Logo

صعود الرومانسية.. روايات حب واقعية عن عالم غير مطمئن

 في واحدة من أكبر المفارقات حضوراً لدى الأجيال الجديدة من القرّاء العرب، يتوقف المتابع عند الانتشار الواسع الذي حظيت به رواية عاطفية مثل "أنت لي" للكاتبة السعودية منى المرشود، 

حيث تركت سؤالاً ملحاً: كيف أحب الجيل الجديد، الذي يوصف بأنه جيل القراءة السريعة، عملاً مؤلفاً من جزأين كبيرين بلغ عدد صفحاته 1600 صفحة؟

 وهل في هذه الواقعة ما يستدعي الخروج بنتيجة مغايرة للسائد؟ وهل الحاجة للعاطفة مسألة تتجاوز طقوس الحياة اليومية السريعة؟

ليس من الشائع في الفضاء الأدبي الرسمي العربي، الحديث عن روايات رومانسية منتشرة بين القراء، وحين نقلّب في قوائم الروايات التي يرشحها النقاد للجوائز، لن يسمي أي منهم رواية عاطفية لتكون حاضرة في المنافسة،

 الأمر الذي يؤكد أن هذا النمط الادبي، يعيش ومنذ زمن طويل في الهامش أو خارج الاهتمامات النقدية.

غير أن النظرة الواقعية لسوق النشر العربي، وفي منطقة الخليج تحديداً، تقدّم معطيات مختلفة إذ ثمة أرقام توزيع مرتفعة لأعمال كاتبات اشتهرن بهذا النمط، 

وأهم الأمثلة هنا رواية "أنت لي" التي أعيدت طباعتها مرات عدة من أكثر من دار نشر عربية معروفة منذ نشرتها مؤلفتها تحت اسم مستعار (تمر حنا) عام 2007 على شبكة الإنترنت، لكن سرعان ما نشرتها باسمها الصريح، لتصبح واحدة من أبرز نماذج الأدب الرومانسي العربي الجديد.
 
قصة الرواية تقليدية، أي إنها متكررة في الخيال الأدبي العربي والعالمي، تحكي عن طفلة تكبر بين أبناء عمها بعد وفاة والدها وتتعلق بابن عمها، وتنشأ بينهما علاقة عاطفية تتعرض للمعوقات، لكنها في المحصلة تصل إلى نهاية سعيدة.

 لكن هذا لم يمنع القراء من التعامل معها بجدية عالية، والنقاش حول تفاصيل الأحداث فيها، أي إن ما يشغل القراء يبدو بعيداً عن المعايير التي يشتغل بها العقل النقدي السائد.

في مطالعة التجارب الأخرى، يمكن العثور على عدد كبير من الأسماء التي تنهج في ذات الطريق، فقائمة الأدب الرومانسي في موقع "أبجد" مثالاً، أو على شبكات القراءة مثل "غودريدز" وغيرهما أكبر مما نتوقع، 

وهذه النتيجة تقودنا إلى سؤال حول عودة الأدب العاطفي إلى فضاء القراءة إثر غيابه عن التداول طويلاً بعد تنميطه باسم أدب الروايات الوردية التي جرى تداولها في العقود السابقة مثل روايات "عبير" أو "أحلام" وغيرها. 
 
فعلياً تعيش تجارب الأدب الرومانسي العربي في الحيز المعتم، رغم عدم وجود شيء سري هنا، وتلاشي الخجل من الكتابة عن الحب، لكن الصيغة التقليدية تغيرت، 

وهذا ما نلاحظه في موقع "واتباد" حيث يتداول كُتاب الهامش تجاربهم ويتناقشون في مناخ مختلف عما نشاهده في الفضاء الثقافي، والأمر ذاته يحصل حين يتجول المرء في نقاشات موقع "ريديت" 

فبينما نجد في صفحات الصحف مقالات مطرزة بأناة لتقييم الأعمال الأدبية، يصبح الأمر هناك قولاً واحداً يصوغه القارئ ويرميه كتعليق ثم ينصرف لشؤون أخرى. 

 لتصبح آلية الترويج البرقي الذي تحصل عليه الروايات الرومانسية بطريقة سريعة أكثر جدوى، دون أن يحتاج مؤلفو هذا النوع من الأدب إلى تقييمات نقدية موسعة، 

وطالما يدخل الكاتب إلى حيز قصته دون إنشاء، مستخدماً التجارب الحياتية المعاصرة مادة له، فإنه يضمن أن ثمة من سيقرأ ويُعجب،

 وحتى حين يجد أن هناك من لا تعجبه الرواية فإن الأمر لا يلغي حضوره طالما أن النشر متاح ولا يخضع للمشاق التي يواجهها الكُتاب في عالم دور النشر.
 
المشترك بين ما يكتب عربياً وما يدونه آخرون في باريس ولندن وبرلين ونيويورك يقوم على تقديم شخصيات معاصرة غير مثالية، ما يسهّل التماهي ويمنح القارئ شعوراً بالاعتراف بتجربته الشخصية.

 إلى جانب ذلك، توفر هذه الروايات مساحة للهروب من ضغوط الحياة اليومية مع الحفاظ على ارتباطها بالواقع النفسي. كما أن صعود الكتابة النسائية والجمهور النسائي لعب دوراً حاسماً في توسيع هذا السوق. 

كذلك ساهمت اللغة البسيطة والبناء السردي السريع في جذب جيل جديد من القراء. 

ومن جهة أخرى، حصل اندماج للثيمات الرومانسية مع أنواع أخرى مثل الفانتازيا، وكذلك جرى ربط معاناة العشاق بأخطار وإثارة وتجارب حياتية معاصرة، الأمر الذي زاد من انتشارها عبر جمهور أوسع. 

كما أن دور النشر التقليدية استثمرت بقوة في هذا المجال بعد نجاحاته التجارية،

 وظهرت كذلك في أوروبا كيانات نشر جديدة مكرّسة لإصدارات الرومانس الحديثة، خصوصاً في فرنسا مثل "هوغو رومانس" و"Éditions &H" و"BMR"، إلى جانب دور مستقلة مثل "Spark Publishing". 

وفي ألمانيا يظهر التخصص عبر سلاسل قوية داخل دور كبرى مثل "Forever". أما إسبانيا فتعتمد أكثر على سلاسل ضمن ناشرين كبار وشبكات دولية مثل "Saga Egmont" 

هذا التوزع يوضح أن الروايات الرومانسية تحوّلت إلى قطاع نشر قائم بذاته في السوق الأوروبي.

يظهر الفرق بين الروايات العاطفية الكلاسيكية وبين الرومانس الجديد في جوهر النظرة إلى الحب ذاته، لا في الأسلوب فقط. 

فقد رسّخت الأولى نموذجاً يقوم على حب مثالي وشخصيات شبه مكتملة، مثل البطل الجذاب والبطلة البريئة، اللذين يعيشان صراعاً محدوداً ينتهي غالباً بخاتمة سعيدة مؤكدة.

 حمولة النمط هنا تقوم على أنّ هذا العالم العاطفي يبدو منسجماً ومطمئناً، حيث يتحقق الحب بوصفه حلماً واضح المعالم.

في المقابل، يقدّم الرومانس الجديد رؤية أكثر تعقيداً وواقعية. الشخصيات هنا هشة، مترددة، ومحمّلة بتاريخ نفسي يؤثر في اختياراتها. والعلاقات ليست دائماً متناغمة، قد تتخللها توترات أو اختلالات في القوة أو حتى تجارب مؤلمة. 

كما تحتل موضوعات مثل القلق والصدمات والبحث عن الهوية مكاناً مركزياً داخل السرد، ما يمنح هذه الروايات عمقاً نفسياً واضحاً.

وبحسب الكاتبة الفرنسية ماتيلد جوبيل التي نشرت مقالة الشهر الماضي، في موقع فرانس إنفو، عن الأدب الرومانسي العائد بقوة إلى أسواق النشر الأوروبية فإنّ هذا النوع من الأدب بات يحوز على 10% من حجم المبيعات، بعدما أُهمل لوقت طويل ونظر إليه بازدراء. 

أما أديلين فلوريمون-كليرك أستاذة علوم الإعلام والاتصال، المشاركة في تأليف كتاب "الرومانس الجديد: تشريح ظاهرة نشر" (منشورات جامعة لورين، 2025) فتكشف أنّ 30 من أصل 100 رواية حازت أكبر نسبة مبيعات في عام 2024، في فرنسا كانت روايات عاطفية.

علي سفر