Logo

اصحى يا نايم.. رمضان كما رواه الأدباء

 رمضان في الأدب ليس مجرد شهر في رُزنامة، إنه الفانوس السحري المعلّق في شرفة الزمن؛ ما إن تفركه يد الفنان، حتى تتدفق أطيافه المتنوعة. 

في هذا الحيز الزمني، يطل "المسحراتي" بوصفه بطلاً، وإن كانت بطولته موقوتة بأيام معدودات، ومرهونة بعبوره المحسوب في زقاق أو شارع. 

ساحته الليل، ولغته نقرات خفيفة على رق الطبل المشدود: "مسحراتي مدن وريف/ منقراتي خفيف خفيف".
 
البطل الشطاري

يتفرد ليل رمضان بأجوائه المُلهمة، إنه الشرارة التي شكلت ديوان "المسحراتي" لفؤاد حداد، فقصائده الممتدة من "يا هادي" إلى "صباح العيد" كتبت في رمضان 1385هـ (1964)، 

ثم تلتها مجموعة "صاحب ندا" وصولاً إلى "مع السلامة" في رمضان 1388هـ (1968)، قبل أن يكتمل هذا البناء الشعري الفريد عام 1983.

يضعنا حداد أمام نسخة فريدة من "المسحراتي": بطل يخلع ثوب الصعلكة ليصبح ضميراً للأمة، مبتدئاً إيقاعه بإهداء يربط "اللقمة الهنية" بقداسة "الوطنية" و"حبة الرمل" التي قاسمت الشهداء دماءهم. 

وهذا النداء الوجودي يتردد صداه في رواية "السماء الثامنة" (دار الكرمة، 2026) للكاتب المصري محمد سلماوي، التي صدرت مع مطلع رمضان الجاري؛ 

حيث تتحول غزّة إلى طبل صفيح تقرعه يد القدر، وتصبح جغرافيتها "مسحراتياً" كونياً ينقر على رقّ الضمير الإنساني.
 
في الموروث الكوني، تنتهي السماوات عند السابعة، لكن اختيار سلماوي للرقم ثمانية يفتح أفقاً لمكانة استثنائية، رمزيةً للتضحية المطلقة والمأساة التي لا نهاية لها. 

وفي هذا الليل الرمضاني الطويل، تكشف الرواية محاولات طمس التاريخ والهوية، ليبقى المسحراتي منقراتي على ضمير الإنسانية.

وحين ينطلق نداؤه (اصحى يا نايم)، لا نستيقظ للتزود بالطعام والماء حفظاً لبقاء أجسادنا مثل كافة المخلوقات، بل ننتبه من سباتنا العميق على نقرات تشبه في دلالتها نقرات إبراهيم حمدي على باب أسرة تعيش "جوار الحائط" في رواية "في بيتنا رجل" لإحسان عبد القدوس.

غير أن دخول المكان ليس مثل الخروج منه، شيئاً فشيئاً يتبدل وعي الأسرة التي شحذت حواسها على حافة الخوف، لتغدو النتيجة بدلاً من في بيتنا رجل، "فى المية مية/ من الرجال/ وفى المقاومة/ وفى المداومة.." بصوت حداد.
 
السائرون نياماً

بعيداً عن صخب الحشود وفكرة الجهاد، يفرك يحيى حقي فانوسه ليخرج طيفاً مغايراً: رمضان بوصفه "زمن الاستشفاء" في رواية "قنديل أم هاشم". 

ها هو "إسماعيل"، الطبيب الشاب العائد من أوروبا محملاً بـ"رمد" فكري؛ يرى في تبرك أهله بالزيت خرافةً تستوجب الاستئصال بمشرط العلم. 

وحين يصطدم بقدسية "المقام" تباغته حالة من الربكة، ليأتي رمضان كـ"فاصل زمني" وقائي؛ فلا أحد يجبره على الصوم، لكنَّ الجو العام يفرض عليه سكينةً قسرية، فيصف حقي هذا التحول بأن الكون "خلع ثوبه القديم واكتسى جديداً".

في وسط الميدان الفسيح بالسيدة زينب، يطيل إسماعيل وقفته؛ فلم يعد يرى في المرضى مجرد عيونٍ تنتظر قطرات "سلفات الزنك"، 

بل أبصر فيهم حقيقةً أعمق: "أكباداً رطبة" تنبض بالمحبة والرضا، لتصبح "ليلة القدر" هي لحظة المصالحة الكبرى مع الذات ويتحول رمضان "حقي" قنديلاً يضيء الداخل.
 
"كان ليه ندوّر.. فى غير مكان/ إحنا اللي نوّر.. فينا الأدان/ لازم نطوّر.. حواديت زمان".

نلمس هذه الروحانية في "مرايا" محفوظ، حيث يستعيد براءة الفوانيس مثل براعم حبٍ لم تتفتح بعد. في المقابل، يقدم طه حسين في "الأيام" تجربةً حسيةً فارقة، 

يتحول فيها رمضان إلى "انقلابٍ في الحواس"؛ فالصبي الذي لا يرى الهلال، يبصر بقلبه ما عجزت عنه عيناه، فيستنشق "عبير السحور" ويستدل على البركة برنين الأواني. لم يكن "المسحراتي" في وجدانه مجرد منبهٍ بيولوجي، 

بل كان تأكيداً وجودياً يطمئنه بأن العالم لا يزال بخير، وأن النور ينبع من الداخل.
 
هارمونيكا الحرمان

ينشطر رمضان في الأدب المصري إلى ضفتين متقابلتين؛ جفاف النهار الذي يفرضه الصوم، ورواء الليل الذي تصنعه الألفة؛ 

فأحمد عاكف في رواية "خان الخليلي" لمحفوظ، مثلاً، لا يرى في ذلك النهار إلا صحراء من العطش وغياباً تاماً لملذاته الصغرى؛ فلا سيجارة تضبط مزاجه، ولا فنجان قهوة يفك عقدة صداعه، ولا جرعة ماء تبل ريقه الجاف.

وهو ما يقودنا إلى طيف "الفانوس السحري" في يد إبراهيم أصلان؛ ففي قصة "السوق" من مجموعة "حكايات عن فضل الله عثمان"، التي تجري أحداثها في نهار رمضان في قيظ يوليو/ تموز يجف ريقنا من فرط العطش. 

وبينما تحيل كلمة "السوق" في رمضان تحديداً إلى الوفرة والبهجة، يصدمنا أصلان بسوقه الخرب، بدلاً من روائح "الياميش" (الفواكه المجففة) وتنوعها الفاتح للشهية، 

نجد سوقاً للأشياء المستعملة من أقلام مكسورة وأحذية قديمة، في فضاء عدمي يخبرنا النص عنه صراحةً: "ولم تكن السوق قائمة"..

أجمل ما في القصة هو تحويل آية "كُتب عليكم الصيام" إلى "قدر مكاني وقسري"، حيث يعيش البطل "المفطر" كل كبد الصائم ومعاناته الجسدية دون نية الصيام، ليتحول رمضان في النص إلى منظومة تفرض الجفاف على الجميع حتى على القارئ. 

هنا يعاود المسحراتي القرع على طبله مطلقاً "قفشاته": "اسمع حكايتي/ مع استيماره/ راكبه الحمارة/ أول ما راحت/ راحت لحسني/ قالت يا حوستي/ هو أنت فاطر!".

في ختام رحلته، يتجلى المسحراتي كبطل كرونوتوبي يجوب القرى والمدن في رمضانات مختلفة تحت قبة السماء وفي حراسة نجوم الليل، الوحيد الذي يمتلك مفاتيح الحركة بين "عتبات" البيوت، من قصر إلى أحياء مصر العتيقة إلى سوق أصلان الخرب في العشوائيات: 

"مسحراتي تحت السما/ منقراتي ولربما/ ضحكت سناني المطرّمة/ يمكن يجوز/ راجل عجوز/ لكن جوانحي بيرفرفوا".

سناء عبد العزيز