Logo

عيد “المشاقر”.. احتفاء يمني بإرث جمالي متجذر يجسد الهوية

 في الأول من يونيو/حزيران من كل عام، يحتفي اليمنيون بـ“عيد المشاقر”، وهي مناسبة ثقافية وتراثية حديثة النشأة، تأسست فكرتها خلال السنوات الأخيرة على يد مجموعة من الناشطين والمهتمين بالتراث والمثقفين اليمنيين، بهدف إحياء أحد أبرز الرموز الجمالية في الثقافة والتراث اليمني والتعريف به للأجيال الجديدة.

والمشاقر عبارة عن نباتات وزهور عطرية متنوعة ذات ألوان زاهية وروائح فواحة، من أشهرها الشذاب والريحان والأزاب والخوعة وأنواع متعددة من الورود الصغيرة. 

وتُجمع هذه النباتات في باقات متناسقة تضم عدة أنواع، وقد تقتصر أحيانًا على نوع واحد بحسب الذوق والمناسبة.

وتستخدم النساء اليمنيات المشاقر للزينة والتعطر، حيث توضع على الخد أو فوق إحدى الأذنين بحيث تثبتها عصابة الرأس، فيما يضعها الرجال في جيوب الصدر أو في الرأس من الأعلى عند عصبهم الشالات الشعبية التقليدية على رؤوسهم.

 ويكثر وضع المشاقر مع الأزياء الشعبية التقليدية وفي المناسبات السعيدة والأفراح.

تعز.. جنة المشاقر

تُعد محافظة تعز من أكثر المحافظات اليمنية ارتباطًا بالمشاقر زراعةً واستخدامًا، إذ تشكل هذه الباقات العطرية جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية والمناسبات الاجتماعية لسكان المحافظة، التي تُعرف بأنها العاصمة الثقافية لليمن.

قصيدة ولحن تعزي يفوح بالمشاقر

ولم تقتصر مكانة المشاقر على الاستخدام اليومي، بل حضرت بقوة في الوجدان الشعبي والأدب والغناء اليمني. فقد تغنى بها العديد من الشعراء والفنانين، ومن أشهر ما قيل فيها قصيدة الشاعر اليمني الكبير عبدالله عبدالوهاب نعمان “الفضول”:

“وا صبايا وا ملاح هيا أقطفين لي مشاقر وارصفين لي الورود الحمر وسط المزاهر واطرحين الكواذي البيض بين المباخر لحبيبي هو حبيب القلب أول وآخر وأعملين لي كبوش الفل مفرش منقش بالعطور بالندى مبلول مسقى مرشرش”

وهي من القصائد التي غناها الفنان اليمني الكبير أيوب طارش، وأصبحت من الأعمال الفنية المرتبطة بالتراث اليمني.

وهناك العديد من القصائد والأغاني التي تغنت بالمشاقر، كقصيدة الشاعر سعيد الشيباني التي غناها الفنان محمد مرشد ناجي:

“الأخضري من العدين بكَّر مشدته بيضاء ومشقره أخضر”

عطر الحياة وظل الوداع

ولا تقتصر علاقة اليمنيين، خاصة التعزيين، بالمشاقر على مناسبات الفرح فحسب، بل ترافقهم كذلك في لحظات الحزن والوداع. ففي الأعراس والحفلات والجلسات السعيدة تمثل المشاقر رمزًا للبهجة والجمال،

 بينما تحضر أيضًا في مراسم الجنازات، حيث يُغطى المتوفى بالمشاقر وترافقه حتى مثواه الأخير، كما تُوضع باقات أخرى على قبره أو تُغرس بالقرب منه، ويجري توزيع المشاقر على المعزين أثناء تقديم واجب العزاء.

فوحان يقاوم البارود

خلال سنوات الحرب الطويلة التي عاشها اليمن، احتفظت المشاقر بمكانتها كرمز للجمال والحياة في مواجهة مشاهد العنف والدمار. ففي الوقت الذي فرضت فيه الحرب واقعًا قاسيًا على ملايين اليمنيين، ظلت باقات المشاقر حاضرة كتعبير صامت عن التمسك بالحياة والأمل.

ويواصل اليمنيون حمل المشاقر بوصفها رسالة محبة وسلام، وتذكيرًا بأن الجمال لا يزال قادرًا على البقاء وسط كل هذا الخراب.

كما ترى الصحفية شفاء محمد أن تعز، رغم كل ما مرت به من حرب وحصار، ما زالت قادرة على إنتاج الجمال من تفاصيلها اليومية، مشيرة إلى أن المشاقر تمثل بالنسبة للتعزيين رمزًا للسلام والتمسك بالحياة، ومقاومة المشاريع المليشياوية.

وأضافت أن هذا الحضور المستمر للمشاقر يعكس إصرار المجتمع على التمسك بالجمال كقيمة مقاومة، والحفاظ على ملامح المدينة المدنية والثقافية في مواجهة محاولات التشويه والخراب.

أسوار السلام التي تحمي تعز

وبينما شيدت الحرب أسوارًا من الخوف والانقسام، يواصل التعزيون بناء أسوار أخرى من العطر الفواح والمحبة والجمال الزاهي، تتجسد في المشاقر التي تزين الرؤوس والقلوب معًا وتعطر الحياة.
 
عيدالمشاقر

وتبدو المشاقر وكأنها أسوار رمزية من السلام تحيط بتعز وتحرس هويتها المدنية والثقافية والتاريخية، وكأنها تبني من جذورها أسوارًا معنوية تحمي روح تعز من قسوة الحرب وتقلبات الزمن.

المشاقر بين الهوية والتجدد

وتظل المشاقر بالنسبة للإنسان اليمني عامة والتعزي خاصة أكثر من مجرد نباتات عطرية أو زينة تقليدية، فهي جزء من الهوية والذاكرة الاجتماعية التي ترتبط بالطفولة والمناسبات والبيئة الجبلية التي نشأ فيها هذا التراث.

 فهي تعبير عن الانتماء للجمال البسيط الذي يميز اليمن عامة وتعز خاصة، وعلاقة بين الإنسان والطبيعة تتجسد في تفاصيل الحياة اليومية.

ورغم ما يقال عن تراجع بعض العادات الشعبية بين الشابات في العصر الحديث، إلا أن استخدام المشاقر لم يختفِ، بل شهد تحولًا في الشكل والذوق، 

حيث دخلت عليه لمسات حداثية في طرق الترتيب والتقديم، وأصبح يظهر أيضًا في التصاميم العصرية، ما ساهم في إبقائه حاضرًا بشكل مختلف يتناسب مع الجيل الجديد.

وفي هذا السياق، ترى الصحفية علياء جلال أن المشاقر ليست مجرد زينة عطرية، بل هوية ولغة تعبّر عن ذوق النساء بمختلف فئاتهن العمرية، وتجسد الأصالة في كل زمان.

وأوضحت أنها لا ترى المشاقر في طريقها إلى الاندثار، بل إلى التحول والتجدد؛ إذ إن حضورها التقليدي قد خف، لكنها في المقابل اكتسبت روحًا حداثية، مشيرة إلى أن الشابات يعيدن إحياءها بطرق مبتكرة، وكأن الموروث يُلبس ثوبًا معاصرًا.

وأضافت أنه من أجل حماية هذا الجمال من الاندثار لدى الأجيال الجديدة، ينبغي نقله من بيوت الأجداد إلى اهتمامات الجيل الجديد عبر منصات التواصل الاجتماعي،

 وتشجيع الاهتمام به ثقافيًا وإعلاميًا، وربطه بالهوية المحلية في المدارس والجامعات، وإبراز قيمته الجمالية والتراثية، حتى تظل المشاقر جزءًا حيًا من الذاكرة اليمنية والتعزية لا مجرد موروث يبهت مع الزمن.

الحضور الرقمي

ورغم أن فكرة عيد المشاقر حديثة، فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير في انتشار الفكرة وتحويلها إلى مناسبة سنوية يتفاعل معها اليمنيون داخل البلاد وخارجها، 

عبر حملات إلكترونية ووسوم مختلفة تتناول المشاقر بوصفها جزءًا من الهوية الثقافية اليمنية، كما تقام مهرجانات بسيطة في عدد من المحافظات اليمنية لإحياء هذا اليوم، ورغم بساطة تلك المهرجانات، لكنها تحمل رمزية كبيرة.

ويعكس هذا العيد جانبًا من الثراء الثقافي والاجتماعي الذي تتميز به اليمن عامة وتعز خاصة، ويجسد قدرة المجتمع على الحفاظ على رموزه التراثية وإعادة إحيائها بوسائل عصرية.