Logo

ستون قصيدة عربية في مهرجان الصين الشعري العالمي

 الانطباعُ العام لدى الناس يلتقي في فكرة أن الصين كوكب آخر. لذا أول ما يبحث عنه الأجنبي حين يخطو أرض المطار، هو ما يجعل هذا التصور صحيحاً، في الأمكنة والناس. 

ولا يجد شيئاً غريباً، بل يُدهشه أن كل شيء مألوف وأليف، بشكل لا مثيل له في أمكنة أخرى. خاصة لقادمٍ من الجزء الآخر من الشرق. 

وبينما يبحث عن الاختلاف، يلاحظ أن الناس هادئون، يمشون بخفة عفوية، لا سريعة ولا بطيئة، الأمور منظّمة من دون مبالغة، هناك سلاسة غير معتادة في معظم الأمكنة، وتطور في الخدمات والآلات،

 لكن ليس لدرجة أن تصبح الحياة آلية، فهناك أنسنة حداثية للحياة لا يمكن أن تفوت زائر الصين. 

هكذا يجد الباحثُ عن كوكبٍ آخر الملاحظة الوحيدة التي تلفت انتباهه. مع الوقت تتبدّى الفوارق، لكنها ليست فوارق بقدر ما هي انسجامات مفقودة في أماكن أخرى؛ 

أن تكون دافئاً وإنسانياً ومنظّماً، وتبني أقوى الأنظمة الصناعية والتكنولوجية؛ أن تكون عملياً وروحانياً، من دون أن تستهلكك الحياة السريعة ومن دون الإغراق في الماورائيات.

 حيث تجد في الناس إيماناً وسماحة تأتيان عن تديّن غالباً، لكنهم غير متدينين، فنكتشف عقيدة أخرى هي الإنسانية.. 

وحين ينتقل الزائر من اكتشاف الناس والمكان، يدخل إلى دربٍ مختلف، درب الشعر، متطلعاً إلى ما يمكن للشعر أن يفتحه له من أبواب هذه الثقافة. والمناسبة التي جاءت بهذه الزائرة هي الدورة الثالثة من المهرجان العالمي لشعر الشباب.
 
استضافة الشعر العربي

على مدار تسعة أيام، من الثامن من مايو/أيار إلى السادس عشر منه، استقبلت الصّين ستّين شاعرة وشاعراً من المنطقة العربية، في المهرجان، جاؤوا من المغرب وتونس والسودان ومصر وسورية والسعودية والبحرين والعراق والكويت ولبنان واليمن، إلى جانب ما يقاربهم عدداً من الشعراء الصينيين. 
 
التجاربُ العربية المشاركة تفرّقت في التجربة والعمر، فبين بدايات العشرينيات وأواخر الأربعينيات. وبين التجارب التي لم تنشر كتابها الأول، والتي لها ما يتجاوز ثلاثة كتب شعرية منشورة. 

وبين من ليس معروفاً إلّا في دائرة ضيقة، وبين من يعرفه الكثيرون، بقدر ما يمكن للشاعر أن يكون معروفاً. كما أن المهرجان راعى تمثيلية أنماط شعرية أخرى غير قصيدة النثر، وهي التفعيلة والعمود، كذلك يصل التفاوت إلى مستوى النصوص والقدرات الشعرية.
 
امتداد الشعر
 
افتُتح المهرجان بلوحات شعرية استعراضية، كانت اكتشافاً لما يمكن أن يقدمه الشعر من فرجة فنية رفيعة إذا دُمج مع فنون أخرى، كالتشكيل والرقص والموسيقى، وساعدت الشاشة الضخمة التي انسابت عليها الطبيعة على تقريب النصوص بنسختيها العربية والصينية. فأصبح للكلمات صوت وجسد وألوان يمكن لأي كان أن يتلقاها ويفهمها.
 
اندهش الحاضرون باللوحات الأدائية التي رافقت نصوصاً شعرية كُتبت على الشاشة الواسعة، التي استوعبت التصاميم الفنية الرقمية (Digital Art) وقُرئت بأصوات ممثلين، مع الرقص والصور، حيث تتداعى الطبيعة وتتموج. التّرجمة ترافق النص الأصلي، وتجعل المتفرج يتعرف على القصيدة من خلال الكلمات والصور فتصل إليه القصائد كما لم تفعل من قبل. 

صحيح أن الصور قد تُزاحم الكلمات ولا تترك الكثير من الغموض للقارئ، لتصور الحديقة والشجرة والأرجوحة، وباقة الورد والفستان المتطاير.. لكنها تمنحه راحة جميلة من التفكير.
 
يحب الصينيون شعرية التأمل، لذا أُغرموا مبكراً بجبران خليل جبران، ومؤخراً اكتشفوا أدونيس، فصار أشهر من نار على علم. تُرجم له ما يزيد عن سبعة كتب شعرية، بفضل مترجمه بسام/ شوي تشينغ قوه. 

هذا كل ما احتاج إليه الأمر: مترجمٌ بارع يؤمن بشعر الشاعر. فتحقق لأدونيس وهو في الثمانين، وهو عمره حينما صدرت أول ترجمة صينية له، المجد الأدبي الذي يستحقه، خارج أي اعتبار آخر، بعد أن اختلطت السياسة بالشعر في أي تعامل عربي حديث مع شعره.

تأملية أدونيس تختلف عن تأملية جبران، فالأول يُعمل العقل في قراءة الأشياء من دون دفقة شعورية تُضيّق على صفاء التأمل، والثاني يفكر بوجدان عقلاني، حزين غير مفرط الحزن، لكن الأسى يظل عالقاً في قاع الأشياء وهو يحللها.
 
مزيج ثقافي

هناك فخرٌ لا يمكن عدم ملاحظته لدى الناس، لكنه فخر جماعي لا فردي. وفي الفن أيضاً تنعكس صفات الإنسان، الذي لا يتوقف عن الغربلة المستمرة للأنا، لاستمرارية الفكرة والشعور وسفرهما عبر الزمن. 

هناك تواصل عابر للزمن بين الأجيال، رغم الانتقال من الروحانيات المترفعة عن الصراع إلى الشيوعية العملية، التي ترفض كل ما هو غير عملي، وتصارع من أجل العدالة الاجتماعية.
 
لكن الرّقة والزّهد والحكمة وإنكارُ الذات صفات مشتركة في الشعر والأدب. لذا تحضر الحكمة أكثر في تاريخ الأدب الصيني، الحكمة التي تعني تحويل الشخصي إلى تجربة مشتركة مع الآخر، بنقل التجارب الخاصة إلى الآخرين حتى يستفيدوا منها،

 بدل أن يكتب الشاعر عن حسرته وألمه، يُعطي القارئ عصارة ألمه في سطور قليلة. 

نجد شعرية صوفية في جزء كبير من التراث الشعري الصيني، لكنها صوفية مشبعة بالعلاقة مع الطبيعة، والتسامح مع رغبات النفس رغم الميل الشديد نحو التواضع أمام مصائب الحياة، وعدم مقاومتها كما يذهب إلى ذلك الصوفيون أيضاً. 

حيث البلاء يعني صعود درجة أخرى في الاستغناء.
 
استحضار التراث

الأوبرا التقليدية جزء من التراث الصيني وتمثل صورة من زمن فيه بعض الحدةِ في الموسيقى، والتطرّفِ في الزينة. كل ما ليس عليه الصّينيون اليوم. ما الذي جعلهم يحبون هذا القدر من اللباس للنساء رغم رشاقة وصغر أحجامهن؟ 

لكنه فن وليس مجرد لباس زينة. الألوان والتطريز اليدوي والحرير الطبيعي، والجواهر الضخمة على الرأس، والمكياج القوي، كلها إضافات تمحو فردانية الإنسان وتحوله إلى رمز ثقافي. 

لا شك في أن السائحات من مدن أخرى وهنّ يستعرن هذا المظهر الملكي يشعرن بأنهن يستعدن أجمل ما في التاريخ، الذي لا يخفي صعوبة حياة النساء في الماضي.

 أما اللحظة الراهنة، فأفضل للنساء لا شك من التاريخ. الواقع الذي محت فيه الشيوعية الفوارق الاجتماعية والجنسية، حيث المرأة ليست أقل بأي شكل من الرجل، بل حيث يتأتى لها أن تقدم نماذج قيادية أفضل. 

وهذا أمر تفوّقت فيه الاشتراكية على الرأسمالية، التي لم تُقدّم للمرأة ما يجعلها تتساوى مع الرجل، بل كرست تفوق الرجل قيادياً، بمؤاخذة المرأة وفق أدوارها البيولوجية. فصارت الأمومة عائقاً مهنياً تسعى المؤسسات لتفاديه بعدم توظيف النساء في مناصب قيادية.
 
فلسفة الحركة في الحياة والشعر

شعبٌ لا يحب الكسل أو الجلوس. في الحدائق الكثيرة في بكين لن تجد كرسياً واحداً، ولا في الساحات ولا في أي مكان خارجي. والمقاهي والمطاعم ليست لها فسحة خارجية، وكلها محكومة بالجلوس داخلاً. 

معظمها وربما كلها مطاعم، لأنّني لا أجد في ذاكرتي مكاناً مررتُ به كان يقدّم الشاي والقهوة وباقي المشروبات وحدها. إذاً يجلس الصينيون ليأكلوا فقط؟ كيف يمكن التفوّق على هذا؟

 في طنجة، في الدوحة، في باريس، ومدن أخرى مفضلة، تُوفّر لك مقاه وشرفات في كل كيلومتر مربع. الجلوس هناك فن من فنون الحياة، أن تجلس ساعة أو نصف ساعة لشرب كوب من أي شيء تحب، مرة أو مرتين في اليوم، وهو متعة كسل لذيذ يسعى إليه الجميع.

 لكن الصِّينيين يفضلون الراحة التي تعني القيام بشيء مفيد، حتى ولو لم يكن عملاً. كيف يمكن منافسة هذا؟ لهذا يتسم الشعر الصيني بميزة قليلون من يلاحظونها، وهي الحركة. كل القصائد غالباً تصف حركة أو ترويها أو ترجوها. في الحركة كلّ البركة، وكلّ الشِّعر كما يبدو.

يقول نص من القرن الحادي عشرة الميلادي للشاعر يو جينغ: "أسمع صيحة الديك فأنطلق مسرعاً، لكني أُبقي جوادي حائراً يلتفت". 

وفي إحدى القصائد المتميزة في المهرجان، قصيدة "عيد الميلاد المجيد"، لبوانغ شي تشي، "إذا لم نضع في الحسبان الذين لا نراهم/ ففي هذه اللحظة تصبح المدينة خاوية حقاً/ كأنها عقل كفَّ عن العمل/ لم يهطل ثلج/ لكن جانبي المنزل يشوبهما بياض الشِّيب/ ما يعني أن الأيام تمضي في شقاء". 
 
كسر الحواجز النمطية

لم يحدث أن رفع أحد سنّ الشباب إلى الخمسين، وفعل الصينيون ذلك. كل المسابقات الأدبية والفعاليات توقف الشباب عند الخامسة والثلاثين. لذا تحقق خليطٌ هائل من الحيوية الشعرية وخبرة الحياة في التجارب الشّعرية المقروءة. 

لقد أَنصف المهرجانُ الشعراء الذين ضاعوا بين أزقة الحياة بعيداً عن الشعر وبدأوا متأخرين، أو كانوا بطيئين من أجل الدراسة والعمل والأولاد، ولم يستفيدوا من أي فرصة شبابية.
 
وشكل المهرجان فرصة لتصحيح المفاهيم حول ثقافتين حول بعضهما، فمقابل أن الأجنبي، بما فيه القادم من المنطقة العربية، ينظر إلى الصين ككوكب مختلف حيث الناس آلات إنتاجية لا مجال لها لفرح ولا بهجة،

 كذلك كثير من الصينيين لديهم صورة كليشيه عنا، وقد توضحت في إحدى القصائد التي ألقيت في افتتاح المهرجان، حيث يقول شاعر في قصيدته:

شباب العرب هم ظل النخيل ورائحة القهوة

هم فتيان أبيون على رمال ذهبية يمسكون بخيوط الريح العاتية

ويطاردون نسراً محجوباً عن العيون.

أي العرب هنا أيضاً قادمون من السينما من عين الغرب، طالما أن لا مصادر أخرى لصورة حقيقية، ولعل هذا المهرجان قفزة هائلة نحو معرفة جديدة بين الشرقين. وفرصة لخلق نوع آخر من التواصل الذي يعززه حضور اللغة العربية في الجامعات الصينية.

 وكان من الطريف أن معظم أساتذة وطلبة اللغة العربية في الجامعات الصينية الذين صادفتهم، لم يختاروا دراستها، بل إن نقطهم في الثانوية العامة، هي من قرّرت عنهم. لكن بشكل ما، أُغرم عدد منهم بها، وتعمقوا فيها، ويتحدثون بها على أحسن ما يمكن.
 
عائشة بلحاج
 صحافية وشاعرة مغربية.