الخليج يدخل عصر "اقتصاد الحرب": التسليح يستنزف أموال النفط
مع استمرار التوتر الجيوسياسي دخلت منطقة الخليج العربي مرحلة مفصلية غير مسبوقة في تاريخها الاقتصادي، حيث لم تعد الفوائض النفطية الناتجة عن بلوغ أسعار الخام مستويات قياسية تمثل أداة للرفاهية المطلقة أو وقوداً لمشاريع كبرى مستقبلية فحسب،
بل تحولت إلى "حزام أمان" مالي لمواجهة تداعيات الحرب الشاملة التي اندلعت في فبراير/ شباط الماضي، وأدت إلى إغلاق مضيق هرمز، ما سلط الضوء على استنزاف الميزانيات المخصصة للتنمية وتوجيهها إلى الإنفاق الدفاعي.
وتحولت صناديق الثروة السيادية الخليجية، التي تدير أصولاً تبلغ قيمتها نحو ستة تريليونات دولار، إلى "مصدات طوارئ" لتمويل احتياجات دفاعية ملحة نتيجة التصعيد العسكري في المنطقة،
ما يعرض الميزانيات الخليجية لضغوط حادة في ظل تعطيل صادرات الطاقة والسياحة، ودفع المؤسسات الدولية مثل وكالة موديز إلى خفض نظرتها المستقبلية لبعض الدول كالبحرين إلى "سلبية".
في الداخل السعودي، يظهر التحول في "عقيدة الاستثمار" السيادي بشكل جلي من خلال إعادة توجيه الفوائض النفطية الناتجة عن بلوغ أسعار خام برنت مستويات قياسية تجاوزت 126 دولاراً للبرميل نتيجة إغلاق مضيق هرمز، إلى صفقات التسلح، بحسب ما أورد تقرير نشرته "بلومبيرغ" مطلع مايو/ أيار الجاري.
وبحسب التقرير ذاته، فإن الرياض حققت مكاسب من "علاوة المخاطر" لقدرتها على التصدير عبر البحر الأحمر، إلا أن هذه المكاسب يتم امتصاصها سريعاً لتمويل العجز الذي تفاقم ليصل إلى 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي،
وقد سجلت التقديرات نمواً في متطلبات الاقتراض الحكومي الصافية للمنطقة من 1.7 مليار دولار أسبوعياً إلى 3.5 مليارات دولار،
مما دفع صندوق الاستثمارات العامة السعودي إلى تبني استراتيجية "80/20" التي تركز 80% من النفقات على الداخل، مع تقليص الطموحات الخارجية لضمان تمويل الصناعات العسكرية المحلية وحماية البنية التحتية الحيوية.
أما الإمارات، فقد اتخذت خطوة وصفت بأنها "زلزال اقتصادي" بإعلان انسحابها من منظمة أوبك (OPEC) في الأول من مايو الجاري، وهو قرار مدفوع بالحاجة الماسة إلى زيادة الإنتاج وتسييل الموارد لتمويل التكاليف الباهظة للدفاع وإعادة الإعمار،
وتوضح البيانات الرسمية أن الفائض المالي الإماراتي الذي كان يقدر بنحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب قد تلاشى تماماً، ما أجبر الدولة على إعادة تقييم استثماراتها الخارجية الضخمة.
وبحسب وزارة الخارجية الأميركية، يوم 2 مايو الجاري، تمت الموافقة على مبيعات عسكرية بقيمة إجمالية تزيد على 8.6 مليارات دولار لحلفاء في الشرق الأوسط منها قطر والكويت والإمارات.
ويشير هذا التوجه إلى أن دول الخليج باتت تعطي الأولوية لـ "السيادة التمويلية" لمواجهة التهديدات المباشرة التي طاولت منشآت حيوية ومحطات تحلية المياه، حيث لم يعد الإنفاق الدفاعي مجرد بند في الميزانية، بل أصبح ضرورة لحماية نموذج التنمية الذي استغرق بناؤه عقوداً، بحسب ما أورد تقرير نشرته صحيفة فاينانشال تايمز في مطلع مايو الجاري.
وتتجلى "ميزانية الحرب" في الصفقات الطارئة التي استنزفت السيولة، مثل صفقة صواريخ باتريوت السعودية بقيمة تسعة مليارات دولار، والطلبيات الطارئة من موردين غير تقليديين ككوريا الجنوبية وتركيا لسد الفجوات الدفاعية،
وانعكس هذا الضغط المالي بوضوح على مشاريع التنويع الاقتصادي والترفيهي؛ حيث أعلن صندوق الاستثمارات العامة السعودي توجهه إلى إنهاء تمويل دوري ليف غولف (LIV Golf) بنهاية عام 2026، بعد استثمارات تجاوزت خمسة مليارات دولار.
ويمثل هذا الانسحاب "تقشفاً استراتيجياً" يهدف إلى توفير ميزانيات ضخمة كانت تضخ في القوة الناعمة والرياضة، وتحويلها إلى متطلبات الأمن القومي التي أصبحت تستهلك حصصاً متزايدة من أصول الصناديق السيادية الخليجية، بحسب تقدير نشرته مجلة يوروبيان بيزنس في 2 مايو الجاري.
دلالة الاستنزاف المالي
وتذهب دلالة هذا الاستنزاف المالي إلى ما هو أبعد من مجرد أرقام محاسبية؛ فهي تمثل "نهاية سردية" الاستقرار المطلق في الخليج وبداية عصر "اقتصاد الحرب"، بحسب ما أورد تقرير نشرته "ستراتفور/وورلد فيو" (Stratfor/Worldview)، المعنية بالتحليلات الجيوسياسية والأمنية، في 1 مايو الجاري،
مبيناً أن "التحول الحالي يؤشر إلى أن دول الخليج بدأت ببناء "استقلال استراتيجي" يتضمن توطين الصناعات الدفاعية بنسب تستهدف تجاوز 50% بحلول عام 2030، لتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الغربية التي أثبتت الحرب بطء استجابتها".
ويعني هذا "الانعطاف نحو الداخل" أن وتيرة مشاريع "الرؤى المستقبلية" ستتباطأ بالضرورة، حيث يتم اقتطاع نسب تراوح بين 25% إلى 40% من التدفقات النقدية الجديدة للصناديق السيادية لتمويل الدفاع وحماية الأمن الغذائي والمائي، ما يعيد تعريف التنويع الاقتصادي من كونه رحلة نحو الرفاهية إلى درع للصمود أمام الهزات الجيوسياسية، بحسب التقرير ذاته.
إعادة تموضع اقتصادي
وفي هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي، حسام عايش ، إلى أن إجمالي الإنفاق الدفاعي لدول الخليج يقترب من 117 إلى 120 مليار دولار سنوياً،
ما يضعها ضمن أعلى الدول بالإنفاق العسكري عالمياً، وقد يتصاعد هذا الرقم ليتنافس على المراكز الأولى عالمياً بسبب الحرب وتداعياتها، مع تصدر السعودية، تليها الإمارات وقطر، حجم الإنفاق.
ولا يعكس هذا الإنفاق توسعاً عسكرياً فحسب، بل إعادة تموضع اقتصادي تحت ضغط المخاطر الجيوسياسية، حيث يعمل الإنفاق الدفاعي بوصفه تأميناً للاقتصاد،
غير أن كلفة الفرصة البديلة لهذا التوجه تعني موارد أقل للمشاريع التنموية وتأجيلاً أو إبطاء للاستثمارات الإنتاجية، ما يؤدي، بحسب عايش، إلى تباطؤ نسبي في وتيرة التحول الاقتصادي إذا طال أمد تداعيات الحرب.
ومن شأن الاعتماد على توسيع الاستيراد العسكري أن يؤدي إلى تسرب مالي للخارج، بحسب توصيف عايش، بينما يمثل توطين الصناعات الدفاعية فرصة لخلق وظائف نوعية ونقل التكنولوجيا وبناء سلاسل قيمة محلية،
غير أن فشل هذا التوطين يعني استمرار استنزاف الموازنات الخليجية.
ورغم قدرة الفوائض النفطية والصناديق السيادية على تمويل الدفاع من دون انهيار مالي في دول الخليج، يتطلب الجمع بين الأمن والتنمية إعادة جدولة للأولويات، بحسب ما يرى عايش.
ويخلص الخبير الاقتصادي إلى أن منطقة الخليج تشهد دخولاً في سباق تسلح إقليمي كبير يشمل التقنيات العسكرية والذكاء الاصطناعي الأمني،
وهو سباق غالباً ما يكون مكلفاً ومستنزفاً لثروات كان من المفترض توجيهها للتنمية والاحتياجات المجتمعية، ما يعني أن المفاضلة بين الأمن والتنمية ستميل نحو زيادة الإنفاق الدفاعي على حساب وتيرة التنويع الاقتصادي.
الحاجة الملحة إلى السيولة
وفي السياق، يشير الخبير المختص بالاقتصاد السياسي، زيان زوانة، إلى أن إيرادات الدول العربية الخليجية تأثرت بشكل فعلي منذ بدء الحرب نتيجة انقطاع صادراتها من النفط والغاز والسلع الأخرى،
ما رفع حاجتها الملحة إلى السيولة بالدولار لتمويل مستورداتها والوفاء بالتزاماتها الدفاعية الطارئة،
وهذا الموضع يشكل ضغطاً متزايداً على ميزانيات تلك الدول، خاصة مع استمرار إغلاق مضيق هرمز وفرض الحصار الأميركي.
كما أن الالتزامات المالية الإضافية الناتجة عن إصلاح الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الاقتصادية تضيف أعباء إضافية، بحسب زوانة، حيث لم تستفد دول الخليج عملياً من ارتفاع أسعار النفط والغاز بسبب تعذر التصدير، ما زاد من الضغوط على خزائنها العامة.
ويلفت زوانة، في هذا الصدد، إلى تصريح للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن طلب بعض الدول الخليجية عقد "اتفاقيات تبادل عملات" مع الولايات المتحدة، وهي طلبات تخضع حالياً للدراسة، في محاولة لتخفيف أزمة السيولة وضمان استقرار التدفقات المالية في ظل الظروف الراهنة.
ولا تقتصر المعاناة على الدول الخليجية أو العربية، بحسب تقدير زوانة، بل تمتد لتشمل معظم دول العالم بدرجات متفاوتة بحسب طبيعة اقتصاداتها، حيث تعاني الدول المستوردة للنفط والهشة مثل بنغلادش،
وكذلك الدول ذات الميزانيات المعقولة، وحتى الاقتصادات الكبرى مثل فرنسا وألمانيا، ما يعكس شمولية الأزمة وتأثيرها المتباين.
ويخلص زوانة إلى أن الوضع يزداد تعقيداً مع وقف إطلاق النار وغموض الموقف الكلي، ما يترك تبعات عميقة على خزائن دول الخليج، ويعيد تشكيل هيكل العلاقات الدولية وتحالفاتها، إذ إن العالم ما بعد الحرب لن يكون كما كان قبله على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.