Logo

الدسمال اليمني... تاج الهوية ورمز الوقار الاجتماعي

 تلتف عمامة الدسمال بدقة هندسية تجمع بين وقار تاريخ اليمن ولمسة الجمال المعاصر، وتعبر قطعة القماش القارات وتستقر لتصبح التاج الأكثر تعبيراً عن هوية اليمن وروحهم ووقارها،

 فهي تسكن وجدانهم وتعكس كل ثناياها تفاصيل حضارة تأبى إلّا أن تحضر بزهوها وتفردها.
 
يُعرف الدسمال بأنه أحد أعرق أغطية الرأس التقليدية في الثقافة العربية، وينفرد بأشكاله الهندسية وألوانه الزاهية التي تحمل دلالات اجتماعية عميقة. 

وبينما تضرب العمامة، كغطاء رأس تقليدي في التراث العربي القديم، يعود تاريخ الشكل الحالي للعمامة المزركشة المليئة بالألوان إلى الهند التي صدّرت ثقافتها إلى جنوب اليمن قديماً.

 وكان الدسمال تحوّل إلى عمامة السلاطين ورمزاً للوجاهة ولا سيّما في منطقة يافع، كما كان ميزة خاصة للتجار الحضارم الذين انتقلوا إلى الهند ومناطق جنوب آسيا،

 واعتبر الدسمال المصنوع من الحرير الفاخر طقساً يعكس المكانة الرفيعة لصاحبه في المراسم الرسمية والخاصة.

على الصعيد اللغوي تشتق كلمة الدسمال التي تنطق أحياناً دسمان في بعض اللهجات المحلية، من كلمة دستمال الفارسية التي تعني المنديل. ورغم التقارب الظاهري بين أغطية الرأس في الجزيرة العربية يحتفظ الدسمال بخصوصية. 

وبينما يتميّز "الشماغ" بلونه الأحمر ونقوشه المشبكة وخامته القطنية الثقيلة، و"الغترة" باللون الأبيض والقماش الخفيف الانسيابي، يجسّد الدسمال اليمني الفخامة الملونة. 

يُصنع غالباً من خامات قطن أو حرير ذات ألوان متعدّدة تتداخل النقوش النباتية والهندسية فيها، ولا يُوضع على الرأس فحسب كما حال الغترة والشماغ، 

بل يُعصب ويُلف بطريقة لولبية معقدة تُعرف بـ"التبزينة" أو "النسفة" ليتحوّل من مجرد غطاء للوقاية إلى قطعة جمالية تعلو الهامة وتمنح صاحبها مظهراً يجمع بين كبرياء القبيلة ومدنية المجتمع.

ولا تكتمل هيبة الدسمال إلّا بتفاصيله الدقيقة، فهو ليس مجرد قطعة قماش أو وشاح عابر، بل قطعة مستطيلة من القماش الفاخر يتراوح طولها بين 3 و5 أمتار، تمنح من يلبسها مساحة كافية لصياغة تاجه الخاص الذي يضفي عليه هيبة الملوك. 

وفي المناسبات الكبيرة، مثل الأعراس، يميل كبار السن في محافظات مثل تعز وصنعاء إلى اقتناء "الدسمال المقصّب" الذي تزدان أطرافه بخيوط ذهبية وهّاجة تضفي على حضورهم لمسة فخامة ملكية تستحضر صور السلاطين والوجهاء في غابر الأزمان.

وتتحوّل عملية "اللف" أو "اللّي" إلى فن قائم بذاته، إذ تُعد مؤشراً بصرياً على مكانة الشخص الاجتماعية ومدى اعتنائه بهندامه، وكلما كانت اللفة أكثر إتقاناً وتناسقاً في زواياها دلّت على رفعة شأن صاحبها. 

ولا تتوقف خصوصية الدسمال عند نوع القماش أو زهاء الألوان، بل تمتد إلى عبقرية "الهندسة اليدوية" التي تحوّله من وشاح مستطيل إلى تاج شامخ يتربع على رأس الرجل ويمنحه مزيجاً من الجمال والهيبة والأناقة والوقار. وتُعرف هذه العملية شعبياً بـ"التبزينة".
 
وليس فن لَيّ الدسمال عشوائياً، بل لغة تتيح للعارفين تمييز الانتماء الجغرافي من نظرة واحدة، ففي المرتفعات الجبلية، مثل يافع والضالع، تميل "التبزينة" إلى الارتفاع والضخامة مع زوايا حادّة تعكس شموخ التضاريس وكبرياء القبيلة،

 بينما تتخذ في المناطق الوسطى والساحلية شكلاً أكثر انسيابية وتواضعاً في الارتفاع. وتتطلب "التبزينة" المحترفة توازناً دقيقاً في توزيع طبقات القماش التي قد يصل طوله إلى خمسة أمتار، ما يجعل "المبزّن" الذي يلف الدسمال مهنة شرفية يتسابق العرسان والوجهاء لطلبها في المناسبات الكبيرة، إذ يُعد إتقان هذه اللفة، بزواياها اللولبية المعقدة، اختباراً للرصانة والذوق الرفيع في الوعي الجماعي اليمني.

ويتجاوز الدسمال في الوجدان اليمني كونه زينة للرأس، ويصبح رمزاً للعز والهيبة والوقار، وعلامة فارقة تُلبس لتظهر الحكمة والرجولة، وتعلن اكتمال شخصية الرجل اليمني في أبهى تجلياتها. 

ويحرص اليمنيون على إحياء أعراس الزواج بارتداء العريس الزي التقليدي الأصيل، مع ملاحظة انتشار توجه حديث لمقاطعة زي "العكفة" أو "العكف" الذي يتكون من الثوب والصدرية (الفرميلة) والعمامة (المشد) والجنبية والبندقية أو السيف نظراً إلى رمزيته التاريخية وارتباطه بنظام الأئمة بوصفه زياً خاصاً بجنود حرس الإمام.

ويقول سيف الشميري، صاحب محل لتجهيز الأعراس في تعز، "يطلب غالبية عرسان هذه الأيام الملابس الخاصة بالدسمال، ونادراً ما يأتي زبون لطلب ملابس أخرى. ويؤكد الزبائن أنّ الدسمال يعبر عن الهوية اليمنية الأصيلة، ويجمع بين الجمال والبساطة والدلالات الثقافية والاجتماعية".

وكان نظام الأئمة في اليمن (1918-1962) كرّس تراتبية اجتماعية صارمة قسّمت المجتمع إلى طبقات، أعلاها "السادة" والحكام وأدناها "الرعية" من الكادحين والمزارعين، وغدا الدسمال حينها وثيقة بصرية تحدّد مكانة الفرد. وانفرد الحكام بارتداء العمائم البيضاء الضخمة "المشنّف" رمزاً للسلطة والولاية، بينما ارتبط الدسمال الملون بعامة الشعب وقبائله وتناسبت خاماته البسيطة مع حياتهم العملية وكفاحهم اليومي.

ومع الوقت، تحوّل الدسمال من مجرد غطاء للرأس إلى وسيلة مقاومة ثقافية تعتز بها العامة كتاج يعبر عن الانتماء للأرض والكرامة بعيداً عن قيود "السلالة"، وتجاوز بعد إنشاء الجمهورية كونه رمزاً لفئة "الرعية"، وأصبح أيقونة وطنية جامعة. واليوم يستعيد الدسمال حضوره القوي في الحياة الاجتماعية بوصفه رمزاً لهوية يمنية ترفض الامتيازات الطبقية، وتؤكد قيم المساواة والوقار الحضاري لكل اليمنيين.

وفي السياق يرى الناقد الثقافي محمد عبدالرقيب نعمان، أن "الدسمال والمشدة في تعز والمناطق الوسطى أكثر من مجرد غطاء للرأس، إذ يمثلان رمزاً مكتسباً لقيم المقاومة والحرية، 

ويرتبط تاريخ الدسمال والمشدة الرشوان بذاكرة النضال ضدّ محاولات الطمس الثقافي، إذ تعود جذور هذه الرمزية إلى مطلع العهد العثماني حين صدر فرمان قضى بمنع ارتداء الدسمال التقليدي وفرض الطربوش التركي والشال الحلبي بدلاً منه، أسوة بما كان متبعاً في بلاد الشام. 

ورغم التزام اليمنيين ظاهرياً بتنفيذ القرار فهم أضفوا عليه بصمتهم الخاصة التي عكست روح التمرد والمقاومة، إذ لفوا الشال الحلبي فوق الطربوش بطريقة هندسية مبتكرة، ونتج عن ذلك ما يُعرف بالمشدة الرشوان التي استمرت إرثاً حياً حتّى اليوم"، 

ويضيف: "الدسمال المعروف أيضاً بالسلاطيني نسبة إلى سلاطين لحج عاد لاحقاً وتصدر المشهد مع انكسار هذه القيود، في حين حافظت المشدة الرشوان على حضورها الطاغي لدى عامة الناس باعتبارها أيقونة تؤكد الهوية والخصوصية الثقافية التي تميز أبناء اللواء التعزي الذي يمتد من زبيد إلى قعطبة".
 
ويُعد الدسمال من مظاهر جمال وزينة وهيبة الرجل، ما يدفع، وفق نظرة بعض كبار السن، إلى التبرك به وتحصينه من العيون، إذ يحرص البعض على وضع "المشقر" داخل لفة الدسمال، وهو في الوجدان اليمني أكثر من مجرد حزمة أغصان عطرية، ويتجاوز كونه زينة بصرية ليصبح أحد طقوس العلاج الروحي وتميمة تُعلّق لمواجهة الهواجس وطرد الأرواح الشريرة.

ويظل هذا المشهد المألوف في أرياف اليمن، خصوصاً في المناطق الوسطى وأهمها في محافظتَي تعز وإب، حاضراً في الذاكرة الجماعية، ووثقه الشاعر سعيد الشيباني أدبياً في كلمات أغنية "يا نجم يا سامر" التي غناها الفنان محمد مرشد ناجي، 

ويقول فيها: "الأخضري من العدين بكّر. مشدّته بيضاء ومشقره أخضر. فرحي أنا فرح الثمر بمبكر. فرح الشجر ساعة نزول الأمطار".

فخر العزب
صحافي يمني