الهروب من الحديدة... سيرة خوف ترويها صحافية يمنية
حين غادرتُ مدينتي الحديدة التي عشتُ ونشأتُ فيها، كان ثمة طائرٌ أسود وضخمٌ مستقرٌ على كتفي، وكنتُ أثقلَ من أي وقتٍ مضى. كان الوقتُ فجراً، وأنا أحملُ هويةً مستعارة لفتاةٍ أصغر، وأرتدي نقاباً.
حاصرتُ خوفي في زاويةٍ بعيدة، وحاولتُ أن ألهيَه بكل الكلاب الضالة في الطريق وببعض الشاحنات العابرة.
التقطتُ بعينيّ كافة التفاصيل التي بدت لي بالغة الأهمية: حرارة الجو، شكل الغيوم، وجوه المسافرين، ورائحة البترول المتسربة؛ ملأتُ ذاكرتي بها علّني أغطي ما مررتُ به فأنساه، لكنه كان يطفو بمهارةٍ مفزعة، فتنساب الأحداث أمام عيني مجدداً:
صوت أمي وهي تصرخ، وسكينتُها التي جاهدتُ سنين طويلة وأنا أحرسها، وآخر ليلةٍ نمتُ فيها وعيناي مغمضتان. بدا المشهدُ سينمائياً، حزيناً ومربكاً ، لكنه كان يشعل سخريتي في الوقت ذاته.
نظرتُ إلى مرآة الحافلة ولم أعرف حقاً من أكون... فقبل سبعة أشهر و28 يوماً، كنتُ امرأةً عادية في بيتها، قبل أن تتوقف أمام منزل عائلتي ثلاثُ سياراتٍ مكتظة بالمسلحين.
أنقذني اتصالٌ قصير، وجملةٌ واحدة تكثّفت فيها كل الفاجعة، وسط دموع أهلي وسيل كرامتهم المهدور: "اهربي.. الحوثيون هنا!".
لم تكن هذه المرة الأولى التي أخاف فيها، لكنها كانت المرة الأولى التي أموت فيها بحق. لقد مُتُّ فعلاً،
وكان شبحي هو من يحمل جسدي، ويقفز به فوق سلالم المنزل. أستطيعُ تذكر أول ليلةٍ وأنا بمفردي، أشعر بالغثيان، غير قادرةٍ على السيطرة على قلبي... كنتُ أشعر بضجيجه في معدتي، وفي رأسي، وفي أطرافي الباردة؛ ينبض في كل الاتجاهات حتى تمنيتُ حقاً لو أنه يتوقف.
كانت عيناي مفتوحتين لدرجةٍ مؤلمة، تُعيدان تجسيد تفاصيل ما حدث على لسان من تجاسروا وخاطروا بزيارة أمي في اليوم نفسه:
"فتحت قريبتُكم، التي جاءت من الريف للعلاج، الباب للمسلحين؛ سمعت وحدها الطرقَ العنيف بينما كان باقي من في البيت نائمين في الطابق العلوي، وببراءة القروي البسيط،
أجابتهم بأنكِ نائمة بالداخل، فلم تكن تعلم أنكِ قد غادرتِ البيت في وقت متأخر. استيقظت أمكِ مذهولةً حين أُضيئت أنوار الغرفة فجأة، ومن دون أي مقدمات، كانت ثلاث من عناصر الشرطة النسائية (الزينبيات) يقفنَ حول رأسها وجسدها، يصرخن باستعجالٍ واستعلاء يسألن عنكِ".
أستطيعُ تخيل كيف شحبَ وجهُ أمي في تلك اللحظة... كيف ارتفع ضغطُها وانخفض سكرُ دمها دفعةً واحدة، وأدركُ جيداً كيف بدا لون شفتيها، فقد ورثتُ عنها جفاف الفم في لحظات الرعب.
لقد مات كلانا في ذلك اليوم، وشوّه الخوفُ ملامحنا. أول مرة سمعت فيها صوت أمي بعد مرور أيام قليلة عبر اتصال هاتفي، عرّفتها بنفسي على أني قريبتها البعيدة.
كان صوتُ أمي مجروحاً، شاحباً، لكنها ابتسمت حين عرفتني ونادتني باسمي الجديد بفرحٍ مختلط بالنحيب. قاومت أمي الحبيبة كثيراً،
وقالت لي لاحقاً: "لا أعرف من أين جاءتني كل تلك القوة، كنتُ أدفع أجسادهن الغليظة وأصرخ باكية في وجوه المسلحين وأعيب اقتحامهم لمنزلي... كنت اتخيل جسدكِ مسحولاً بين أيديهم، فيزداد يقيني بأنكِ لن تصلي إلى السجن إلا جثة هامدة".
قالوا لي أيضاً إن طفلي ذي الأعوام السبعة شهد تفاصيل تفتيش المنزل؛ بكى مع بكاء باقي الأسرة، وانطلقت أسئلته ونمت مخاوفه من دون أن يستطيع أحدٌ شرح ما حدث له... ففجأة، صار لديه أمٌ مطارَدة وأبٌ معتقَل.
تحمّل أخي ذنب أخوّتنا واقتيد مؤقتاً بدلاً مني، وعرفتُ بعد ذلك أن زوجي اعتُقل رفقة ثمانية صحافيين آخرين في اليوم والتوقيت نفسيهما.
بقيتُ 242 يوماً في منزلٍ كريم وبعيد بالحديدة؛ يقلقني طرقُ الباب، واتصالاتُ منتصف الليل، وصوتُ منبه الهاتف، وتأخرُ الآباء في المجيء. في الماضي، قبل أن يحدث كل هذا، كانت ترهقني فكرة النسيان بعد الموت، إذ أجدها فكرة قاسية وأليمة.
لم أتخيل أن أجرب ذاك حية، لقد شهدت كيف نُسيت وكأنني لم أكن. لقد استمرت الحياة وجاءت الأعياد وتزوج الأصدقاء والجيران وجاء أطفال جدد ومات أحباء... فكل شيء يحدث باستمرار. تضخمت الأشياء في عيني بالبداية.
خفت أن أبدو شبحاً وألا يفتقدني أحد، وأن ينساني أصدقائي بسهولة.
كانت أخبار اعتقال ضحايا آخرين تعيدني إلى لحظة الشؤم؛ فأفكر في ليلة المعتقلين الأولى، ما عاشه أهاليهم، هلع الأمهات، كوابيس الأطفال، وتحول مصيرهم كلهم إلى كرة بين أقدام السجانين.
مكثتُ مدةً طويلة في الحديدة أقاوم فكرة اعتقالي في أثناء خروجي من المدينة، حتى أتت لحظة الخيار الأخير والوحيد.
تحدثت إلى ناجين من السجن قبل أن أهرب، سألتهم عن ليلتهم الأولى في السجن، عن جلسات التحقيق، وعن أكثر ما كان يخيفهم: هل من الجيد أن أدافع عن نفسي، أم أصمت؟ هل أعترف كذباً؟ وماذا عليّ أن أفعل لأبدو معتقلة مثالية؟
رفعتُ رأسي من جديد نحو المرآة. الاسم الذي أحمله لم يكن اسمي، والمدينة التي تبتعد خلف زجاج الحافلة لم تعد مدينتي. المرور من النقاط العسكرية يملأ عيني بالدموع؛ فينتهي أثر كل النصائح النفسية التي حفظتها. وأرى نفسي في زنزانة انفرادية مظلمة.
في تعز... وصلتُ بشجرة مخاوفي، بكل جذورها وأغصانها. كانت هذه المرة الأولى في حياتي التي أعيش فيها بلا عائلة وبلا مائدة طعام ممتدة، ومن دون هدوء الأحضان وضجيج الضحكات المرحة.
خلال الأشهر السبعة التي عشتها هناك، غدت وحشتي أقل ضراوة، وفتح لي الأصدقاء قلوبهم وبيوتهم.
تعلمتُ كيف أزن الأشياء بميزانٍ جديد؛ فكلما اتسعت في صدري الوحشة أو باغتني الخوف، وضعتُ كل ما أشعر به في كفة، وما نجوتُ منه وعشته في تلك الليالي الكئيبة بالحديدة في كفة أخرى... فتنكمش الآلام وتصغر.
وقبل أسابيع فقط، أي بعد مرور سنة وشهرين، كنت في صالة الانتظار في مطار عدن، أحلم بأن أنام وعيناي مغمضتان... فتحقق حلمي في الطائرة.
أغمضت عينيّ وأنا ممتنة لرحمة الله التي أحاطتني في كل نقطة تفتيش، وفي كل ليلة مخيفة، وعلى عتبة باب كل بيت قريب أو غريب احتضنني.
لا أعرف إن كنت سألتقي بعائلتي مرة أخرى، لكنني أتمنى، من كل قلبي، ألا يدفعوا مجدداً أي فواتير ظالمة بدلاً مني.
أن يشفع لهم أنهم حملوا عني ما كان ينبغي أن أحمله وحدي. لقد كان الله كريماً معي بأكثر مما أستحق، وما زلت ألوذ بظله وأحتمي بإيماني به أمام كل ما مررت به من أهوال.
منال قائد
صحافية يمنية من الحديدة.