Logo

"سرديات" الحرب كما عاشتها نساء اليمن

 عشرون كاتبة يمنية يسجلن تفاصيل الحرب التي استمرت في بلادهن لأكثر من عشر سنوات، من زوايا متعددة تروي يوميات الصراع والنزوح والفقد والصدمات كما عشنها مع عائلاتهن وأطفالهن. 

جُمعت هذه النصوص في كتاب "سرديات الحرب من وجهة نظر النساء" الذي أطلقته السبت الماضي في مدينة تعز، مؤسسة سطور للتنمية الثقافية بالشراكة مع معهد غوته الألماني بتمويل من بعثة الاتحاد الأوروبي في اليمن.

يستند المشروع إلى مقولة الكاتبة الأميركية مايا أنجيلو: "لا يوجد عذاب أعظم من حمل قصة غير مروية بداخلك" 

حيث يأتي دور الكتابة في مشروع "سرديات" بوصفها أداة توثق حرباً ضروساً مع الذاكرة، مقاومة ما يفلت منها ويُنسى، عبر شهادات حية للمشاركات من مختلف المحافظات اليمنية،

 حيث تقول حنين الإغواني، المديرة التنفيذية لمؤسسة سطور إن "النساء في اليمن هن أكثر من يحملن عبء الحرب داخل البيوت، وفي محاولات النجاة اليومية، لكن قصصهنّ غالباً ما تبقى في الظل؛ 

لذلك جاء هذا المشروع ليمنحهن مساحة آمنة للتعبير من خلال الكتابة، ليس فقط بوصفهن "ضحايا حرب"، وإنما شاهدات على الحياة، وحاملات لذاكرة كاملة مليئة بالمشاعر والأسئلة والتفاصيل الإنسانية".

مرّت هذه النصوص بمراحل عديدة من إعادة الكتابة والمراجعة عبر لجنة مؤلفة من كتّاب ونقاد اختيرَت بهدف تدقيق النصوص وتنقيحها، لغرض نشرها في كتاب.
 
ماذا كتبن، ولماذا؟

في قصة "11 مايو" تستعيد ليلى حسين من صنعاء ذكريات ما زالت عالقة في رأسها منذ قصف جبل نقم في العاصمة صنعاء عام 2015. 

تقول ليلى: "بدأ الأمر بتسجيل مذكراتي اليومية، كي لا أنسى ما حدث، واليوم أعود إليها لأخرج بفكرة قصة "11مايو". 

تفاصيل ذلك اليوم ما زالت عالقة في رأسي، خصوصاً موقف الحافلة، فإثر القصف كان الجميع قلقين على شيء أو أحد ما، انقطعت شبكات الاتصال، ودار في رأسنا جميعاً السؤال نفسه، هل سننجو؟" .
 
في قصتها، تكتب ليلى: "دخلتُ حديقتنا وقد اغتالها الحدث، تهشمت جميع أوراق النعناع إثر شظية تائهة. لا يمكنني نسيان حيويتها وانتعاشها قبل ساعتين، لا يمكنني تجاهل احتراق جذورها...".
 
أما في قصة "فاطمة"، فتعالج نجلاء أمين من تعز صدمة تهجيرها مع أطفالها، وتفجير منزلها على رأس زوجها الذي اكتُشف أمره بعد مرور خمس سنوات من الحادث. 

وتكتب على لسان طفلتها فاطمة: "أحب اللعب هنا. رغم أن الجميع يرون المكان مخيفاً ومليئاً بالأشباح.. لكنني لا أراه كذلك.. تعرفون لماذا.. لأن أبي ينام تحت هذا الركام.. هذا ما تبقى لي منه. فأنا لا أعرفه إلا من حكايات أمي".

 ولا تكفّ فاطمة عن التساؤل في القصة، عن سبب جعل أمها الخبز يحترق في ذلك اليوم، ولماذا هناك حرب، ولماذا يموت الآباء؟". 

من حضرموت، تكتب أسماء عبد اللطيف عن المشي بخوف نحو الموت، وعن جارها الذي لم يعد بعد مشواره إلى المخبز، عن جارتها الثكلى، ولا تكفّ عن التفكير في قدرة الحرب على تحويل الجميع إلى مجرد أرقام تنزلق سريعاً من الذاكرة.

 تقول في نصها "أرقام": "أتساءَلُ إن كان سيعود أحدهم للمنزل يوماً؟".
 
الكتابة ثأر شخصي 

الكتابة بالنسبة إلى ميساء مطهر من صنعاء، تعد ثأراً شخصياً من الواقع، فهي تهجره نحو الخيال. في قصتها "حياة برائحة غمدان" 

تكتب: "كل مرة تعود فيها إلى البيت، كانت تشعر بانتصار، ليس لشيء، فقط لأنها نجت، تغلق الباب، تخلع حذاءها، وتتنفس وتقول: عدنا إلى العلية يا غمدان، علينا أن نبقى هنا، أن لا نغادر العلية، سنبقى نتحدث وندخن حتى ننسى أننا في حرب!".

على خلاف ميساء، فالكتابة لدى عفاف صالح من صنعاء، مسؤولية تقع على عاتقها، تراقب من خلالها نساء مجتمعها وتوثق معاناتهنّ وأحلامهنّ. 

تقول عفاف: "أكتب عن النساء اللواتي يتركن البيت كل صباح بحثاً عن لقمة العيش، عما يواجهن هناك، عن ضعفهن وسلوكهن سبيلاً مخالفاً لقيمهن، فالمرأة الجائعة التي لا تجد ما تبيعه، تقدم جسدها، وهذا ما لا يوثق في مجتمع يدعي الفضيلة كمجتمعنا اليمني".

تحكي عفاف في قصتها "مسار إجباري" عن أرملة لديها ثلاثة أطفال، قُتل زوجها في جبهة القتال، ولم يترك لها شيئاً تقتات منه هي وأطفالها، إلا صورة قائده المعلقة على جدار الغرفة. تخرج كل يوم لتبحث عن عمل، لكن بلا جدوى، تضطر في النهاية إلى أن تسلك طريق بيع جسدها لتأمين الخبز.

محمد الأصبحي 
 كاتب يمني.