Logo

الروائية العراقية سميرة المانع تُفارق المنفى والحياة

 رحلت الكاتبة العراقية سميرة المانع، أول من أمس، عن عمر ناهز الواحد وتسعين عاماً، بعد مسيرة أدبية امتدت بين مكانين، إذ غادرت المانع البصرة إلى لندن في ستينيات القرن الماضي، 

ومنذ ذلك الوقت، أصبح المنفى زمناً تعيش داخله. وتحول الرحيل في أعمالها إلى شرط وجود، فشخصياتها لا تبحث عن خلاص، ولا تمتلك رفاهية الامتثال للحنين. 

ولهذا يبدو عنوان روايتها "من لا يعرف ماذا يريد" (دار المدى، بيروت، 2010) أقرب إلى بيان لتجربتها كلها، فأبطالها مرتبكون أو ضائعون، كما أن شخصياتها كانت تقاوم فقد الصلات مع المكان الأول. 

أكثر من حياة واحدة

في أعمالها، تميل المانع إلى تفكيك الحكاية، أكثر من بنائها على نحو تقليدي، إذ لا تعتمد البنية الخطيّة التي يتطوّر فيها السرد وصولاً إلى الذروة، وتظل الشخصيات لديها عالقة في مسارات مفتوحة. 

ولا يبدو السرد عندها منشغلاً بما سيحدث، بقدر انشغاله بما لا يكتمل حدوثه، إذ تترك القارئ في مواجهة فراغات دلالية. 

وفي "من لا يعرف ماذا يريد"، لا يتقدّم السرد عبر تعاقب الأحداث، بقدر ما يتشكل من داخل الشخصيات نفسها، بالاعتماد على المونولوج الداخلي وتداعي الأفكار، حيث تقود الذكريات الحاضر، ويتداخل ما جرى بما يُستعاد منه، في سرد أقرب إلى تيار ذهني. 

كما تنشغل الرواية بكشف الطبقات النفسية لشخوصها، خصوصاً في علاقتها بما جرى في العراق وما تلاه من تشظيات في الداخل والمنفى.

في نصوص أخرى، يظهر المنفى تجربة حياتية طويلة. وبين عملها المبكر "السابقون واللاحقون" و"الثنائية اللندنية"، أو مجموعتها القصصية الأولى "الغناء" 

 وأعمالها المتأخرة مثل "من لا يعرف ماذا يريد"، أو مجموعتها القصصية "النسوة يتململن" عام 2017، يظل المشترك، وهو الشخصيات التي تبحث عن صيغة ممكنة للعيش على مسافة من المكان الأول. 

وإذا كانت "من لا يعرف ماذا يريد" تنشغل بتفكيك الحكاية، عبر الشخصيات نفسها، فإن في روايتها "الثنائية اللندنية" عام 1979، يصبح الانقسام جزءاً من بنية المكان نفسه. 

ويتبدّل موقع التشظي بين العملين، من الداخل إلى الخارج، من الوعي الفردي إلى الجغرافيا التي تعكسه وتضاعفه. في الأولى، يبدو التردد شأناً داخلياً يتسرب إلى السرد، 

وفي الثانية يظهر الاغتراب مرتبطاً بالعيش في مدينة تقيم فيها الشخصيات من غير أن تنتمي إليها بالكامل. وتتجاور الروايتان كصورتين لتجربة واحدة ممتدة، هي تجربة الاغتراب بين الذات ومحيطها. وتظهر كتابة المنفى، في حالتها، كخبرة يومية تتوزع بين اللغة والعيش.
 
الاغتراب وسحر التفاصيل

عاشت المانع معظم حياتها في لندن، هي التي وُلدت في البصرة عام 1935، وانتقلت في طفولتها إلى الزبير، ثم عادت إلى البصرة لإكمال دراستها، ودرست لاحقاً في دار المعلمين العالية ببغداد. 

ومنذ عام 1965 عاشت في لندن، حيث عملت أمينة مكتبة ومدرّسة للعربية، وأسست مع زوجها الشاعر صلاح نيازي مجلة "الاغتراب الأدبي" في لندن، وكانت سكرتيرة تحريرها منذ عام 1985 حتى توقفها عام 2002. 

وعلى الرغم من أن أعمال المانع تلامس أسئلة جوهرية في السرد العربي المعاصر، عن الهوية العراقية، والاغتراب، وإعادة تشكيل الذات خارج سياقها الأول، إلا أنها بقيت خارج دائرة التكريس النقديّ بين القرّاء.

عُرفت المانع بأسلوب سردي مقتصد، يميل إلى التقاط التفاصيل اليومية، والانشغال بالأسئلة التي يطرحها العيش خارج العراق. 

ومن أبرز أعمالها الروائية: "السابقون واللاحقون"، و"الثنائية اللندنية"، و"حبل السرة"، و"القامعون"، و"شوفوني.. شوفوني"، و"من لا يعرف ماذا يريد". كما أصدرت مجموعتيها القصصيتين "الغناء" و"الروح وغيرها"، ومسرحية "النصف فقط". 

وتُرجمت روايتها "حبل السرة" إلى الإنكليزية، وأُدرجت نصوص لها في مختارات مترجمة للأدب العراقي.