اليمن: "اقتصاد التحويلات" تحت مقصلة الحرب على إيران
يترقب اليمنيون مسار التحركات الدبلوماسية الراهنة والمفاوضات بين أميركا وإيران التي تشرف عليها باكستان، وسط قلق بالغ من فشل الهدنة وعودة الحرب التي تستمر تبعاتها بالتمدد في المنطقة، مع إغلاق مضيق هرمز، وتأثير كل ذلك على دول الخليج التي تراجعت صادراتها وإنتاجيتها النفطية، خاصةً السعودية التي تحتضن العدد الأكبر من الأيدي العاملة اليمنية.
وتشير التوقعات إلى أنّ فشل الهدنة وعودة الحرب أو استمرار الوضع الراهن دون حل، ستلقي بتأثيرات صادمة على أهم مورد للأسر والاقتصاد اليمني، وخط الإمداد الرئيسي الذي يموّل الواردات الغذائية والسلعية، حيث زادت المخاوف من انعكاس التراجع المرتقب للتحويلات على الأسواق التجارية، وركود الأعمال والأنشطة الاقتصادية، حسب محللي اقتصاد.
ويقدر البنك الدولي تحويلات المغتربين اليمنيين بنحو أربعة مليارات دولار سنوياً، في حين تشير تقارير اقتصادية إلى أن حجم هذه التحويلات التي تتم بشكل غير رسمي تتجاوز أكثر من سبعة مليارات دولار.
ويقول الخبير الاقتصادي ورئيس قسم العلوم المالية والمصرفية بجامعة حضرموت محمد الكسادي ، إنّ تأثيرات الحرب شديدة الخطورة ستتركز في تحويلات المغتربين، إذ تصل إلى نحو سبعة مليارات دولار، وهو مبلغ يغطي فجوة كبيرة في فاتورة الاستيراد،
مشيراً إلى أنّ هذه التحويلات ستتناقص، ما سيؤدي إلى توسيع الفجوة التي في ظل الوضع المالي الراهن للبلد سيكون هناك صعوبة بالغة في تغطيتها.
كما يتحدث الكسادي عن أنّ تأثير الحرب على تحويلات المغتربين بدأ بالظهور من خلال الحركة في الأسواق، وفي المطاعم والمتاجر، وقطاع البناء والتشييد.
وحسب تتبع لخريطة تحويلات المغتربين اليمنيين في الخارج، واستناداً لتطورات حرب إيران وتبعاتها في المنطقة، وتقارير رسمية، واستنتاجات خبراء اقتصاد؛ تعتبر دول الخليج العربية أهم الدول المصدرة لتحويلات المغتربين إلى اليمن بنسبة تُقدر بحوالي 90% من إجمالي التحويلات،
حيث تأتي تحويلات العاملين اليمنيين من السعودية في المرتبة الأولى بنسبة 68% من إجمالي تحويلات المغتربين اليمنيين في الخارج.
ويؤكد رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي (منظمة أهلية)، مصطفى نصر، عدم وجود معلومات رسمية توضح حجم ونسبة التراجع، لكن وفق تقديره، لم يحدث خلال الفترة الماضية أيّ تأثير قد يكون ملموساً، لأن تداعيات الأزمة ما تزال في بدايتها،
إضافة إلى أنّ التأثير على السوق السعودي الذي يضم العدد الأكبر من العمالة اليمنية ليس بالشكل الكبير، إذ يرجع ذلك إلى استخدام السعودية خط التصدير البديل عبر ميناء ينبع، وعوضها فارق السعر عن حجم الكمية المصدرة أو المباعة.
ووفق نصر فإنّ التأثير على تحويلات المغتربين اليمنيين لا يزال بسيطاً حتى الآن، حيث تشير التقديرات الرسمية إلى أنّ حجم هذه التحويلات يصل إلى نحو أربعة مليارات دولار،
وفي تقديرات غير رسمية تشير إلى أنها تصل إلى نحو سبعة مليارات دولار، لأن جزءاً كبيراً من هذه التحويلات يتم بطريقة غير رسمية.
ومع ذلك، يؤكد نصر أنّ مستوى التأثير سيعتمد على فترة طول الحرب والأزمة، ومستوى تأثيرها على دول الخليج، لا سيما السعودية، موضحاً أنّ هناك تداعيات وتبعات، لكنها ليست بذلك المستوى الذي يجعل تأثيراتها على التحويلات يبدو ظاهراً حالياً.
وبالرغم من عدم وجود أيّ أرقام معلنة لنسبة التراجع في حجم ومستوى تحويلات المغتربين اليمنيين، إلا أن المؤشرات تؤكد أنّ التراجع حتمي، بالنظر إلى العامل الأهم المؤثر على التحويلات، والمتمثل بانخفاض إنتاج نفط الخليج 57%،
وضغط ذلك على ميزانيات الخليج، وتقليص المشاريع، وهو الأمر الذي سينتج عنه تسريح عمالة، وتوطين وظائف، وتسريح مباشر لآلاف من الأيدي العاملة، حسب نصر.
ويعمل في السعودية أكثر من مليوني يمني، حيث تشير التوقعات إلى أنّ تبعات حرب إيران ستؤدي إلى انعكاسات سلبية عليهم، وفق نصر.
من جانبه، يقول أستاذ الاقتصاد المالي بجامعة عدن، خلدون الدوش، نقف اليوم أمام منعطف هو الأكثر خطورة في التاريخ الاقتصادي اليمني الحديث، فالسؤال لم يعد عن النمو أو الانتعاش، بل عن قدرة شريان الحياة الوحيد المتبقي، تحويلات المغتربين، على الصمود في وجه عاصفة إقليمية لا تبقي ولا تذر.
ويضيف أنّ الهجمات على البنى التحتية الخليجية الحيوية وتهديد الملاحة في مضيق هرمز تضرب صميم الناتج المحلي غير النفطي، وهو المحرك الأساسي لفرص عمل اليمنيين، حيث تُظهر التوقعات أنّ كل انخفاض بنسبة 1% في هذا الناتج، تتراجع تحويلاتنا بنسبة تصل إلى 0.75%.
ويتطرق إلى أنّ انهيار العملة المحلية وتجاوز التضخم 35% يعنيان أنّ قيمة الحوالة في حالة الشراء أقل بكثير، بل إن ما يصل إلى 40% من قيمتها يقتطع قسراً في مناطق الحوثيين بسبب فوارق أسعار الصرف الجائرة.
ويختتم الدوش تصريحه، بالقول: "أصبح اقتصاد اليمن عبارة عن "اقتصاد تحويلات المغتربين". وما لم نبدأ فوراً بكسر هذه الحلقة القاتلة عبر بناء قاعدة إنتاجية وطنية حقيقية، فستبقى البلاد رهينة كل اضطراب جيوسياسي في المنطقة الأكثر تقلباً في العالم".
محمد راجح