Logo

الفضول أم الألم... من ينتصر في الفضاء الرقمي؟

 تكشف ردّات الفعل الاجتماعية أحياناً عن المجتمع أكثر مما تكشفه الأحداث نفسها. فمن خلال ما يستحوذ على اهتمام الناس، وما يستدعي أحكامهم، وما يمر دون اكتراث، يمكن قراءة ملامح الوعي الجمعي، وفهم الأولويات التي تتحكم في الضمير الاجتماعي.

في الأيام الأخيرة، تقاطعت في الفضاء اليمني قصتان مختلفتان؛ 

الأولى تتعلق بشهادة امرأة خرجت من أحد سجون الحوثيين، وبعد قضاء سنوات من الانتهاك والعذاب، خرجت حاملة معها رواية عن عالم مغلق لا يعرف الناس عنه إلا القليل؛ 

عالم تتداخل فيه السلطة بالعنف، وتتحول فيه أجساد النساء وحرياتهن إلى جزء من الصراع.

 أما الثانية، فتتعلق بانفصال فنانة يمنية عن زوجها، وهي واقعة لا يعرف تفاصيلها إلا طرفاها، لكنها سرعان ما تحولت إلى شأن عام، ومادة مفتوحة للتخمين والتحليل وإصدار الأحكام.

ولا يتعلق الأمر بالمفاضلة بين أهمية القصتين، وإنما بمقارنة أنماط التفاعل مع كل منهما. فالأولى تستدعي الإصغاء إلى الألم، وطرح الأسئلة على الجهة التي مارست الانتهاك، بينما لا تستدعي الثانية أكثر من فضول تجاه حياة خاصة لا تعني أحداً. 

ومع ذلك، بدا أن الفضول يمتلك قدرة أكبر على حشد الاهتمام من الألم نفسه، وكأن مراقبة الأفراد والتنقيب في نيّاتهم أكثر إغراءً من مساءلة البنى التي تنتج الظلم وتعيد إنتاجه.

ومع المتابعة المستمرة لوسائل التواصل الاجتماعي، يتضح أن هذه الظاهرة ليست من صنع المنصات الرقمية، كما يُعتقد غالباً. 

فالمنصات لم تخلق هذه الثقافة، لكنها وسّعت نطاقها وسرّعت انتشارها، حتى بات كل مستخدم قادراً على تنصيب نفسه قاضياً أو واعظاً أو حارساً للأخلاق، بينما تتحول استنتاجاته الشخصية إلى أحكام جاهزة يُنتظر من الآخرين التسليم بها.

وتظل المرأة العنوان الأبرز في كثير من هذه المحاكمات الاجتماعية. فما إن تنتهي علاقة زوجية حتى تبدأ محاولات البحث عن خطأ ارتكبته، وتحميلها مسؤولية ما حدث، دون معرفة بالوقائع أو امتلاك أدلة،

 وإنما استناداً إلى مخيال اجتماعي قديم لا يزال يرى أن المرأة مسؤولة عن نجاح الأسرة وفشلها، وعن حماية صورتها مهما كان الثمن.
 
وهنا لا تبدو الأحكام المسبقة مجرد آراء عابرة، وإنما تتحول إلى ما وصفه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بالعنف الرمزي؛ 

عنف لا يحتاج إلى قوة مادية، لأنه يمارس سلطته عبر اللغة والنظرات والتعليقات والتوقعات الاجتماعية التي تبدو مألوفة وطبيعية، فيما هي تعيد إنتاج اللامساواة بصورة مستمرة.

وفي المقابل، تتراجع القصة الإنسانية، بما تحمله من انتهاكات تمس المجتمع بأكمله، إلى الهامش؛ لأن الألم لا يمنح الإشباع الفوري الذي توفره القصص الشخصية والفضائح. 

وهكذا تصبح الكرامة الإنسانية أقل قدرة على جذب الانتباه من تفاصيل حياة الآخرين، رغم أن الأخيرة لا تغيّر من الواقع شيئاً.

ويمكن فهم هذه المفارقة أيضاً من خلال مفهوم "الذعر الأخلاقي"، إذ يُقدَّم حدث فردي أو سلوك شخصي بوصفه تهديداً للقيم الاجتماعية، فتتضخم ردّات الفعل تجاهه، ويتحول إلى أزمة أخلاقية تستدعي الإدانة الجماعية. 

عندها لا يعود الحدث هو القضية، وإنما الخطاب الذي يُبنى حوله، والأحكام التي تُنتج باسمه.

ما نشهده اليوم، إذن، ليس تحولاً في البنية الاجتماعية اليمنية، وإنما انتقال لآلياتها القديمة إلى فضاء جديد.

 فالبنية التي أنتجت الوصاية والتمييز والعنف الرمزي والمحاكمات الأخلاقية لا تزال فاعلة، لكنها وجدت في الفضاء الرقمي أدوات أكثر سرعة واتساعاً. 

هناك تُعاد صياغة السرديات القديمة، وتواصل اللغة أداء دورها في إعادة إنتاج الوصاية، لكن أمام جمهور أوسع، وبإيقاع أسرع من أي وقت مضى.

إجلال البيل
كاتبة يمنية.