Logo

التفكير الروائي.. السرد العربي وفخ الاستهلاك السريع

 يصعب أن تنجو الرواية العربية اليوم من صخب التسويق واستعراضات القوائم الضيقة في مواسم الجوائز، حيث يتحول النقد غالباً إلى ثرثرة عابرة تسعى إلى مجاملة الكاتب أو ترسيخ هالة حوله سرعان ما تتهاوى مع أول اختبار جاد للزمن؛ الاختبار الذي ينزع عن النص المديح المجاني، ليبقى فقط ما يحتفظ بقدرته على إثارة السؤال ومخاطبة الوعي البشري.

 هذا المعنى الذي توقف عنده الروائي المصري بهاء طاهر في مقدمة كتابه "في مديح الرواية"، هو العتبة الأساسية التي يطل منها الباحث والناقد السعودي عبد الله العقيبي في كتابه "التفكير الروائي" (ديوان للنشر، القاهرة، 2026)، مستعيداً سؤال الفن الحقيقي في زمن الانصياع المطبق لقواعد السوق وقوالب الكتابة والتلقي.
 
يحرك العقيبي رغبة في الانعتاق من القواعد النقدية الجاهزة والمناهج المستوردة التي أرهقت النص العربي لعقود؛ فتحول بها الناقد إلى موظف يُسقط النظرية الغربية قسراً على حكاياته المحلية،

 ويقترح بدلاً من ذلك جهازاً مفاهيمياً يخرج من جوهر التجربة السردية ذاتها، يتيح تسمية الظواهر كما هي في الواقع الروائي المعيش. 

ويتجلى ذلك بوضوح حين يتناول المؤلف "الانحياز السردي إلى الذات" والتنظير لـ "الرواية الإجرائية"؛ إذ يضع يده مباشرة على المأزق التاريخي والمعرفي الذي تتفرع عنه بقية الظواهر السردية الشائعة.

سلطة القالب أم حرارة المعنى؟

يبدو مفهوم "الضغوط السردية" إحدى أكثر المساحات إثارة للجدل في الكتاب؛ إذ ينظر العقيبي إلى الضغط باعتباره جزءاً أصيلاً من فلسفة الفن نفسه،

 متسائلاً عن قدرة الشكل على الضغط على المضمون ليجعله أكثر كثافة، وكيف تتحول البنية المحكمة إلى تقنية لإعادة إنتاج المأزق الوجودي أو العاطفي.

 يشبه العقيبي الرواية هنا بالأغنية ذات الضغط اللحني، تلك التي تختار الحديث بصوت مشدود ومقتضب لتقول في إيجازها الموتور أكثر مما يتيحه الانسياب الحر والثرثرة المائعة.
 
لكن هذه الرؤية المفهومية تفتح الباب لمجادلة نقدية واضحة مع الطرح الأكاديمي والجمالي السائد؛ إذ تميل المدارس النقدية المادية والجمالية الحديثة إلى اعتبار المضمون والحمولة الشعورية هما المولد الأصيل للشكل وليس العكس. 

وفي تقديرات الناقد المصري سيد البحراوي فإن "محتوى الشكل" هو التعبير الأدق عن امتزاج القالب الفني ومضمونه حيث تجربة الاختناق والتشظي الوجودي لدى الإنسان هي التي تستدعي إجبارات شكلية ضاغطة تتشكل استجابة حتمية لحرارتها الخاصة. 

فلا وجود لقالب سابق أو هيكل ضاغط خارجي يُصب فيه المعنى صباً، بل إن البنية السردية هي الصياغة الأخيرة والوحيدة التي تتخذها التجربة وهي تخوض مخاض تشكلها الصعب على الورق.
 
من يعبر "الجدار الأول"؟

في طروحاته البنيوية حول "تخوم السيميوطيقيا"، يتصور الناقد الروسي يوري لوتمان أن للثقافة حواشي غير مرئية تعمل مثل غشاء ناضح أو مناخل ذكية؛ وظيفتها صون القلعة الأدبية من التبسط الذي يفقدها جوهرها، وضبط ما يلج إلى نواتها الصلبة.

 يلمس عبد الله العقيبي هذه الخطوة النقدية الإجرائية، ليرسخ استعارته التي يسميها "الجدار الأول"، متخيلاً عتبة شفافة ترتفع هادئة بين النص ومستويات تلقيه. 

ولا يقصد العقيبي بهذا السور حاجزاً صلباً للإقصاء، بل مرشحاً جمالياً يُغزَل من خيوط دقيقة: لغة متكتمة تحذر المباشرة، وحس مدرب يدرك كيف تتدفق الشخصية دون أن تفتعل حركتها، ووعي عميق بتاريخ الرواية وتجريبها المعاصر. 

النص الذي يُبنى بهذه الشفرات المركبة يجد مستقره العالي عند قراء ينشدون في الأدب خلاصهم الفكري ويحترفون تفكيك سرائره. 

أما حين يختار الكاتب السير في طريق أسهل، متخففاً من ثقل هذه العدة للوصول إلى قارئ يستعجل الحكاية ويبحث عن تسلية خاطفة، فإنه لا يكسر السور، بل يلتف حوله ليخرج بكتابته من منطقة الفن إلى أسواق الاستهلاك.
 
يتقاطع هذا المعنى أيضاً مع رؤية السيميوطيقي الإيطالي أمبرتو إيكو حول مستويات القراءة؛ حيث تُخزن الروايات الأصيلة معانيها العميقة خلف بوابة لا يملك مفاتيحها إلا القارئ المستعد لفك شفراتها الفلسفية، في حين يكتفي العابر بفضول الحكاية الظاهرة. 

غير أن التاريخ السردي يحفل بجماليات استثنائية استطاعت خرق ذلك السور الشفاف واجتذاب الجمهور العريض دون أن تفقد قطرة واحدة من عمقها أو تتنازل عن تركيبها،

 كما جرى في "الغريب" لألبير كامو أو "مئة عام من العزلة" لغارسيا ماركيز؛ حيث تحول التعقيد الروائي نفسه إلى غواية قرائية، عابراً العتبة النخبوية نحو فضاء إنساني شامل.

في جذر "الإجرائية"

لا تنبت "الرواية الإجرائية" في الفراغ، ولا تفرزها مؤسسات الجوائز وورش الكتابة وحدها، إذ إنها تتغذى في المقام الأول على تواطؤٍ خفي يربط الكاتب بالمتلقي؛ حيث الخوف الضمني من تجربة الخروج عن النمط. فالكاتب يتهيب المغامرة، وينكص أمام الابتكار الشكلي؛ 

كما يميل القارئ إلى طلب المتعة المريحة التي توفرها أنماط حكائية مألوفة لا تُجهد ذهنه ولا تصدم ذائقته المستقرة. ومن هذا التواطؤ بالذات، ينبثق إغراء اللجوء إلى القالب.
 
يتتبع العقيبي هذه التقنية ليصوغ مصطلحاً جامعاً يحمل آلياته وأوصافه في اسمه نفسه. 

فالإجراء في أصله لا ينشغل بإنتاج معنى مبتكر أو المساءلة الفلسفية وينحصر في اتباع القالب، لتنقلب عملية الكتابة إلى تنفيذ خطة شبه إدارية تتتبع بروتوكولات الورش والدلائل الجاهزة.

إن تسمية الظاهرة بإجراءاتها هي تقعيد لنقد يفكك آلة الإنتاج الأدبي من الداخل؛ 

فالكاتب يتبع الخطوات النظرية لتركيب الحبكة، وضبط أزمنة التنقل، وتوزيع زوايا الرؤية، ليوفر لنصه حماية ظاهرية داخل حظيرة الجنس الأدبي، تجعل من الصعب على المتلقي العابر إخراجه من خانة الرواية. 

وبذلك يتحقق الزيف المريح، حيث ينجز النص قصديته في حدودها الأدنى، ليبدو مكتمل البناء، بينما يظل في جوهره خاوياً ومفرغاً من أسئلة الفن الحقيقية، لأنه مقطوع الصلة بالتجربة الوجودية الشاقة التي تُولد الجمال وتمنح المعنى شرعيته.

يتعاظم الخطر الذي يرصده العقيبي إن تماهى النقد مع هذا الزيف، ليصبح شريكاً صامتاً يُدبج المقالات المتشابهة لكل الإصدارات دون تمييز. 

ومن هنا، يغدو الرهان الحقيقي المتبقي هو ممارسة نقد مقاوم يمتلك شجاعة التسمية، ويكسر آليات الاسترخاء الذهني، لتفعيل قراءة نوعية تنتصر لأسئلة الجمال ولشرعية البقاء.

تسليع المتخيل وفخ الإشباع السريع

يدرك العقيبي حلقات الصنعة وأشكال الكتابة التي تُقصي التوتر الإنساني لصالح متعة عابرة تُرضي شرط الاستهلاك المباشر؛ حيث يغدو النص بضاعة خفيفة تُصنع لتقرأ سريعاً وتندثر في فضول اليومي. 

وهنا تتبدى جرأة لفظية في اشتقاقه لمفهوم "الاستمناء السردي"؛ وهو المفهوم الذي يعبر بدقة عن الثرثرة حين تعبر عن فعل مُدرك ومقصود لا يقود إلى توتر خلاق بل يفترض غياب الآخر/ القارئ الذي هو جزء أصيل من معادلة التلقي.

يمثل الكتاب محاولة واعية ومطلوبة في مجرى السرد العربي الراهن؛ إذ ينزع أوهام الصنعة الجاهزة، ويتجنب التداول النقدي النمطي للرواية، ليُعيد إيقاظ السؤال الجوهري الذي وضعه بهاء طاهر أمام الزمن؛ سؤال يضعنا أمام خيارين لا ثالث لهما: 

إما الاستسلام لنص إجرائي يلهث خلف المكاسب السريعة واعتراف الجوائز، وبالتالي نكوص إلى ممارسة الكلام ليغدو طقساً لا خلقاً للمعنى، أو المغامرة بالتفكير من داخل الرواية بوصفها فعل وجود ومقاومة يملك مشروعية البقاء.

* زينب محمد عبد الحميد
ناقدة ومترجمة مصرية