورة. في مسلسل «ملوك اليمن»، اجتمع البحث التاريخي مع الخبرة الفنية، لتخرج خلاصة العمل على الشاشة بطريقة غير مباشرة، تقدم للمشاهد وقائع التاريخ بشكل بسيط وواضح.
وفي الوقت نفسه، امتزجت التقنيات الحديثة مع طاقات عربية محترفة، ليظهر التاريخ اليمني حيًا أمام الجمهور، في تجربة تصوير نادرة، جمعت سوريا والأردن وممثلين من نجوم كبار وشباب صاعدين، جميعهم تحت راية الاحترافية العالية.
يضيف الصالحي أن الخلاصة التي خرج بها فريق العمل، من خلال البحث والتنفيذ، قُدّمت بشكل غير مباشر، ومفادها أن هذا البلد لا بد أن يُحكم بالعدل، فإذا حُكم بالعدل تحقق الرخاء.
كما يشير إلى الحرص على توظيف تقنيات عالية المستوى، والاستعانة بخبرات عربية محترفة، إذ جرى تصوير شخصيات في سوريا، في موقع تصوير بمدينة المخرج الراحل حاتم علي، وبمشاركة ممثلين سوريين بارزين، من بينهم عامر علي، وعلي صطوف، وحسام الشاه، إلى جانب شباب سوريين صاعدين.
كما شارك من الأردن الفنان عبدالكريم القواسم، والفنانة رانيا الفهد، إضافة إلى مجموعة من الممثلين الأردنيين، وهي طواقم يصفها الصالحي بأنها عملت بمستوى عالٍ من الاحترافية.
يرى سعيد إسكندر، أستاذ التاريخ بجامعة تعز، أن المسلسل من حيث الفكرة سيشكل إضافة نوعية للعمل الثقافي في اليمن، مؤكدًا أن إنتاج مسلسل يسلط الضوء على ملوك اليمن ويكشف جزء من التاريخ اليمني المهمل هو "عمل ممتاز ومهم، وقد تأخر كثيرًا".
وأضاف أن اليمن يعيش ظرفًا استثنائيًا يستدعي إعادة قراءة تاريخه وتنوير المجتمع، خاصة الشباب، بتاريخ الأجداد وحضارتهم الغنية التي دُوّنت منذ عصور سبأ وحِمْيَر، مرورًا بظهور الإسلام، حيث كان لليمنيين دور بارز في الحضارة الإسلامية والإنسانية عمومًا.
ويشير إسكندر إلى أن ملوك اليمن كان لهم تأثير كبير وعلاقات دولية واسعة في عصور ما قبل الإسلام، إذ امتدت دولهم إلى عُمان والحجاز والعراق وشرق إفريقيا، بما فيها إثيوبيا والحبشة، وتركوا بصمات خالدة ومعالم أثرية ما تزال شاهدة على هذا الوجود الحضاري،
كما لا يزال خط المسند حاضرًا في عدد من هذه المناطق، إلى جانب بقاء إنجازات ملوك حِمْيَر وإسهاماتهم الحضارية قائمة حتى اليوم.
الهوية اليمنية في مواجهة محاولات الطمس
تزداد أهمية استعادة التاريخ حين تصبح الهوية نفسها محل صراع، خصوصًا في لحظات سياسية وثقافية حرجة، حيث يُعاد تشكيل الذاكرة الجمعية تحت ضغط مشاريع تستهدف تشويه الهوية الوطنية.
وفي قراءة للسياق الراهن، يؤكد سعيد إسكندر أن إعادة تقديم هذا التاريخ في هذه المرحلة "عمل له أهمية كبرى في إعادة الاعتبار للذات اليمنية والهوية الوطنية"،
مشيرًا إلى أن اليمن يتعرض اليوم لـ"أخطر محاولة لتشويه وتصفية الوجود اليمني والهوية اليمنية من قبل المشروع السلالي الحوثي".
ويستحضر في هذا السياق شخصيات تاريخية مفصلية، على رأسها سيف بن ذي يزن الحميري، الذي كان له حضور بارز في تاريخ اليمن قبل الإسلام، إضافة إلى الدور المبكر لليمنيين في استقبال رسالة الإسلام، حيث كانت اليمن من أوائل المناطق التي قبلت الدعوة الإسلامية، وهو ما يعكس عمق الإرث الديني والثقافي للمجتمع اليمني.
الملكة أروى: سيدة اليمن وحارسة نهضته
التاريخ اليمني حافل بالملكات والقيادات التي تركت بصمات لا تمحى، لكن القليل من هذه القصص حظي بالاهتمام الكافي.
يتوقف سعيد إسكندر عند تجربة الملكة أروى بنت أحمد الصليحي، بوصفها نموذجًا لنهضة سياسية وثقافية، إذ كانت حاكمة وملكة وشاعرة وأديبة، وتمكنت من توحيد اليمن، وامتد نفوذ دولتها إلى الحجاز ومكة والطائف وعُمان، في فترة شهدت استقرارًا سياسيًا واقتصاديًا ما تزال معالمه العمرانية شاهدة حتى اليوم، من مساجد وقصور وجسور،
فضلًا عن مشاريع المياه في مدينة تعز، التي ما تزال آثارها قائمة. ويضع هذه التجربة في سياق تاريخي أوسع يبدأ من الملكة بلقيس، بما يعكس طبيعة المجتمع اليمني الذي احترم المرأة وأتاح لها الوصول إلى أعلى مواقع الحكم.
الدراما وسلاح الوعي: توثيق التاريخ ومقاومة النسيان
في لحظة يمر فيها اليمن بضغط الصراعات ومحاولات تشويه التاريخ، تتحوّل الدراما إلى أكثر من مجرد ترفيه. مسلسل «ملوك اليمن» يقدم التاريخ بطريقة ممتعة وسلسة، تجمع بين المتعة والفائدة، لتعيد للمشاهد لمحة عن حقب لم تُعرض من قبل، وتمنحه فرصة لفهم جذور الهوية اليمنية.
هذه الدراما لا تكتفي بسرد الماضي، وإنما تصبح أداة وعي تربط المجتمع بماضيه وتقاوم محاولات النسيان والتزييف.
يختتم أسامة الصالحي حديثه "نحن اجتهدنا أن يكون العمل جميلاً، وبسيطاً؛ بحيث يفهمه الجمهور ويستمتعوا في نفس الوقت، بحيث إنه ليس فقط مادة تاريخية؛ لكن يكون فيها جزء كبير من الدراما التي تمتع المشاهد.
صهيب المياحي
المصدر أونلاين