Logo

ماذا فعل نظام التفاهة بالنقد الأدبي؟

 لم يعد مأزق النقد العربي الحديث مجرد ضعف أدوات أو ندرة أسماء قادرة على القراءة فحسب، بل صار أزمة وظيفة وكارثة معيار. 

فقد انتقل النقد، في مساحات واسعة من الحقل الثقافي، من موقع المساءلة إلى موقع المجاملة، ومن اختبار النص إلى خدمة صورته، ومن بناء الحكم المعرفي إلى إنتاج مديح جاهز يمر عبر الصحف والمنصات والجوائز ودور النشر كما تمر الإعلانات المهذبة.

هذه ليست زلة عابرة، بل نتيجة صعود نظام ثقافي يكافئ الحضور الشخصي أكثر مما يكافئ القيمة الأدبية، ويمنح الاعتراف للضجيج الإعلامي لا للجدارة الفنية، ويستبدل سلطة القراءة الاحترافية بسلطة العلاقات. 

الناقد في هذا النظام لا يسأل، على الأغلب: ماذا يقول النص؟ بل يسأل، صراحة أو ضمنا: من صاحبه؟ ما موقعه؟ من ينشر له؟ من يزكيه؟ وأي خسارة قد تترتب على قول الحقيقة؟ وأي عائد يُستفاد من الكتابة عنه؟

هنا تبدأ الكارثة. فحين يفقد النقد استقلاله؛ يتحول إلى شاهد زور. والنقد في هذه الحال، مهما تجمل بالمصطلحات، لا يختلف كثيرا عن الإعلان، لأنه لا يذهب إلى النص كي يختبره، بل كي يمنحه شهادة حسن سلوك ثقافي.

النقد بوصفه اختباراً وليس مجاملة

النقد الحقيقي ليس زينة تلحق بالكتاب بعد صدوره، ولا بطاقة تهنئة يرسلها ناقد إلى صديق. إنه أدوات تمييز وفحص. مهمته أن يفرز المتين من الهش، والأصيل من المصنوع، والمغامرة الفنية من الادعاء اللفظي. 

لذلك لا تكمن قيمته في أنه يمدح أو يذم، بل في أنه يبرهن، ويضع كل حكم في سياقه البنائي والجمالي والمعرفي.

لكن ما جرى وطرأ تدريجياً هو أن النص لم يعد مركز العملية النقدية، بل كاتبه. هنا، يكتب صديق عن صديق، وناشر عن كاتبه، وشاعر عن شاعر من الدائرة نفسها، وناقد عن اسم يعرف أنه قد يلتقيه غداً في لجنة أو مهرجان أو اجتماع خاص. 

وهكذا تتراجع المسافة الضرورية بين القارئ والموضوع، وتصبح القراءة إدارة علاقات أكثر منها ممارسة معرفة.

لا يعني ذلك أن كل الكتابة النقدية احتفاء فاسد، ولا أن كل كتابة ودية خيانة. غير أن المشكلة تبدأ حين يصبح الود بديلاً عن المعيار النقدي، وحين تتحول الحساسية الشخصية إلى قيد يمنع الحكم الصريح. 

عندها يخسر النص حقه في القراءة الجادة، ويخسر القارئ حقه في المعرفة، ويخسر الكاتب نفسه فرصة مواجهة عمله كما هو، لا كما يرغب أصدقاؤه في رؤيته.

أخطر ما فعله نظام التفاهة بالنقد أنه أفسد لغته. فاللغة النقدية ليست زخرفاً، بل طريقة تفكير. 

حين تتكرر عبارات مثل: نص مدهش، تجربة مختلفة، صوت متفرد، لغة آسرة، عمل يفتح أفقاً جديداً… من غير تحديد أو شاهد أو تحليل، نكون أمام أمام قوالب تصلح لكل نص لأنها لا تصف أي نص وليس أمام حكم نقدي.

اللغة الجادة تحدد الضعف والقوة. تقول كيف بنيت الشخصية، وكيف تشكل الإيقاع، وكيف اشتغل المنظور، وكيف أدار النص علاقته بالزمن والذاكرة واللغة. 

أما لغة التفاهة فتعوض المفهوم بالصفة، والحجة بالنبرة، والتحليل بالبخور البلاغي. تبدو ممتلئة، لكنها فارغة من الداخل، مثل قاعة فارهة لا يوجد فيها أحد.

هنا، يكتب الناقد كأنه يريد إقناع القارئ بعمقه لا بإضاءة النص. تتراكم المصطلحات، وتتجاور الانطباعات، ويغيب السؤال المركزي: ماذا أضافت هذه القراءة إلى فهم العمل؟ فإذا لم تضف شيئا، فهي ليست نقدا، مهما بدت أنيقة.

ترفع التفاهة راية النصر حين تمحو الفروق بين الرديء والجيد والممتاز. 

وحين يصبح كل كتاب حدثاً، وكل ديوان منعطفاً، وكل رواية إضافة نوعية، فإن الثقافة لا تحتفي بالجميع، بل تلغي المعيار الذي يميز كل منهم. فالمديح حين يوزع بالتساوي يغدو شكلاً من أشكال الظلم.

فالكاتب الجاد يحتاج إلى ناقد يراه بدقة، لا إلى عبارات عامة تساوي عمله بنصوص مرتجلة. 

والقارئ يحتاج معرفة تعينه على التمييز، لا إلى تلميع لغوي يجعل كل شيء ناصعاً. أما العمل الممتاز فيتضرر حين لا تجد الثقافة لغة تليق بفرادته. 

فالمشكلة ليست في النصوص الضعيفة، بل في غياب جهاز نقدي يسمي الضعف ضعفاً، والجودة جودة بلا مجاملة. فالثقافة لا تنهار بالضعف، بل بالعجز عن التمييز بين ما يزول وما يبقى.

الخوارزمية ناقداً صامتاً

جاء الفضاء الرقمي ليمنح الأزمة سرعة جديدة. لم يعد النص بحاجة إلى قراءة بطيئة كي يفرض حضوره، بل يكفي أن يحقق تداولاً واسعاً. 

هذه المعادلة أحدثت خلطاً خطيراً بين الانتشار والقيمة. فالنص الرائج لا يصبح مهماً، لأنه محكم، بل لأنه نجح في جلب الانتباه.

هذا التحول أصاب النقد أيضاً. فقد تراجع المقال الطويل المتأني أمام المنشور السريع. وتقدم الانطباع الحاد على القراءة المركبة. والاصطفاف الجماعي صار يسبق الاختبار الفردي.

 بل إن بعض النقاد أخذوا يكتبون بما يناسب إيقاع المنصة: جملة براقة، حكم قاطع، احتفاء قابل للمشاركة، وقليل من التحليل.

بهذا المعنى صارت الخوارزمية ناقداً صامتاً. إنها لا تصدر أحكاماً جمالية، لكنها تقرر ما يظهر وما يختفي، من يعلو ومن يذوب في العتمة.

 ثم يأتي النقد المتأخر ليمنح هذا الصعود شرعية نظرية. وبذلك تركض القراءة وراء السوق والـ«الترند» ولا يبحث السوق عنها.

لا يجوز تعليق الأزمة كلها على وسائل التواصل. فالمؤسسات الثقافية شريكة أيضاً: الصحف، الملاحق، الجامعات، الجوائز، دور النشر، والمهرجانات.

 كثير منها لم يقاوم منطق التفاهة، بل تكيف معه، وربما استفاد منه.

 فالصفحة الثقافية تريد مادة لا تزعج، والناشر يريد مقالا يساعد على البيع، والمهرجان يريد وجوها مألوفة، والجامعة أحياناً تريد مصطلحات كثيرة وقراءة قليلة.

هكذا يصبح الناقد الصارم عنصر إرباك داخل منظومة تفضل السلامة على الحقيقة. فالحكم الواضح مكلف للتجار، لأنه قد يجر غضباً أو قطيعة أو إقصاء.

 لذلك ينتصر الكلام الناعم، لأنه أقل كلفة. ومع الوقت يتعلم الجميع أن الغموض يحمي، وأن التلميح أنفع من التصريح، وأن توزيع المديح أضمن من ممارسة العدل.

والثقافة التي تخاف من الحكم العادل تفقد قدرتها على التطور. 

فالنقد لا يكره النص حين يكشف عيوبه، بل يحترمه بما يكفي كي يأخذه على محمل الجد. أما المديح السهل فهو إهانة مستترة، لأنه يعامل العمل كما لو كان عاجزا عن احتمال الحقيقة.

وراء هذا كله؛ يقف خوف عميق من الحكم الصادق. 

فالرأي النقدي الصارم لم يعد يستقبل غالباً بوصفه اجتهاداً قابلاً للنقاش، بل بوصفه عدواناً شخصياً. 

فإذا أشار ناقد إلى ضعف بناء أو ترهل لغة أو افتعال شخصية، حضرت تأويلات النية بسرعة: غيرة، تحامل، تصفية حساب، أو بحث عن شهرة. 

هذه الحساسية قتلت كثيرا من الجرأة، ودفعت نقاداً موهوبين إلى الاحتماء بالعبارات الرمادية.

لكن النقد يبدأ في الاندثار عندما يدخل المنطقة الرمادية، إنه يستطيع أن يكون مؤدباً، لكنه لا يعيش بلا موقف، فالنقد بحد ذاته موقف. 

ويمكن أن يكون رحيماً، لكنه لا يجوز أن يكون كاذباً. 

فالرحمة الحقيقية تجاه الأدب تعني مساعدته على رؤية نفسه بدون طلاء أو مساحيق تجميل. 

ومن يساوي بين الصرامة النقدية والعداء الشخصي يحرم النصوص من أهم ما تحتاج إليه: عين خارجية لا تخدعها الصداقة ولا يخيفها الغضب.

حتى الجامعات، التي كان يفترض أن تكون خط الدفاع الأخير عن الصرامة، لم تنج تماما من المأزق. 

فبعض الكتابة الأكاديمية غرق في تنظير باصطلاحات كثيفة لا تنتج معرفة حية، وبعضها لحق بالأسماء الرائجة بدل أن يختبرها. 

وهكذا يخرج الطالب أحياناً وفي يده قاموس كبير، لكن بلا حس نقدي قادر على السؤال والمفاضلة والبرهنة. وفي الحالتين تضيع وظيفة الجامعة: 

وهي تكوين عقل يقرأ، وليس حشو ذاكرة تحفظ المصطلحات وتعيد تدويرها في مقالات باردة لا تمس جوهر النص ولا حياة القارئ. ولا تفتح باباً لفهم جديد أو مساءلة منتجة حقا.

نحو استعادة النقد

ما يحتاجه المشهد العربي هو استعادة شروط النقد الخلاق: الاستقلال، البطء، الشجاعة، المعرفة، واللغة الدقيقة. نحتاج إلى ناقد يكشف طريقة عمل النص. 

نحتاج إلى صفحات ثقافية ترى المراجعة خدمة للأدب، وليس خطراً عليه. 

ونحتاج إلى قارئ يميز بين الانطباع والحكم، وبين الشهرة والقيمة، وبين النص الذي يعيش على الضجيج والنص الذي يضيء ببطء.

إن استعادة النقد لا تعني العودة إلى وصاية متعالية، ولا إلى سلطة قمعية باسم الذائقة. 

إنها تعني بناء حوار صارم وعادل، يضع النص في امتحانه، ويمنح الكاتب حقه في قراءة لا تخاف منه ولا تجامله.

 فالنقد النزيه ليس خصما للإبداع، بل شرط من شروط نضجه.

حين يفقد النقد وظيفته، تفقد الثقافة بوصلتها. وحين يصبح المديح لغتها الرسمية، تتكلم السوق والترند بدل المعرفة، والشبكة الرقمية بدل القراءة، والشللية بدل المعيارالنقدي.

 لذلك لا يبدأ إنقاذ النقد من مهاجمة التفاهة فقط، بل من استعادة فضيلة قديمة وبسيطة: أن نقول عن العمل ما يستحقه، لا ما يرغب صاحبه في سماعه.Bottom of Form

إياد شماسنة