حين تصير الكتابة جريمة: الإبداع في زمن الخوف والكذب
لا تكون الكتابة، في البلدان التي يحكمها الخوف، شأناً ثقافياً منفصلاً عن خراب المجال العام، ولا تمريناً جمالياً بريئاً على استعراض الفصاحة والخطابة فقط، بل امتحاناً للضمير الحي ومواجهة شرسة مع منظومة المنع والتشويه والابتزاز.
فالكاتب يُكتب تحت سقف منخفض وأمام سلطة تعمل على مصادرة المعنى نفسه. ولهذا تكون الكتابة فعل يقظة واختباراً أخلاقياً متصلاً بمصير المجتمع كله.
فما يُقمع في بلاد الخوف ودول الكذب هو قدرة الناس على تسمية ما يعيشونه وفهم ما يقع لهم والدفاع عن حقهم في رواية ورؤية العالم..
يحدث ذلك لأن الاستبداد لا يخاف السلاح وحده، بل يخاف اللغة أيضاً، وربما يخشى الجملة الدقيقة الصادقة أكثر مما يخشى الصرخة العالية. فالصرخة قد تُقمع أو تُستهلك سريعاً،
أما الجملة التي تضع يدها على العطب، وتربط الألم بسببه، والخراب بصانعه، فهي الأخطر؛ لأنها تنتزع من السلطة امتيازها الأثمن: امتياز تعريف الواقع وامتياز تعريف الأشياء.
فالاستبداد ليس احتكاراً للعنف، بل هو احتكارٌ للتسمية أيضاً؛ إنه يسمّي القمع أمناً، والكذب مصلحة وطنية، والخنوع حكمة، والصمت مسؤولية وضبط نفس. ومن هنا تبدأ مأساة الكتابة وضرورتها معاً.
الخوف ليس حالة نفسية،
بل نظام تدريب على الذل
يتجلى الخوف في المجتمعات المقهورة بوصفه انفعالاً فردياً أولاً، ثم بوصفه نظاماً لإدارة الناس وتدريبهم على الطاعة.
إنه يتسلل إلى البيت والمدرسة ومكان العمل والجامعة والمقهى والعلاقات الصغيرة، حتى يغدو مناخاً عاماً تتعلم فيه الجماعة كيف تصمت، تخرس، تبتلع اعتراضها، وتكرر ما لا تصدّق كأنها تصدق.
وهنا تتجلى براعة الاستبداد ووحشيته معاً: فهو لا يفرض الصمت والذل ويكتفي، إنه يكوي الوعي ثم يصهره ثم يعيد تشكيله من الداخل، ويشطر الإنسان بين ما يراه وما يقوله، وبين ما يعتقده وما يعلنه، حتى يغدو العيش نفسه تمريناً يومياً على التمثيل البارع والكذب المتقن.
وهذا الانشطار يتعدى كونه مجرد وسيلة هروب وإفلات أو نجاة، إلى جرح أخلاقي طويل وعطب روحي مقيت.
أما الكاتب، فهو أكثر من يختبر هذه المأساة؛ لأن عمله قائم أصلاً على مطابقة اللغة للعالم، يقوم على وضوح المعنى وثبات الموقف، لا على مجاملة الخوف.
لذلك لا يُلاحق بسبب رأيه وحده، بل لأنه يذكّر المجتمع بأن الواقع المهين ليس هو الرواية الحقيقية، وأن الرواية الرسمية كاذبة، وبأن الكلمة الواعية قد تكون آخر ما تبقى من الحقيقة.
السلطة القمعية ليست في حاجة إلى تصديق الجميع؛ يكفيها أن تُنهك المجتمع، وتبلبل معاييره، وتُعطّل قدرته على التمييز.
وتشكك في قدرته على التفكير منفرداً والحكم على الأشياء، إنها لا تحكم بالرواية المصنوعة، المكذوبة، بإحكام وحدها، بل أيضاً بإغراق الفضاء العام بالأكاذيب، الحكايات المخترعة والإشاعات، حتى لا يعود السؤال: ما الحقيقة؟
بل: من بقي قادراً على مطاردتها، مخلصا ومثابراً؟ هذا النوع من السلطة يُخرّب شروط الحقيقة ذاتها. يكذب على الناس، يفسد المفاهيم، ويشوّه اللغة، ويحرق المعنى، وينتزع الكلمات من سياقها ومن شرف مقاصدها، ثم يملأها بما يخدم بقاءه.
فيغدو القمع أمناً، والطاعة وطنية، والنهب مصلحة عليا، والقانون أداةً في يد الأقوى. وهكذا لا يعود الكذب انحرافاً أخلاقياً عابراً، بل يصير بنية حكم وآلة يومية لصناعة الوهم.
ومن هنا لا تكون مهمة الكاتب فضح الواقعة وحدها، بل فضح المعجم الذي تُدار به الوقائع. فالكارثة ليست في أن السلطة تكذب، بل في أنها تريد للكذب أن يصير لغةً عامة، وأن يفقد المجتمع حساسيته نحوه، ونحو الكاذبين وحين تبلغ هذه المرحلة، تبدأ استعمار الوعي نفسه.
الكتابة في زمن الخراب ليست مجرد زينة أسلوبية ولا ملعب للبراعة، بل تصبح اختباراً أخلاقياً. فحين ينهار المجال العام، وتُخنق الحقيقة، ويُدفع الناس إلى العيش داخل رواية مزوّرة، يفقد الجمال براءته حين يزيّن الاستبداد، أو يعلّم الناس التعايش مع الإهانة.
وكم من نص أنيق شارك، بقصد أو بغفلة، في تمييع الجريمة، أو في منح الطغيان لغة مهذبة تليق بوجهه القبيح. إن المهارة اللغوية تفقد قيمتها حين تغدو ستاراً للحقيقة، بل قد تصبح أشد خطراً حين تمنح الكذب هيئة محترمة.
أما الكتابة الجديرة باسمها، فلا تكتفي بالجملة الجميلة، بل تصنع مسافة نقدية بين الإنسان والأكاذيب المفروضة عليه. ليس بالصراخ وحفلات الشتائم، بل بالدقة والربط والكشف وردّ المعنى إلى الكلمات التي أفسدتها السلطة.
ذلك هو معناها الأعمق في زمن القمع: أن تنتزع اللغة من أيدي مُدنّسيها.
الرقابة الأشد فتكاً
هي تلك التي تستقر في الداخل
مهما اشتدت الرقابة المباشرة، ستظل مرئية: فهي عبارة عن منع، وتهديد، واستدعاء، ومصادرة، وتشويه. أما الرقابة الأفتك فهي تلك التي تُعفي السلطة، بعد حين، من كل هذا العناء: حين ينجح النظام في نقل الرقيب إلى داخل الكاتب نفسه.
عندئذ لا يعود السؤال: ما الذي يجب أن يُقال؟ بل: ما الذي يمكن أن يمرّ؟ وما حجم الحقيقة الذي لا يهدد السلامة أو الموقع أو المصالح؟
هنا يبلغ الخوف ذروته؛ إذ لا يعود ردَّ فعل على خطر خارجي، بل يصير منطقاً خفياً وأسلوب تفكير ومعياراً ينظم الجملة والخيال والموقف. وهكذا يغدو الاستبداد أكثر من سلطة سياسية: قوة تعيد تشكيل البنية الداخلية للذات.
لذلك لا تكون الكتابة النزيهة مقاومةً للمنع الخارجي فقط، بل مقاومة أيضاً لهذا الترويض الباطني. مقاومة لفكرة أن السلامة أعلى من الحقيقة، وأن النجاة الفردية تبرر كل تنازل.
صحيح أن الحياة أعقد من بطولات مجانية، لكن الفرق الأخلاقي يظل حاسماً: فرقٌ بين من يقتصد في القول اتقاءً للأذى، ومن يحوّل موهبته إلى وظيفة في جهاز الكذب وهنا مكمن الخطر وجمرة الحريق.
حين تضيق مساحة التصريح، يلجأ الأدب إلى الحيلة: تتسع الاستعارة، ويشتد الرمز، وتتكاثر الأقنعة. وليس ذلك ترفاً جمالياً دائماً، بل كثيراً ما يكون وسيلة بقاء.
فالكاتب الذي يُمنع من تسمية السجّان قد يبني عالماً كاملاً عن السجن ومدن الملح والموت، فيراه القارئ حاضراً. وقد يكتب الروائي عن القرية أو العائلة أو المؤسسة الصغيرة، فيما تكون البلاد كلها هي الموضوع المستتر.
غير أن لهذه الحيلة فخها أيضاً. فالمراوغة التي تبدأ ضرورة قد تنقلب عادة، والغموض الذي يحمي المعنى قد يصبح قبراً له، والرمز قد يتحول إلى ستار لا يقول شيئاً.
لذلك فمحنة الإبداع تحت الكبت ليست في الإفلات من الرقابة وحده، بل في الحفاظ على الصدق الداخلي للنص: أن يناور من غير أن يضيع، وأن يستعير القناع من غير أن ينسى وجهه.
الذاكرة في مواجهة آلة النسيان
كل سلطة كاذبة تدرك أن السيطرة على الحاضر لا تكتمل من دون السيطرة على الماضي. لذلك فهي لا تقمع فقط، بل تعيد كتابة الوقائع، وتبدل الأسماء، وتمحو الشهود، وتُحوّل الضحايا إلى تفاصيل هامشية في سردية أكبر عنوانها الدولة أو الأمن أو الظرف الاستثنائي.
وهنا تتقدم الكتابة بوصفها قوة مضادة للنسيان المنظم. فالنص الجاد لا يحفظ الحدث فقط، بل يحفظ أخلاقية الحدث أيضاً: يحفظ وجه الضحية، وارتباك الشاهد، وملمس الخسارة، وتفاصيل الإهانة التي تسعى اللغة الرسمية إلى تبريدها وتحييدها.
فالسلطة تميل إلى التجريد لأن التجريد يخفي الألم، أما الكتابة فتردّ الأمور إلى أجسادها وأسمائها.
ليس مطلوباً من الكاتب أن يكون قديساً، ولا مشروع شهيد. لكن لا يجوز أيضاً غسل اليدين من المسؤولية بأية حجة كانت. فبين البطولة المجانية والانخراط الكامل في آلة الكذب مساحة واسعة من الخيارات الأخلاقية.
لكن ما لا يجوز تبريره هو أن يتحول الكاتب إلى سمسار معنى، أو إلى مزين للقبح، أو إلى موظف بلاغي في جهاز القمع.
ثمة فرق أخلاقي لا بد من الدفاع عنه بين من يُرهقهم الخوف، وبين من يستثمرونه لصالحهم، وبين من يدفعون أثماناً ليحتفظوا ببعض الصدق، وبين من يحولون موهبتهم إلى خدمة في بلاط الكذب.
لماذا تبقى الكتابة ضرورية رغم كل شيء؟ لأن الخطر النهائي في مجتمعات الخوف ليس فقط أن يعلو صوت السلطة، بل أن يضعف نفور الناس من القبح، وأن يتطبّع المجتمع مع الكذب.
هنا تكتسب الكتابة ضرورتها القصوى. إنها تذكّر الناس بأن ما يجري ليس طبيعياً، وأن الإهانة ليست قدراً، وأن اللغة البسيطة الصادقة يمكن أن تكون أشرف من خطابات الدولة، وأن الذاكرة يمكن أن تكون أكثر عدالة من مؤسساتها. الكتابة الجادة لا تُسقط الاستبداد وحدها، لكنها تمنعه من الانتصار على المعنى والروح. إنها تحرس حق الإنسان في أن يرى، ويسمّي، ويتذكّر، ويرفض.
الكتابة في مجتمعات الخوف أحد الأسماء الأخيرة للكرامة. وذلك ليس لأنها فعل بطولة، بل لأنها ترفض أن تترك المعنى وحيداً في مواجهة آلة التزوير وسلطة الكذب الرسمي.
إنها تقول «لا» للكلمة المزوّرة، و«لا» للذاكرة المشطوبة، و«لا» للتصالح مع الإهانة، و«لا» لتحويل الخوف إلى قانون داخلي يحكم النفوس.
ومن هذه الـ«لا» تبدأ وظيفة الكاتب الحقيقية: تصبح شاهداً على ما يريد الكذب محوه، وحارساً لصدق اللغة، ومدافعاً عن حق الإنسان في ألا يُعاد تشكيل وعيه على مقاس السلطة وآلات القمع والإذلال والسيطرة.
ولهذا تبقى الكتابة، في نهاية المطاف، أكثر من مهنة وأكثر من فن وأكثر من رسالة: إنها دفاع عن إمكانية الإنسان وكرامته، وعن قدرته على التسمية والتذكر والرفض وتخيّل عالمٍ لا تكون فيه الحقيقة تهمة، ولا الكرامة مخاطرة، ولا الكتابة جريمة، ولا اللغة مزرعة خاصة للطغيان، في وجه الطغيان كله.
إياد شماسنة