Logo

حاضنات تعز... الحصار يهدّد حياة الخُدَّج وحديثي الولادة

 تنذر إشكالية حاضنات الأطفال الخدّج وحديثي الولادة في تعز بأزمة إنسانية وشيكة، بسبب نقص الوقود والأوكسجين والأدوية والمستلزمات الطبية، نتيجة حصار الحوثيين والقيود المفروضة على حركة الإمدادات، بالتزامن مع تدهور القطاع الصحي، ومناشدات لإنقاذ حياة آلاف المرضى والأطفال.

لم يعد الخطر الذي يتهدّد الأطفال حديثي الولادة في مدينة تعز جنوب غربيّ اليمن مقتصراً على مضاعفات الولادة المبكرة أو الأمراض التي تستدعي وضعهم في الحاضنات الطبية، بل بات مرتبطاً أيضاً بقدرة المستشفيات على إبقاء هذه الحاضنات قيد التشغيل، في ظل شح الوقود والأوكسجين والمستلزمات الطبية، وصعوبة وصول الإمدادات إلى المدينة نتيجة الحصار الذي تفرضه جماعة الحوثيين، والذي تفاقم مع التصعيد العسكري الأخير.

كان عبد العليم عبد الله يسابق الزمن لإيصال مولودته الجديدة إلى المستشفى، متجاوزاً الصعوبات التي فرضها التصعيد العسكري وإطباق الحصار على تعز. لكنه، بعدما تمكن من إيصال الرضيعة إلى المستشفى، واجه صدمة أكبر، تمثلت بعدم توفر حاضنة شاغرة، بسبب نقص الأوكسجين وعدم توفر الوقود الكافي لتشغيل الأجهزة الطبية.
 
عاش عبد العليم لحظات عصيبة، قبل أن يحمل طفلته ويبحث لها عن خيار آخر، لا يعرف إن كان متاحاً أو لا. ولم تمضِ سوى ساعات حتى فارقت الرضيعة الحياة، لتنتهي معها أحلام والدها الذي انتظر ولادتها بشغف، ولم يتمكن من توفير الرعاية الطبية اللازمة لإنقاذها. 

يقول عبد العليم "كنتُ أرى طفلتي الرضيعة وأشعر أن روحي تسكنها، حاولت أن أفعل المستحيل لإنقاذها، لكنني عجزتُ عن فعل أي شيء، وحتى عن توفير الحاضنة. نعيش كارثة إنسانية حقيقية، والعالم يغضّ الطرف عن رؤية مأساة اليمنيين".
 
المستشفى اليمني السويدي... أزمة متفاقمة

وتختصر مأساة عبد العليم جانباً من الأزمة التي تواجهها وحدات حديثي الولادة والخدّج في مدينة تعز، إذ لم تعد المشكلة مقتصرة على نقص الأسرّة أو الأجهزة الطبية، بل امتدت إلى انعدام الإمكانات اللازمة لتشغيلها، بما يجعل حياة الأطفال المبتسرين (الخدج) رهينة توفر الوقود والأوكسجين والكهرباء والأدوية، في وقت تتراجع فيه قدرة المستشفيات على استقبال الحالات الجديدة وتقديم الرعاية للأطفال الموجودين لديها.

وتواجه وحدة حديثي الولادة والخدّج في المستشفى اليمني السويدي للأمومة والطفولة في مدينة تعز، أزمة متفاقمة تهدّد حياة الأطفال المبتسرين، نتيجة نقص الوقود والأوكسجين والأدوية والمحاليل الطبية، إلى جانب صعوبة وصول الأسر إلى المستشفى، وتحمّل تكاليف العلاج والتنقل، نتيجة الحصار الحوثي.

 وتكشف الأرقام الواردة من الوحدة تراجعاً حادّاً في قدرتها على تقديم الرعاية الطبية، إذ انخفض عدد الحاضنات العاملة من 40 إلى 10 فقط، 

فيما تراجع عدد الأطفال الذين تستقبلهم شهرياً من نحو 150 إلى 170 طفلاً قبل الحصار، إلى نحو 50 طفلاً في الوقت الحالي. 

كذلك انخفضت إيرادات الوحدة من نحو 60 مليون ريال يمني (نحو 254 ألف دولار أميركي بحسب سعر الصرف الرسمي، ونحو 39 ألف دولار بحسب سعر السوق في تعز) شهرياً إلى أقل من 15 مليون ريال (نحو 64 ألف دولار بحسب السعر الرسمي ونحو 9700 دولار بحسب سعر السوق في تعز)، في مؤشر على تراجع حجم الخدمات المقدمة وقدرتها على تغطية نفقاتها التشغيلية.

وكان المستشفى قد شهد في مايو/ أيار الماضي توسعة لقسم الحاضنات بدعم من وكالة التعاون والتنسيق التركية "تيكا"، شملت تزويده بعشر حاضنات جديدة، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 43 حاضنة. 

لكن وصول الأجهزة الجديدة لم يمنع تراجع عدد الحاضنات القادرة على العمل، إثر اشتداد أزمة الوقود والإمدادات. 

وتكشف هذه المفارقة أن توفير المعدات الطبية، على أهميته، لا يكفي لضمان استمرار الخدمات الصحية ما لم تتوفر متطلبات تشغيلها وصيانتها بصورة مستدامة.
 
إمكانات شحيحة

يقول عادل الرصاص، وهو أحد أفراد الطاقم الطبي في المستشفى اليمني السويدي "نعمل في ظلّ إمكانات شحيحة جداً تنعكس سلباً على الخدمات الطبية المقدمة.

 نحن لا نعاني من نقص الحاضنات بقدر ما نعاني من نقص وسائل تشغيلها، إذ نواجه نقصاً في الوقود والأوكسجين، وبسبب هذا النقص صار المستشفى مهدداً بالإغلاق". 

ولا تتعلق الأزمة بمجرد تعطل أجهزة يمكن إصلاحها لاحقاً، بل بخطر مباشر يهدّد حياة أطفال لا تستطيع أجسادهم الصغيرة تنظيم حرارتها أو التنفس بصورة طبيعية، ويحتاج بعضهم إلى مراقبة طبية متواصلة وتغذية وأوكسجين ورعاية متخصّصة.

 فالأطفال الخدّج، الذين يولدون قبل اكتمال نموهم، يكونون أكثر عرضة لمضاعفات صحية، من بينها عدم اكتمال نمو الرئتين وصعوبات التنفس، وعدم القدرة على تنظيم حرارة الجسم، فضلاً عن احتمالات الإصابة بالعدوى ومضاعفات أخرى.

لذلك، لا يمكن التعامل مع الحاضنة باعتبارها سريراً عادياً يمكن الاستعاضة عنه بسهولة، فهي جزء من منظومة علاجية متكاملة تتطلب إمداداً كهربائياً مستمراً، وأوكسجيناً وأدوية ومستلزمات طبية، إلى جانب متابعة الكادر الصحي على مدار الساعة. 

وفي ظلّ تقلص عدد الحاضنات العاملة في المستشفى اليمني السويدي إلى عشرة فقط، يصبح خطر تأخر استقبال الحالات الجديدة أكثر حضوراً، خصوصاً إذا استمر تدفق الأطفال المحتاجين إلى العناية المركزة، 

فيما يضاعف نقص الكوادر والمواد الطبية صعوبة تقديم الرعاية اللازمة للأطفال الموجودين بالفعل داخل القسم.

وفي ظلّ صعوبة إدخال المشتقات النفطية إلى مدينة تعز وارتفاع تكاليف نقلها، تواجه إدارات المستشفيات معضلة تأمين كميات كافية من الوقود لتشغيل المولدات. 

واستقر سعر غالون واحد سعة 20 ليتراً عند نحو 50 ألف ريال (32 دولاراً بحسب سعر السوق في تعز)، بعدما وصل في وقت سابق إلى 90 ألف ريال (الدولار يساوي 1550 ريالاً)، وهو ما يضاعف الأعباء التشغيلية على المرافق الصحية التي تعاني أصلاً من تراجع مواردها وشحّ المساعدات. 

وكانت إدارة المستشفى اليمني السويدي قد وجّهت في 26 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، مناشدات إلى الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية والدولية للتدخل العاجل، وتوفير الوقود والأدوية والمستلزمات الطبية 

 محذّرةً من أنّ استمرار النقص يهدّد بتوقف الحاضنات والخدمات المرتبطة بها. كذلك تبرز الحاجة إلى ضمان وصول الإمدادات عبر طرق آمنة، بعيداً عن التجاذبات العسكرية والقيود التي تعرقل حركة المدنيين والمساعدات الإنسانية.
 
خطر الإغلاق وتوقف الخدمات

و تحذّر وكيلة محافظة تعز للشؤون الصحية، إيلان عبد الحق، من "تداعيات الكارثة الإنسانية والصحية التي تهدّد حياة الآلاف من أبناء المحافظة 

مشيرةً إلى أنّ القدرة التشغيلية للمستشفيات والمنشآت الصحية شهدت تراجعاً حادّاً من جراء نقص الوقود والمستلزمات الطبية والأدوية، نتيجة الحصار الذي تفرضه جماعة الحوثيين". 

وتوضح أنّ "أكثر من 20 منشأة صحية توقفت بالفعل عن العمل بشكل كامل، فيما تواجه بقية المستشفيات والمرافق الطبية خطر الإغلاق والتوقف المتتالي خلال الأيام القليلة المقبلة، إذا لم يجرِ تدارك الأزمة بصورة عاجلة".

وتضيف عبد الحق أنّ "الخطر الأكبر يتركز حالياً في أقسام حاضنات الأطفال الخدّج وحديثي الولادة، بالإضافة إلى مرضى الفشل الكلوي وأسرّة أقسام العناية المركزة 

مؤكدةً أنّ استمرار توقف الخدمات أو انقطاع الوقود عن هذه الأقسام الحيوية يعني، وفق تعبيرها، "الوفاة الحتمية للمرضى والأطفال الذين تعتمد حياتهم على بقاء الأجهزة الطبية قيد التشغيل".

وحول المعالجات والبدائل المطروحة لمواجهة النقص، تلفت عبد الحق إلى أنّ "السلطات تلجأ إلى توفير الحاجات الأساسية عبر الشراء من السوق المحلي، إلا أنّ هذا الخيار يواجه صعوبات بالغة بسبب الارتفاع الكبير في الأسعار، في ظلّ الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة". 

وإذ تدعو وكيلة المحافظة إلى تحرك دولي عاجل، تطالب الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بممارسة ضغوط جادّة وفاعلة على جماعة الحوثيين للسماح الفوري بمرور شحنات الأدوية والوقود المخصّص للمستشفيات، وتخفيف القيود المفروضة على حركة الإمدادات، لإنقاذ حياة آلاف المرضى والأطفال في تعز".
 
تدهور القطاع الصحي

وتتزامن أزمة الحاضنات مع تدهور أوسع في القطاع الصحي بمحافظة تعز، حذّر منه المحافظ نبيل شمسان، مشيراً إلى تهديدات تواجه استمرار الخدمات في 12 مستشفى و18 مركزاً صحياً، إلى جانب توقف 120 مرفقاً صحياً كلياً و66 مرفقاً جزئياً في المديريات التي سيطرت عليها جماعة الحوثيين. 

وكان شمسان قد قال، في إحاطة صحافية في 28 أكتوبر الماضي، إنّ المخزون المُتاح من أدوية الطوارئ والمستلزمات الطبية تراجع إلى 30%، والمحروقات إلى 5%، فيما انخفض مخزون الأوكسجين إلى 2%، وهي مؤشرات تعكس حجم الضغوط التي تواجه المرافق الصحية وقدرتها على مواصلة تقديم خدماتها.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة بالنسبة إلى وحدات الخدّج وحديثي الولادة، التي تعتمد على الأوكسجين والطاقة والمستلزمات الطبية بصورة مستمرة، ولا تستطيع الاستغناء عنها من دون تعريض حياة الأطفال لمخاطر جسيمة. 

كذلك إنّ انخفاض مخزون الوقود إلى هذه المستويات يهدّد بتعطل المولدات الكهربائية، وبالتالي توقف الأجهزة الطبية التي لا تحتمل انقطاع التيار، ولو لفترات قصيرة.

و ينبّه المسؤول الإعلامي في مكتب الصحة بمحافظة تعز، تيسير السامعي، إلى خطورة الأوضاع الصحية المتدهورة في المدينة، معتبراً أنها بلغت مرحلة "كارثية وسيئة جدّاً". 

ويؤكد أنّ مستشفيات مدينة تعز تواجه ضغوطاً هائلة وغير مسبوقة، في وقت تعمل فيه بالحد الأدنى من طاقتها التشغيلية 

 مشيراً إلى أنّ "تداعيات الحرب والحصار المستمر، إلى جانب وجود أعداد كبيرة من الجرحى والمصابين ومرضى الفشل الكلوي وأصحاب الأمراض المزمنة، زادت من الأعباء الواقعة على المنشآت الطبية".
 
وفي مناشدة مرتبطة بأزمة الإمدادات، حذّر مكتب الصحة العامة والسكان في تعز، منتصف أكتوبر الماضي، من أنّ استمرار انقطاع الحاجات الحيوية يهدّد حياة 1,110 مرضى بالفشل الكلوي، يتلقون 210 جلسات غسل كلى يومياً، إضافة إلى 192 مريضاً في أقسام العناية المركزة، و154 مولوداً يتلقون الرعاية داخل الحاضنات. 

وتوضح هذه الأرقام أنّ تداعيات الأزمة لا تقتصر على المواليد الخدّج، بل تطاول شرائح واسعة من المرضى الذين تعتمد حياتهم على استمرار الخدمات الطبية وعدم انقطاع الأجهزة والمستلزمات اللازمة للعلاج.

وتأتي هذه التطورات في سياق تصاعد المواجهات العسكرية وإغلاق الطرق الرئيسية، مثل طريق تعز-عدن منذ الثالث من أكتوبر الماضي، ما أطال زمن نقل الإمدادات وضاعف تكاليفها، لتعود الأزمة بصورة أكثر خطورة؛ إذ انتقلت قيود الحركة لتطاول أقساماً لا تحتمل التوقف مثل العناية المركزة وغسل الكلى وحاضنات الأطفال. 

ومع تراجع المخزون الطبي والوقود، صارت المستشفيات أمام خيارات معدومة، فضلاً عن عجز الأسر الفقيرة عن تحمّل تكاليف العلاج أو البحث عن بدائل خارج المدينة. 

وبينما تتواصل المناشدات لفتح الطرق وضمان تدفق الإمدادات، تبقى حياة الخدّج معلّقة بقدرة المرافق الصحية على تشغيل حاضناتهم؛ 

فبالنسبة إلى هؤلاء الأطفال، لا يعني توقف الأجهزة مجرد عطل تقني، بل فقدان فرصة الحياة قبل أن تبدأ.

فخر العزب
صحافي يمني