عندما نختلف حول أصنامنا
الاختلاف سُنّة كونية تهدف إلى التنوع والتكامل بين البشر، لكنه يخرج عن هذه السنّة حين يتحوّل إلى تناحر وصراع،
فالاختلاف الفكري مكانه الطبيعي ساحات الفكر والحوار، في الجامعات ومراكز الثقافة ومحافلها، لا في ميادين المعارك والاقتتال.
ولهذا يظل الاختلاف مقبولاً ما دام لم يختلط بالدم.
غير أنّ هذا الاختلاف كثيراً ما يصنع قطيعة فكرية بين الناس؛ إذ ينتصر كل طرف لفكره و"دائرته" الخاصة، وينشغل بنقد الآخرين من دون أن ينظر إلى نفسه في مرآة غيره.
وهكذا تتسع الفجوات، وتغيب نقاط الالتقاء بين المختلفين.
نحن بحاجة إلى فكر يجمع الناس ولا يفرق بينهم، خصوصاً في ظل المأزق الحضاري الذي تمرّ به الأمة. فإذا استمررنا على هذا النهج، سنغدو جزراً فكرية متباعدة، لا تبني شيئاً، ولا يشغلها سوى كشف عيوب الآخرين ومخاصمتهم.
وفي خضم صراع الأفكار المحتدم بين الفرقاء، لن يبقى في النهاية إلّا الفكر الذي ينتصر لمصلحة الأمة كلّها، لا ذاك الذي يبحث عن مصلحة طائفة بعينها، أو حزب محدد، أو شخص بعينه.
ولعل السؤال الأهم هو: ما طبيعة الأفكار التي نختلف حولها؟
في كثير من الأحيان، ليست سوى "مخلّفات" الماضي؛ خلافات قديمة أورثت أحقاداً تناقلناها جيلاً بعد جيل، من دون أن ندرك أن من يظل يجتر أحقاد الماضي لن يصنع مستقبلاً، ولن يترك للآخرين فرصة لصناعته.
فاجترار الماضي لا يغيّر الحاضر، بينما الاستفادة من دروسه هي الطريق الحقيقي لبناء المستقبل.
ولو تخيلنا، على سبيل المثال، أن ساسة أوروبا ظلوا يستحضرون الحروب والنزاعات التاريخية التي خاضتها بلدانهم ضد بعضها البعض، فهل كان ممكناً أن يقوم اتحاد أوروبي اليوم؟
فالتاريخ الأوروبي حافل بحروب مدمرة، من أبرزها:
الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945).
الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918).
حروب نابليون (1799 – 1815).
حرب السنوات السبع (1756 – 1763).
حرب الثلاثين عاماً (1618 – 1648).
حرب المئة عام بين فرنسا وإنكلترا (1337 – 1453).
ومع ذلك، تجاوز الأوروبيون تلك الذاكرة الدموية، وبنوا مشروعاً سياسياً واقتصادياً مشتركاً. فهل يمكن للعرب والمسلمين أن يستلهموا هذا الدرس؟
تجاوز الأوروبيون تلك الذاكرة الدموية، وبنوا مشروعاً سياسياً واقتصادياً مشتركاً. فهل يمكن للعرب والمسلمين أن يستلهموا هذا الدرس؟
المفارقة أن الأفكار التي نختلف حولها ليست دائماً أفكاراً مجردة، بل غالباً ما نُقحم الدين في قلبها، فتصبح أفكاراً مقدسة، ويتحوّل الخلاف حولها إلى صراع مقدس.
وهنا يكمن الخطر. فلماذا نصرّ على استخدام الدين سلّماً لتحقيق طموحات دنيوية؟
ولماذا تتحول بعض الشخصيات أو الأفكار إلى "أصنام" جديدة نحيطها بهالة من القداسة؟
لقد جاء الإسلام ليحطم الأصنام، لا ليصنع للناس أصناماً جديدة بأسماء مختلفة.
لكل جماعة أصنامها: أصنام حزبية، وأخرى سياسية، وثالثة تُلبس لبوس الدين.
وكل فريق يقدّس رموزه وأفكاره كما لو كانت حقائق مطلقة لا تقبل النقاش.
عبد الحفيظ العمري
كاتب ومهندس يمني