Logo

الصحافة الورقية اليمنية في أكشاك الحرب والنسيان

 ​مع إشراقة كل صباح، كان أهالي مدينة تعز يتسابقون نحو الأكشاك الصغيرة المتناثرة في شوارع المدينة، ليصطفوا بشغف أمام واجهاتها، طمعاً باقتناء أحدث الإصدارات الصحافية. في تلك الأكشاك، نشأت علاقة حميمة بين القارئ وهذه الصحف 

 فبينما يشتري بعضهم صحيفته المفضلة، يلتف آخرون في حلقات عفوية يتصفحون العناوين الرئيسية، ليُرضوا شغفهم المعرفي بمتابعة الأحداث المحلية والعالمية.

​كانت واجهات الأكشاك تتزين بتوليفة تنوعت بين صحف حكومية، وحزبية، وأهلية مستقلة، تجاورها مطبوعات وصحف عربية، إلى جانب مجلات يمنية وإقليمية تتوزع موضوعاتها بين السياسة، والاقتصاد، والثقافة، والمنوعات.

​غير أن هذا الطقس الصباحي سرعان ما انحسر ليتحول إلى جزء من ذاكرة ثقافية يتذكرها اليمنيون، مع غياب معظم تلك المطبوعات من الشارع، 

ومع تصاعد النزاع المسلح وتمدد سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء ومؤسسات الدولة، تعرضت وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة لإغلاق واسع لمقراتها وتوقف لعملياتها، لتتحول الصحيفة الورقية في أيدي القراء من عادة يومية إلى مطبوع يندر الوصول إليه.
 
 يختصر صاحب إحدى المكتبات، سعيد العريقي، هذا التحول المؤلم، قائلاً: "كنا قبل اجتياح الحوثيين لصنعاء نبيع تشكيلة متنوعة من الصحف اليومية والأسبوعية،

 أما الآن فقد انتهت الصحافة الورقية تماماً، حتى المجلات والكتب باتت لا تصل إلينا، وصرنا نكتفي ببيع الأدوات القرطاسية فقط".

​وكان إعلان قيام الوحدة اليمنية في 22 مايو/ أيار 1990 قد أرسى القاعدة التأسيسية للتعددية السياسية في البلاد، التي انعكست على الصحافة مع ولادة عشرات الإصدارات الحكومية والحزبية والمستقلة،

 لتتصدر الصحافة الورقية وسائط الإعلام المتاحة حينها بفضل قدرتها على الوصول والتأثير. 

ولاحقاً، شهدت الصحافة توسعاً لافتاً عقب أحداث الربيع العربي عام 2011، إذ ارتفع إجمالي الإصدارات الصحافية ليصل إلى نحو 260 صحيفة ومجلة، تتوزع بين 38 صحيفة حكومية، و45 لسان حال للأحزاب، و160 صحيفة مستقلة وأهلية.
 
​إلا أن هذا التوسع واجه تحولاً جذرياً عقب سيطرة جماعة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر/ أيلول 2014، وما تبع ذلك من حملات إغلاق طاولت صحفاً ومكاتب إعلامية وقنوات ومحطات إذاعية 

 حُجبت على إثرها مواقع إخبارية، وتعرض العديد من الصحافيين لملاحقات وتوقيفات. 

وشملت إجراءات الإغلاق والتوقف مؤسسات صحافية بارزة ومطابع يوميات، مثل "مأرب برس"، و"المصدر"، و"أخبار اليوم"، و"الشارع"، ما أدى إلى تعطل نشاطها وانتقال العشرات من الكوادر الصحافية بين النزوح الداخلي والهجرة خارج البلاد.
 
​ولم تقتصر هذه التحولات على الانطباعات العامة، بل وثقتها بالأرقام دراسة مسحية مرجعية نفذتها نقابة الصحافيين اليمنيين بالتعاون مع الاتحاد الدولي للصحافيين عام 2023، إذ كشفت عن الأثر المباشر للنزاع على واقع الإعلام وحقوق العاملين فيه.

وأوضحت الدراسة أن الصحف والمجلات كانت الأكثر تأثراً، فتوقفت 119 صحيفة ومجلة (يومية وأسبوعية وشهرية وفصلية) عن الصدور من أصل 132 مطبوعة رصدتها الدراسة، وذلك نتيجة للظروف الأمنية والاقتصادية والسياسية المباشرة للأزمة.

​وفي الوقت الذي أدت فيه الأزمة إلى توقف 165 وسيلة إعلامية من مختلف القطاعات، أشارت البيانات إلى أن المطبوعات المتبقية أصبحت في مجملها تعبّر عن القوى والأطراف المتصارعة وتخدم توجهاتها.

واليوم، تضاءل الحضور الصحافي المطبوع ليقتصر على نحو 13 صحيفة فقط تصدر على امتداد جغرافيا اليمن، 

مع الإشارة إلى أن معظم هذه الإصدارات مطبوعات حديثة نشأت في ظل الأزمة لتلبية الخطاب الإعلامي للسلطات القائمة في مناطق صدورها، ما يعكس تحولاً من نموذج التعددية الصحافية إلى التعبير عن اتجاهات السلطات الميدانية.

​ومع انحصار الإصدارات المطبوعة في مراكز رئيسية، مثل عدن وصنعاء، باتت معظم المحافظات اليمنية تعاني من غياب كامل للمطبوعات الصحافية وركود في شريان التوزيع، 

إذ تسببت التعقيدات الأمنية، وارتفاع كلفة النقل والشحن، وتقطيع الطرقات بين المحافظات، في شلل شبكات التوزيع الوطنية التي كانت تتولى إيصال آلاف النسخ يومياً إلى مختلف المناطق.

​ولم يؤدِّ هذا الغياب القسري للصحيفة إلى إيجاد فجوة إخبارية فحسب، بل ألقى بظلاله على التواصل الثقافي والاجتماعي بين المحافظات 

 وكان الأثر الأكبر لهذا الانقطاع على الفئات الأكثر اعتياداً للورق، ككبار السن، والرعيل الأول من المهتمين بالشأن الثقافي، وسكان الأرياف والمناطق التي تعاني من غياب التيار الكهربائي وتدهور تغطية الإنترنت، الذين وجدوا أنفسهم أمام صعوبة في متابعة المستجدات عبر الوسائط الرقمية البديلة.

فخر العزب
صحافي يمني