Logo

رمضان: هويةٌ ومعنى

 تحتل الذاكرة في ثقافات الشعوب مكانة كبيرة، لأنها تشكل المخيال الذي تستطيع به الأمم رؤية نفسها في العالم، أمام ما يتزاحم فيه من ثقافات مغايرة، تنسج التشكل التاريخي للوعي بالذات.
 يدخل رمضان في هذه الخانة التي رغم أنه شعيرة دينية لدى المسلمين – والصوم لدى جميع الأمم التابعة للديانات السماوية عبارة عن عقيدة دينية – إلا أنها تشكلت عبر العصور كثقافة أصبحت لها مدلولاتها الشعبية في كل منطقة من مناطق العالم العربي والإسلامي.

المكان والهوية الثقافية لرمضان
ارتبط رمضان لغويا بالمكان، ففي لسان العرب يُربط رمضان بالجذر «رَمَضَ» والرمَضُ شدة الحر، ومنه الرمضاء التي تعني «شدة حرارة الحجارة أو الرمل من وقع الشمس»، فالارتباط بالمكان واضح من خلال الدلالات اللغوية. 
أعلم أن هناك من ينكر عليّ اعتبار رمضان ثقافة، أو يشكل جانبا ثقافيا، لكن ألا يَنظر إليه الآخر على أنه جزء من هويتنا الثقافية التي نختلف بها معه؟ 
وفي حوارية هذا الآخر ألا نخاطبه بخصوصيات ثقافتنا، باعتبارها تحدث فرقا في واقع حياتنا؟ ألم يصبح الصوم عنصرا علاجيا يصفه عديد الأطباء لعديدٍ من الأمراض؟ 
إن مسار الصوم في تاريخ الشعوب هو الذي يجعل له عند المسلمين مثلا خصوصيته التي تشكل جزءا من الشخصية العامة مجتمعيا، فالإمساك في وقت معين، والإفطار في وقت محدد وكل ما يحيط ذلك من تراويح وليلة القدر، 
وحركة ليلية في سهرات لا أقول إنها من لب رمضان، ولكنها أصبحت بالعرف تابعة له، حتى المطبخ يتغير وتغلب عليه أطباق و»طواجين» مميزة، قد لا نُقبل عليها في غير الشهر الفضيل.
كانت جدتي ـ رحمها الله ـ قبل رمضان بأسابيع تجتهد في شراء الفلفل الأخضر الحلو وشيه ثم تشريحه وتمليحه ثم تتركه يجف، والباذنجان تقوم بتقطيعه دوائر ليكون من مكونات طاجين «البرانية» مع الحمص،
 أما الطماطم فكانت تُخضع حباتها للحرارة في تنور كبير حتى تصبح سائلة وتفرغها في زجاجات، ولا يُستغنى عن الطاجين الحلو الذي يشكل الزبيب والبرقوق المجفف أهم مكوناته. 
كانت هذه من طقوس التحضير لأطباق رمضان، التي تجتمع عليها العائلة في العشاء والسحور، 
فيما كان البعض يتسحر على «السَفة» واللبن، السفة عبارة عن «كسكس» رقيق جدا، يطهى على بخار الماء، في ما يسمى «كَسْكَاسْ»، مصنوع من الألومنيوم، وهو إناء قاعدته مثقبة يوضع على قدر مملوء بالماء ليتشبع بالبخار، 
وهناك نوع آخر مضفور من سعف النخيل، ولما تستوي «السفة» تترك حتى تبرد ثم توضع في طبق وتزين بدقيق القرفة والبيض المسلوق والمكسرات والعسل.
أن يكون رمضان ذا علاقة بالمكان، معناه أن حركة الناس الاجتماعية ستؤسس له احتفالية تتشكل عبر الزمن، تراثا يتعلق بجماعة اجتماعية معينة، يرتبط بمعتقدات الناس في قداسة الشهر وعلاقته بالسماء والتجليات الروحية الناتجة عن ذلك. 
ولهذا تعددت عبر العصور مظاهر الابتهاج في استقبال الشهر الفضيل، ولعل أشهرها فانوس رمضان في المشرق مثلا، 
أما في منطقتنا المغاربية فلعل أهم ما يميز هذا الشهر هو توابل رمضان، إذ الحريرة (الشوربة) لا يمكن أن تحضر إلا وفق وصفة خاصة، هذا الغالب، وهناك تحضيرات أخرى، يبقى أهمها الاستعداد الروحي.

القطيعة مع الجسد سقف المعنى:
أنثروبولوجياً قد يكون هذا التحضير مرتبطا أساسا بالمعنى في الصوم، إذ الانقطاع عن الأكل والشرب والزينة يمثل قطيعة مع ظاهر الجسد والتعلق البيولوجي به والالتفات إلى ما وراءه، إلى الروح، 
ذلك البعد الذي يعتبر مركز التوازن في ما تشكلت حوله الفلسفات التي تقصي المعنى من العالم، كما هي فكرة «الإيمان اللاعقلاني» عند كيركغارد، 
وربما تواجهها فكرة «الإلحاد الفلسفي» عند ألبير كامو الذي يعني النزعة العلموية، التي تعالج كل الأمور من خلال التفكير المادي، أو العلم، 
متجاوزة منطق «الغاية» التي تستحضر المعنى، أو الإيمان العقلاني، الذي يستجيب للفطرة وتساؤلات الإنسان القلقة المتعلقة بالوجود والماهية والروح، وما إلى ذلك من مفاهيم.
الفرح بالصوم يمثل أحد الإجابات عن الادعاء بفقدان المعنى الذي في اعتقادي أحدثه الإنسان، كي ينفصل نزقيا عن مسار الوجهة الإلهية، لأن سقف التفكير الإنساني في الحكاية الوجودية بُني انطلاقا من الآدمية على الإيمان، 
ثم تشكل السقف الإيماني الثاني عند حدود الإبراهيمية باعتبار سيدنا إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء، فمن أين جاء الإلحاد الذي يستدعي على الدوام، ومنطقيا المرجعية التي من خلالها كان (الإلحاد) خروجه عنها.
يمثل الابتهاج بحلول الشهر الفضيل هذه الانعطافة، بفرح الروح العائد بعد هجر، حلول حدثٍ يعيد الذات إلى ذاتها من خلال الروح، فالمُقبل على الصوم، 
إنما يستدعي ذلك السقف الأول في تشكله الاعتقادي بأنه كينونة وجودية مُلْهَمَة بـ»العبادة»، عبادة الخالق الواحد، الله الذي شكل ميراث المسار الإنساني على وجه الحياة، 
من خلال السقف المؤيد بانتظارات السماء، آدم عليه السلام الذي كرس البصمة البيولوجية، باعتباره أصل الخلق بأمر إلهي، وإبراهيم عليه السلام، باعتباره المرجع المسند بالشريعة الإلهية لذريته المتعاقبة على الأرض إلى أن يرثها الله.

رائحة رمضان وتجلي «البيت الأليف»:
ولهذا أجدني منذ أن وعيت، أبحث لرمضان عن رائحة صاحبتني منذ الطفولة، ولم أعد أعثر لها على أثر، كان السوق مهرجانا كبيرا للقاء الشهر الفضيل،
 لكن ليس في خضوعه للنزعة الاستهلاكية الراهنة، وإنما في بروزه كعلامة على تشاركية مقبلة، أهم ما يميزها هو الانقطاع عن السوق كرمز لمغالبة الجوع تخمةً. 
كانت الروائح أهم ما يميز السوق، روائح لا نجدها سوى في الشهر الفضيل، كان الناس تقريبا يتشاركون المستوى نفسه في رمضان، وكان الغالب هو التكافل والتآزر،
 لذلك كانت مائدة الفطور في ما أذكر لا تتعدى التمر والحليب والحريرة، وكان حضور الزلابية والحلويات نادرا في منطقتنا الجنوبية، 
الأهم كان هو الحضور الاجتماعي والديني، الزيارات والسهرات، التي تجلب متعة استذكار الماضي ومحاولة تثبيت الحاضر على سكة عدم الخضوع لمتطلبات الجسد أو تغليبها، فمنطق الروح الخالدة التي لا نعرف كنهها هو الدافع إلى إمعاننا في «العبادات» 
والتوجه إلى الخالق بها لعلنا نظفر بشيء من حقيقة الروح.
لأجل ترسيم حدود التجلي الروحي كانت الجدة رحمها الله تستقبل رمضان بصباغة البيت الطيني، «البيت الأليف» في القصر العتيق، وكان الغالب هو اللونين الأبيض والأزرق، 
وما زلت أذكر تلك الشمس الغريبة التي كان تطل من «عين الدار»، يختلط لونها الشفاف برائحة الصباغة فيغدو اللون كما لو كان ضوءا آخر من شمس مختلفة هي أمامنا، 
ولكن توهج البيت في حلته الجديدة أضفى عليها من الزرقة والبياض ما جعلها عنصرا من عناصر محيطنا الاجتماعي، فتزداد فيوض الروح. 
في هذا المناخ كان يبدو البيت الطيني وكأنه قطعة أخرى من اندفاعات الروح المفاجئة لوجودنا الجسدي، كانت الجدة، رحمها الله، تلتحف «الحايك» أو المْلَحْفَة، سترة تتلفع بها النسوة في المغرب العربي، 
وتبدو في الأيام التي تسبق شهر الصيام كما لو أنها تستعد لاستقبال ضيف، لا يمكن أن تكون مظاهر ضيافته خلال حلوله شبيهة بحلول غيره من الشهور، لا بد أن يختلف كل يوم عن الآخر، 
وكان شهر شعبان عتبة التحضير لرمضان، حتى ظننا أنهما شهران متماثلان في الصوم.
مما أذكره وأنا في طفولتي الأولى، وكان يغرينا الوقوف أمام باب المسجد والسماع إلى تهليلات المصلين مما كانت تدعوه جدتي «صَلاواتَنْ»، 
كان في تلك الليلة شيخ معمم أزهري على منبر المسجد العتيق، كانت هيئته على غير هيئة مشايخنا، لهجته مختلفة، كان رمضان شهر يجمع الأمة من محيطها إلى خليجها وكانت مصر القلب بحق، 
ولما أُفرغت الحياة العربية والإسلامية من مكوناتها العقدية والثقافية، وأصبحت الثقافة مما يُنظر إليه بحرف، تراجع الإحساس القومي والشعور بالوشائج التي تمنح المواسم ابتهاج الخصوصيات.

 عبدالحفيظ بن جلولي
كاتب جزائري