هل تحفز أزمة المضائق مسار التعافي للاقتصاد السوري؟
تعيد اضطرابات الممرات البحرية خلط حسابات التجارة والطاقة عالمياً، مع تصاعد المخاوف بشأن أمن الإمدادات وارتفاع كلفة النقل، ما يدفع الدول والشركات إلى تسريع البحث عن بدائل أكثر استقراراً بعيداً عن نقاط الاختناق التقليدية.
وتدخل سوريا مجدداً هذا النقاش الاقتصادي، مستفيدة من موقعها الرابط بين الخليج والبحر المتوسط.
كما يأتي ذلك وسط مؤشرات على عودة النشاط اللوجستي في المرافئ السورية، وتحركات خليجية واستثمارية تعزز فرضية تحوّلها إلى عقدة عبور إقليمية إذا توافرت البيئة التشغيلية والاستقرار اللازم.
شبكة الربط
وتفرض أزمة المضائق مراجعة أوسع لمسارات الطاقة والتجارة، ما يفتح نافذة جديدة أمام الجغرافيا السورية.
وتزايدت أهمية المسارات البرية والبدائل اللوجستية مع تعرض أسواق الطاقة الأوروبية لضغوط حادة، بالتزامن مع ارتفاع خام برنت بنحو 5% إلى 117 دولاراً للبرميل، في ظل التوترات الإقليمية التي تهدد خطوط الإمداد الحيوية.
ووفق ما ذكرت قناة "الإخبارية" السورية، في 29 أبريل 2026، جرى تصدير 246 سيارة قادمة من الإمارات إلى دول أوروبية عبر مرفأ اللاذقية، في أول عملية من نوعها منذ سنوات، ضمن خطوة تعكس عودة النشاط التجاري إلى المرافئ السورية.
كما أفادت القناة بأن شحنات إضافية تقدر بنحو 600 سيارة يُنتظر تصديرها تباعاً خلال الفترة المقبلة، في مؤشر على تنامي دور المرفأ في عمليات إعادة التصدير والربط التجاري.
يأتي ذلك بعد إعلان مجموعة موانئ أبوظبي، في نوفمبر 2025، الاستحواذ على حصة 20% في مرفأ اللاذقية مقابل 22 مليون دولار، بالشراكة مع مجموعة "سي إم إيه سي جي إم" الفرنسية، فيما وقعت الأخيرة عقداً لتطوير وتشغيل المرفأ بقيمة 230 مليون يورو (نحو 248 مليون دولار) لمدة 30 عاماً.
وخلال الأشهر الماضية، شهد المرفأ نشاطاً متزايداً في عمليات الاستيراد شمل القمح والسيارات والمعدات الصناعية، بالتوازي مع إعادة تقييم شركات الشحن الدولية عملياتها بعد تخفيف بعض القيود والعقوبات، ما يعزز احتمالات تحسن الربط التجاري مع الأسواق الإقليمية والدولية.
رافعة اقتصادية
ولا يقتصر الطرح على المرافئ، بل يمتد إلى مشاريع نقل وطاقة قد تعيد تموضع سوريا إقليمياً، إذ طرحت حزمة مشاريع استراتيجية لربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا،
تشمل قطار الخليج-المتوسط السريع، وإحياء خط الحجاز، وخطوط نقل الطاقة، وإعادة تأهيل خط كركوك-بانياس، إلى جانب ممر للأمن الغذائي.
وفي ملف الغاز، أعيد طرح مشروع نقل الغاز القطري عبر سوريا إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، باستثمارات تقدّر بين 10 و15 مليار دولار، في وقت تسعى فيه أوروبا إلى تنويع مصادرها وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي.
ورغم هذه الطروحات، تبقى تحديات التمويل والاستقرار الأمني والزمن التنفيذي من أبرز العقبات، إذ قدّرت التقارير الكلفة الإجمالية للمشاريع المطروحة بين 45 و95 مليار دولار إذا نُفذت ضمن منظومة متكاملة.
وتتطلب الاستفادة من الجغرافيا السورية في نقل التجارة والطاقة مسارين، كما يرى كما الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي؛ فبينما تحتاج التجارة البرية إلى زمن لإعادة تهيئة الطرق والموانئ، فإن نقل الطاقة يستوجب بناء خط أنابيب استراتيجي يربط الخليج بأوروبا عبر الأردن وسوريا وتركيا.
وأضاف :
- المسارات البرية سواء للطرق أو أنابيب النفط، تُعد الخيار الأضمن والأكثر استقراراً مقارنة بالخطوط البحرية التي تتعرض لمخاطر الاعتراض والتخريب في المياه الإقليمية، حيث تضمن كل دولة تأمين وحماية المساحة الجغرافية التي تمر عبر أراضيها.
- تنفيذ مثل هذه المشاريع الضخمة يعتمد على تحمل كل دولة تكاليف الميزانية ضمن حدودها، مع إمكانية تقديم مساعدات دولية لسوريا لبناء خطوط الربط نحو تركيا وأوروبا.
- المشروع ذو جدوى اقتصادية عالية، وكان قد طُرح سابقاً لكنه واجه عوائق سياسية.
- أهمية الجغرافيا السورية كمركز تجاري وحيوي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، هي حقيقة تاريخية ممتدة منذ عصر طريق الحرير.
- إلا أن استثمار هذه المكانة كرافعة حقيقية للاقتصاد، يتوقف على طبيعة الإدارة السياسية والبيئة التشغيلية المستقرة.
- الموقع السوري ليس مجرد خيار اضطراري ناتج عن الأزمات الراهنة، بل هو مرتكز أصيل في سلاسل الإمداد الدولية.
- هذا الأمر يمنح البلاد فرصة لاستعادة دورها المحوري كحلقة وصل عالمية في حال توفرت الظروف الملائمة لإعادة بناء البنية التحتية.