Logo

أسعد عرابي في عقده الأخير.. قيامة دمشق كما صوّرها الفنان

 ربما يكون معرض "يبقى الأثر" الذي يتواصل في غاليري أوروبيا الباريسي لأعمال الفنان الراحل أسعد عرابي (1941-2025) حتى الثاني عشر من الشهر الجاري، مناسبة للتحدث عن مُعلّم من معلّمي الفن السوري وتعريف الأجيال الجديدة إلى فنّه. ويأتي هذا المعرض في الحقيقة تكريماً للفنان، اللبناني الأصل، بمناسبة مرور سنة على وفاته، وقد اختيرت أعماله، المتعددة المواضيع، من تلك التي أنجزها خلال السنوات العشر الأخيرة من حياته. 

اختيرت لوحة تعود إلى سنة 2023، وتصوّر حصاناً مجنحاً، لتكون بطاقة الدعوة وملصق المعرض. هذه اللوحة هي بالأحرى نسخة "عرابيّة" عن رسمٍ يعود إلى القرن السابع عشر لمخلوق "البراق"، وهو الدابّة التي حملت النبي محمد من مكّة إلى المسجد الأقصى ليلة الإسراء والمعراج. 

يحوّل عرابي ذيل البراق، وهو في العادة ذيل طائر الطاووس، إلى ذيل حصان عادي، كما يحرر الموضوع الذي عرفته بكثرة المنمنمات والتصاوير الشعبية من التأنق في الرسم ومن التزويق الزخرفي، لصالح خط عريض يرسم الأشكال وألوان تتصارع فيما بينها لتصل إلى أقصى ما يمكن من احتدام،

 لكننا لا يمكن أن نمر "مرور الكرام" على أثر خفيف للتزويق يظهر على سرج الدابّة، وعنصر الزخرفة هذا قلما نجده في أعماله.

ويتبادر إلى الذهن هنا سؤالٌ، هل شعر الفنان بقرب نهاية رحلته على الأرض فاستحضر الطائر الذي صعد إلى السماء، أم أنه يعود بهذا الموضوع التراثي "الإسلامي" إلى يوم تفتحت عيناه في "حارة الورد" الدمشقية على مخطوطات أطلعتها جدّته الدمشقية المتصوفة عليها وكان عمره وقتذاك سبع سنوات؟

من الأعمال المعروضة أيضاً، لوحة ثنائية تصوّر أم كلثوم، وتعود إلى سنة 2015. هي مشهد ذو طابع مسرحي، تحتل المطربة المصرية صدره، وعلى يمينها يجلس برفقة عوده محمد القصبجي، ويشغل مساحة من العمل لا تقل أهمية عما تشغله "الست".

 في الجهة الأخرى، يُكمل المشهدَ ثلاثةٌ من أعضاء الفرقة الموسيقية. وعلى الرغم من حضور القصبجي، فإن كرسيين فارغين يظهران في خلفية العمل، في الفراغ ما بين المطربة والملحن الذي ارتضى أن يكون عازفاً في فرقتها. 
 
يعرف أغلبنا بالطبع حكاية الكرسي الذي كانت تتركه أم كلثوم فارغاً في الفرقة الموسيقية التي ترافقها، تكريماً للقصبجي بعد رحيله، لكن ما قصة الكرسيين، لمن هما؟ 

من الطريف في هذا الصدد أن نذكر أن عرابي في أغلب لوحات المجموعة التي رسمها عن أم كلثوم، إن لم يحضر القصبجي فيها، فإن كرسيه الفارغ يحضر، لكنه، في الحقيقة، عندما يتكلم عرابي عن الموسيقى، 

وعن أغنيات أم كلثوم التي ألهمته، يجعل اهتمامه برياض السنباطي وبألحانه، لا بتلك التي أبدعها القصبجي قبل أن يظهر السنباطي في أفق التلحين. 

يمكن القول في النهاية إن هذا الأخير يظهر في موسيقى العمل، أما القصبجي فيظهر في صورته. يقول عرابي عن موسيقى السنباطي في مقابلة تلفزيونية: "إن دوري هو تحويل النظام الفراغي في اللوحة إلى نوتة صوتية مشرقية تشبه لحن السنباطي في معالجتها". 

ويضيف مؤكداً أنه "مختص بأم كلثوم، رياض السنباطي، أحمد شوقي، والقصيد الصوفي الذي أنتجوه"، ويتابع حديثه متأسفاً على وقتنا هذا وقد "دفنا فيه التصوير وقلنا عنه حراماً، كما دفنا الموسيقى وقلنا عنها حراماً...".
 
من الأعمال المعروضة أيضاً هناك عملان لموديل عارٍ، يعودان إلى عام 2023، يدخل على العمل الأول اللون الأصفر المخضر، فيحاول الأخضر المشبع تهدئته، لكن البنفسجي في العمل يعيد إليه سعيره. أما في العمل الآخر يدخل الأصفر الناري فيطفئه الأزرق. 

في هذين العملين يقترب الفنان من أسلوب التعبيريين الألمان، وهو هنا أيضاً لا يقل عنهم عنفاً في تصويره الرغبة المحمومة. 

أول هذين العملين يصور امرأة أما الثاني فهو إن دققنا قليلاً لرجل. لقد درجت العادة في الواقع ما بين الفنانين، لا سيما العرب، على تصوير الفتيات العاريات لا الرجال. فمن هذا الرجل؟

 وما سر الشريط الأحمر الذي يلفه أعلى كاحله؟ ربما جاء سؤالنا متأخراً أو ربما حلّت الأيام هذا اللغز إن وجد!
 
من السنة نفسها نجد عملين اثنين يقتربان من حيث الموضوع من موضوع الأعمال التي كان قد اشتغل عليها في أواسط التسعينيات، مرتكزاً على قاعدة الحكايات الميثولوجية والرسوم ما قبل التاريخية، فيخلق لنا حيوانات وأشخاصاً يتحابون ويتحاورون وربما يتقاتلون.

كما كان لدمشق حيث ولد أسعد في حي ساروجة، لأب من صيدا وأم دمشقية، حصتها في بضعة أعمال تظهر فيها عمارتها التي شغلته منذ أيام دراسته في كلية الفنون الجميلة بـ"طاقتها الروحية"، كما يقول الفنان محمد عمران في تقديمه المعرض. 

وعلى الرغم من إقامته الطويلة في باريس حتى رحيله يوم 29 أغسطس/آب 2025، فقد حافظ عرابي على علاقته مع الجمهور السوري، وعلى تعلق شديد بمدينته ومسقط رأسه.
 
وفي الواقع، لقد بدأ عرابي الرسم مستلهماً من الحياة الدمشقية للأحياء القديمة، وعاد إليها في السنوات الأخيرة ليصور "قيامتها" كما يقول.

 تظهر في هذه الأعمال بعض من "حرائق" تذكرنا أيضاً بتقاطع جرى يوماً ما بين الفنان والكاتب زكريا تامر؛ الدمشقي هو الآخر، 

في مجموعته القصصية "دمشق الحرائق" التي استلهم عنوانها من حريق أتى على قصر دمشقي في حي الصالحية، وكان عرابي قد صوّره ضمن مشروع تخرجه في كلية الفنون.

 في هذا الصدد يذكر عمران في تقديمه أنه "عندما اندلعت شرارة ’القيامة الشامية‘، لم تتوارَ دمشق عن فضاء لوحات الفنان، بل على النقيض من ذلك، فقد تعمقت في موضوع ’الساكن والمسكون‘ لتغدو مكاناً مشحوناً بالقصص والتعاويذ والرؤى".

من المعرض (العربي الجديد)  

ويصح هنا أيضاً، في ما يخص الأعمال التي تقدم "القيامة الشامية" بنسيجها العمراني المهشم كما بأناسها المضطربين المكلومين، قول عيسى مخلوف، الشاعر والمترجم اللبناني في تقديمه معرض صديقه الفنان،

 إن لوحات عرابي "لا تسعى إلى تفكيك الأجساد أو تشويه ملامحها، كما يفعل كثير من الفنانين المعاصرين. بل إنها تنقل إلينا القلق والتيه اللذين يسكنانها، وتكشف عن الصرخة المكتومة لهذه الأجساد التي تبدو مذهولة، من شدّة ما تعانيه من ألم". 

أحدث أعمال المعرض، وربما هي آخر ما وقّعه الفنان باسمه، لوحة تعود إلى سنة رحيله 2025 بعنوان "السفر إلى الأخضر". يقدم عرابي فيها مشهداً على خلفية خضراء مؤلفاً من بضع نسوة، ومن فتاة هي أقرب إلى القزم، ومن وليد صغير تحمله إحداهن بين ذراعيها.

 تتأمل هذه المرأة الطفل وهو من جهته ينظر إليها، بينما ترفع "القزم" يديها وكأنها تساعد هذه المرأة. وفي وسط العمل تنتصب أكبرهن سناً وتقوم بحركة تناظر حركة يدي الأم، لكنها تتجه إلى المرأتين اللتين، على ما يبدو، تتبادلان سراً.

شخصياً، شعرت للوهلة الأولى أنني أمام نسخة مختزلة من رائعة الفرنسي بول غوغان "من أين نأتي؟ ما نحن؟ إلى أين نحن ذاهبون؟" فهل يتكلم عرابي هو الآخر في آخر ما أنتجه عن سر الحياة، هل هو تأمل معناها؟

 هل هو في صورة الطفل وقد شعر بدنو أجَله فأراد استحضار جدته لتحتضنه؟ لا نعرف في الحقيقة إن كان الثوب الأبيض هو كفن الولد أم قماطه.
 
بطرس المعري
بطرس المعري، فنان تشكيلي سوري