Logo

فوانيس رمضان تطفئ قناديل المدارس في اليمن

 يتكرّس في اليمن الهروب الجماعي من قاعات الدرس خلال شهر رمضان، ليتحوّل إلى مسمار جديد يُدق في نعش التعليم، ما يهدد بفجوات معرفية عميقة.

لا يبدّل شهر رمضان في اليمن الروحانيات فقط، بل يقلب إيقاع الحياة رأساً على عقب، ومع تحوّل الليل إلى نهار، والنهار إلى سبات طويل يفرضه نمط استهلاك يرتبط بجلسات القات الليلية، 

لم يعد التغيير يقتصر على العادات الفردية، بل سياسة غير معلنة تُشرع شلل المؤسسات العامة، وفي مقدمتها قطاع التعليم.

وخلال شهر رمضان الحالي، يبرز قطاع التعليم كأحد أبرز ضحايا التردي السياسي والاقتصادي في البلاد، مع اتجاه الحكومتين إلى تقليص أيام العام الدراسي، وإفراغ شهر الصيام بالكامل من أي نشاط تعليمي، 

إذ لجأت جماعة الحوثيين إلى ما يمكن تسميته بسياسة "الإزاحة الزمنية"، أما الحكومة المعترف بها دولياً في عدن، فاختارت مسار "التعليق المؤقت" مع وعود بالتعويض لاحقاً. 

في مناطق سيطرة جماعة الحوثيين خضع التقويم الدراسي لإعادة هيكلة جذرية وُصفت بأنها "تحايل على الجدول الزمني المعتاد"،

 إذ جرى تقديم موعد بدء العام الدراسي إلى 28 يونيو/ حزيران 2025، بدلاً من الموعد التقليدي في سبتمبر/ أيلول، بهدف إنهاء العام الدراسي مبكراً. 

وحددت وزارة التربية والتعليم موعد اختبارات نهاية العام في 7 فبراير/شباط، كي يقع شهر رمضان بالكامل ضمن العطلة الصيفية.

بدورها، قررت وزارة التربية والتعليم في العاصمة المؤقتة عدن، تعليق الدراسة في جميع المدارس الحكومية والأهلية ورياض الأطفال حتى انتهاء إجازة عيد الفطر في 29 مارس/ آذار المقبل. 

وبررت القرار بالصعوبات اللوجستية والاجتماعية التي ترافق شهر رمضان، وما يترتب عليها من تعذر انتظام الدراسة. 

وفي محاولة لامتصاص الانتقادات المتعلقة بضياع التحصيل العلمي، تضمن القرار التزاماً بإضافة 15 يوماً إلى التقويم المدرسي كفترة تعويض، من أجل استكمال المقررات وفق الخطة الزمنية المعتمدة.

وأعلنت وزارة التربية والتعليم في الحكومة المعترف بها دولياً، بدء العام الدراسي في 31 أغسطس/ آب 2025، لجميع المراحل الدراسية، وحددت موعد اختبارات نهاية العام في 10 مايو المقبل.

يواجه التعليم في اليمن واحدة من أسوأ مراحل الانهيار التاريخي، وسط دعوات إلى تعزيز الحلول الرقمية لضمان استمرار التعليم

يقول عبد الله الزيلعي، وهو ولي أمر لثلاثة تلاميذ في المرحلة الأساسية، لـ"العربي الجديد": "تتشارك السلطات التعليمية في كل من عدن وصنعاء في تدمير مستقبل الأجيال عبر العبث الممنهج بالتقويم المدرسي. 

تقليص أيام الدراسة يجعل إنهاء المعلمين المقررات في وقتها المحدد أمراًَ مستحيلاً، وهذا التلاعب لم يُفرغ المناهج من مضمونها فقط، بل أدى إلى تدهور حاد في مستوى التحصيل العلمي، 

إذ بات التلاميذ ينتقلون من مرحلة إلى أخرى من دون كفاءة حقيقية، ما يعكس حجم الكارثة التي لحقت بالبنية التربوية، نتيجة تغليب الحسابات السياسية على مصلحة الطالب".

بدوره، يقول عبد الرحمن محمد، وهو معلم في مدرسة حكومية بصنعاء، "نواجه معضلة حقيقية في إيصال المعلومة، فتقديم العام الدراسي إلى بداية الصيف جعل الحصص عبئاً ثقيلاً، وكأن التعليم أصبح ثانوياً أمام طقوس السهر في رمضان.

 أما إنهاء الفصل الثاني في منتصف فبراير فيعني تكديس المقررات واختصار زمن الحصص، فيخرج الطلاب وهم يفتقرون إلى الأساسيات".
 
ولم تقتصر آثار هذه "الارتجالية" على الجانب التربوي، بل امتدت إلى خنق القطاع التعليمي الخاص اقتصادياً وإدارياً. 

توضح فاطمة أحمد، وهي وكيلة مدرسة أهلية في عدن، أن "قرار تعليق الدراسة في رمضان يضع المدارس أمام تحديات لوجستية ومالية معقدة، فالمدرسة ملزمة بدفع الرواتب والمصاريف التشغيلية في وقت تتوقف فيه العملية التعليمية تماماً،

 وإضافة 15 يوماً في نهاية العام لا تكفي لجبر الفجوة، فالانقطاع الطويل يكسر وتيرة الانضباط. يبدو أن التعليم لم يعد أولوية".

وبعيداً عن حسابات الإدارة والمعلمين، يقف التلميذ اليمني في حيرة من أمره، تائهاً بين جداول دراسية كثيفة، وإجازات قسرية تشتته. 

يقول التلميذ في الصف الثالث الثانوي بمحافظة تعز، حمد جمال، "أشعر بتشتت كبير، فكلما بدأنا التأقلم مع المذاكرة يأتي قرار الإجازة ليقطع حبل أفكارنا. 

التوقف لشهر كامل يجعلنا ننسى ما درسناه، ويحوّل رمضان إلى فترة خمول ذهني. الإجازة ليست راحة، بل مصدر قلق لأننا سنواجه لاحقاً جداول كثيفة واختبارات متلاحقة لتعويض الفاقد".

من جانبه، يقول الخبير التربوي عبد العالم السبئي، "تعيش محافظة تعز حالة تمزق إداري وتربوي نتيجة خضوعها لسلطتين مختلفتين تسببتا في غياب تقويم دراسي موحد، ما خلق إرباكاً واسعاً لدى التلاميذ والمعلمين في شأن مواعيد الامتحانات والانتقالات المدرسية.

 هذا الانقسام تجاوز الفوضى الإدارية، ووصل إلى تفشي ظاهرة تزوير الوثائق والشهادات، مهدداً سلامة العملية التعليمية وبنيتها المؤسساتية".
 
ويضيف السبئي أن "الإجازات الطويلة تضاعف حجم الفاقد التعليمي المتراكم أصلاً بسبب سنوات الحرب والحصار، ولا توجد خطط واقعية لتعويضه، إذ تقتصر المحاولات على أنشطة محدودة في بعض المدارس الأهلية، 

بينما تغيب كلياً عن المدارس الحكومية بسبب ضعف الإمكانيات، وعدم تفاعل أولياء الأمور. 

نحتاج إلى إعادة تخطيط الزمن التعليمي وفق تقويم مرن يراعي الخصوصيات الجغرافية والمناخية لكل منطقة، بدلاً من القوالب الجاهزة. 

التوقف عن التعليم في شهر رمضان نتيجة مباشرة للواقع الاقتصادي المتدهور، وأزمة الرواتب المزمنة التي دفعت آلاف المعلمين إلى ترك مهنتهم والبحث عن أعمال بديلة".

وبحسب تقرير "بناء المستقبل" الذي أصدرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في سبتمبر/ أيلول 2025، يواجه التعليم في اليمن واحدة من أسوأ مراحل الانهيار التاريخي في ظل وجود 4.5 ملايين طفل خارج المدارس، 

وحاجة 6.2 ملايين إلى دعم تعليمي عاجل، وتضرر آلاف المدارس، وانقطاع رواتب نحو 200 ألف معلم منذ عام 2023.

ويتقاطع ذلك مع تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) في سبتمبر/ أيلول 2025، أكد أن أكثر من 3500 مدرسة و50 جامعة دُمّرت أو أُغلقت، 

وأن النزاع تسبب في نزوح آلاف المعلمين، وانخفاض حاد في التحاق التلاميذ، وسط تحذيرات من انتكاسات تنموية طويلة المدى، ودعوات إلى تعزيز الحلول الرقمية لضمان استمرار التعليم.

فخر العزب
صحافي يمني،