خطوط التماس في تعز... حياة على بُعد أمتار من مرمى القناصة
لا تقتصر معاناة سكان تعز في جنوب غرب البلاد على الحصار والجوع وانعدام المياه والغلاء الفاحش، بل تحوّلت حياتهم إلى "مقامرة يومية" مع الموت وتعايشٍ قسري مع حالة "اللاسلم واللاحرب".
تحت وطأة الأزمات المعيشية وكلفة النزوح الباهظة، يجد الآلاف من سكان مدينة تعز، أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ؛
إما البقاء مشرّدين في بيوت الإيجار، أو العودة إلى منازلهم الواقعة على خطوط التماس.
في حي "صالة" شرقي المدينة، يجسّد علي سعيد نموذجاً لهذا الإصرار، إذ عاد لترميم أجزاء من منزله المتضرر بفعل المعارك بين الجيش اليمني وجماعة الحوثيين ، رغم استمرار خطر القناصة والقذائف العشوائية.
وتكشف هذه العودة حجم مأساة الأحياء التي تحوّلت إلى "مناطق تماس" دائمة، حيث يغطي السكان ثقوب الرصاص بالطلاء، ويسدّون فجوات القذائف بأكياس الرمل.
وخلف كل جدار يُرمَّم في هذه المناطق، تكمن قصة تعايش قسري مع الحرب؛ إذ تتحول النوافذ والشرفات إلى أماكن محظورة، والطوابق العلوية إلى مناطق معزولة،
في ظلّ استمرار حالة "اللاسلم واللاحرب" التي جعلت أجزاءً واسعة من مدينة تعز رهينة لفوهات البنادق، رغم الحديث عن انفراجات في طرق المدينة.
على ناصية يلفّها الحذر، يقف منزل علي سعيد شاهداً على جولات من القصف؛ إذ تحوّلت واجهته إلى خريطة من الندوب التي خلّفتها رصاصات القناصة وقذائف الهاون. الطابق العلوي الذي كان يوماً يضجّ بالحياة، غدا هيكلاً خاوياً،
بينما انكبّ هو على ترميم غرفتين في الطابق الأرضي.
يجلس علي سعيد متّكئاً على ما تبقّى من جدران المنزل، واضعاً حدّاً لسنوات التشرد والنزوح.
يقول عن دوافع هذه العودة المحفوفة بالمخاطر: "لقد ذلّنا النزوح وأكل لحمنا. الإيجارات في البلاد مرتفعة جداً، والبيوت التي استأجرناها لا هي بيوتنا ولا هي كرامتنا.
فلماذا أبقى غريباً وأنا أملك بيتاً؟ صحيح أنّ البيت تعرّض لتدمير جزئي ويحتاج إلى ترميم، وصحيح أنّ الرصاص والقذائف فوق رؤوسنا كل يوم، والقناص الحوثي لا يرحم، لكن جدران بيتي أستر لي".
ويضيف: "رمّمتُ ما استطعت، سدّدت فتحات الرصاص بالأسمنت، وعدتُ أعيش بكرامتي. الموت واحد؛ إن متنا فسنموت في بيوتنا، وإن عشنا فسنعيش بكرامتنا.
الحياة في خطوط التماس رعب وشقاء، لكن رائحة البيت وتعب العمر يساويان الدنيا كلها، ولا نريد إلا الأمان والستر".
في منزله الواقع بمنطقة "المطار القديم" في الجهة الغربية من تعز، حيث لا تفصل بين الحياة والموت سوى أمتار قليلة، يعيش المواطن عبد الملك هزاع مخاطر يومية، يصفها بأنّها "مزيج من القذائف العشوائية والتسللات الليلية" التي لم تتوقف طوال سنوات الحرب.
ورغم الخوف، يرفض عبد الملك هزاع مغادرة منزله، ليس فقط لحمايته من السرقة، بل لسبب أعمق يربطه بالمكان؛ إذ يفضّل البقاء قريباً من ذكرى ابنه الراحل، أنس، الذي كان يتابع علاجه في مركز الأمل لعلاج الأورام السرطانية القريب آنذاك.
ويقول بصوتٍ يملؤه الصبر: "فضّلت الاستمرار هنا رغم كلّ شيء".
اليوم، يرى عبد الملك هزاع تحسناً نسبياً بفضل وجود "المرابطين والعيون الساهرة" في المتاريس، ولكنّه لا يخفي مرارة العيش في أحياء يُطبق عليها الشقاء،
حيث يعاني السكان من انعدام المياه وجفاف الآبار، في ظل موجة غلاء فاحش طاولت حتى المياه، ما يضاعف مأساة السكان المحاصرين بين نيران الحرب وأزمات المعيشة.
حال علي سعيد وعبد الملك هزاع نموذج لتفاصيل حياة محفوفة بالخطر تعيشها مئات الأسر في مناطق التماس، حيث تقع مدينة تعز خلف خريطة معقدة من المتاريس والخنادق التي شطرتها إلى نصفين؛
إذ يسيطر الجيش الوطني على وسطها وجزئها الجنوبي، بينما تفرض جماعة الحوثيين حصارها على المداخل الشمالية الممتدة شرقاً وغرباً.
وبين هذه الأطراف، تشكلت "أحياء التماس" بوصفها خطَّ نارٍ يمتد من المطار القديم غرباً، مروراً بجبهات عصيفرة وشارع الأربعين والروضة وزيد الموشكي وحي الثورة وكلابة، وصولاً إلى حي الحوض وحي صالة في أقصى الشرق.
في هذه الأحياء التي باتت تُعرف بـ"مناطق الموت الساكن"، لم تعد الخريطة مجرد تقسيمات إدارية، بل حدوداً فاصلة بين الموت والنجاة؛ حيث يتقاسم القناصة الأسطح، وتستقر القذائف في غرف المعيشة، لتصبح حياة السكان شكلاً من المقاومة اليومية ضد النسيان.
ولا تقتصر معاناة السكان على الحصار والجوع، بل تحوّلت حياتهم إلى "مقامرة يومية" مع الموت؛ إذ لا تهدأ الاشتباكات المتقطعة التي تندلع من دون سابق إنذار، مخلّفةً حالة من الذعر المستمر.
وتتضاعف المخاطر مع محاولات التسلل الليلي التي تضع المدنيين في مرمى النيران، بالتوازي مع القذائف العشوائية التي لا تميّز بين موقع عسكري وغرفة نوم.
وتحت ظلال البنايات المدمَّرة، يتربّص القناصة بكل حركة، محوّلين الشوارع إلى "مصائد بشرية" حصدت أرواح مئات المدنيين. ففي هذه الأزقة، سقط قتلى وجرحى أثناء جمع الحطب أو جلب الماء، لتتحول إحصاءات الضحايا إلى سجل مفتوح من الألم الإنساني.
ولا تقف التحديات عند حدود الرصاص، بل تمتد إلى "معركة ترميم" شاقة يخوضها السكان بإمكانات محدودة؛ إذ تعرّضت معظم المنازل لتدمير جزئي،
فيما تحوّلت أخرى إلى ركام. وفي ظلّ الانهيار الاقتصادي وارتفاع أسعار مواد البناء، يعجز كثيرون عن إعادة الإعمار، بينما يتردّد العمال في دخول هذه المناطق خشية القنص، ما يجعل كلّ عملية ترميم مغامرة محفوفة بالمخاطر.
وتغدو الحياة في هذه الأحياء معلّقة بين غياب الخدمات وحضور الموت؛ فلا مياه تصل بانتظام، ولا كهرباء منذ أعوامٍ. غير أنّ الدافع الأكبر للعودة لا يقتصر على السكن، بل يشمل أيضاً الخوف من النهب أو الاستيلاء على المنازل من قبل مسلحين استغلوا خلوّها.
وباتت حماية ما تبقى من شقى العمر سبباً أساسيّاً يدفع السكان إلى المخاطرة، رغم استمرار سيطرة مسلحين على بعض المنازل ورفضهم إخلاءها، ما حوّل القضية إلى ملف معقد أمام الجهات القضائية والأمنية والسلطة المحلية، وسط مطالبات بإنهاء هذه الظاهرة.
من جهته، يرى مدير عام مديرية صالة بمحافظة تعز عارف اليوسفي، أنّ الظروف الاقتصادية القاسية التي خلّفتها سنوات الحرب والحصار تدفع السكان إلى العودة القسرية إلى منازلهم في خطوط التماس، رغم إدراكهم المخاطر.
ويوضح أنّ السلطة المحلية أنجزت إحصاءً للمنازل المتضررة، مع إعداد دراسات أولية لإعادة تأهيلها، مشيراً إلى ترميم 1950 منزلاً من أصل 5140، بدعم من منظمات دولية، وهو رقم مرشح للارتفاع مع استمرار الاحتياجات".
ويشيد اليوسفي بدور الفرق المتخصّصة بنزع الألغام بالتعاون مع البرنامج الوطني للتعامل مع الألغام في تطهير المناطق من مخلّفات الحرب.
ومع ذلك، تبقى المعاناة الإنسانية متفاقمة في ظل انهيار البنية التحتية، إذ تغيب الكهرباء الحكومية عن المدينة منذ نحو تسعة أعوام،
فيما لا تغطّي خدمات المياه أكثر من 20% من المنازل، وبصورة غير منتظمة، بسبب وقوع مصادر المياه ضمن نطاق سيطرة الحوثيين، ما يعمّق الفجوة بين الاحتياجات الأساسية والواقع الميداني الصعب".
هكذا تبقى أحياء التماس في تعز شاهداً حيّاً على مأساة يمنية مركّبة، حيث يجد المواطن نفسه وحيداً في مواجهة ثنائية القنص والفقر.
وبينما تستمر الوعود السياسية بفتح الطرقات وإنهاء الحصار، يواصل السكان حياكة تفاصيل حياتهم من وسط الركام، متمسكين بجدران منازلهم المنهكة بوصفها "آخر معاقل الكرامة" في مدينةٍ تعلّم أهلها كيف يغفون على أصوات القذائف ويستيقظون على أملٍ معلّقٍ بخطوة نحو سلامٍ حقيقيّ يُنهي غربتهم داخل بيوتهم.
فخر العزب
صحافي يمني