ملتقى مرتقب.. ما دلالات اهتمام الإمارات بالاستثمار في سوريا؟
يمثل ملتقى الأعمال السوري الإماراتي الأول والمرتقب عقده في دمشق، نقطة تحول في الحضور الإماراتي الاقتصادي داخل سوريا.
إذ تشكل الإمارات بوابة اقتصادية مهمة لسوريا، حيث يمكنها أن تسهم في إعادة الإعمار وتعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية.
وترغب الإمارات في أداء دور مؤثر في مستقبل سوريا ودعم استقرارها، كجزء من استراتيجيتها لاستقرار الإقليم ككل.
كما أن الحراك الإماراتي تجاه سوريا الجديدة يعكس رغبة إماراتية في تعزيز نفوذها والتقارب معها، لا سيما في الملف الاقتصادي وإعادة الإعمار.
ملتقى مهم
وفي زيارةٍ هي الأبرز ضمن مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حط محمد العبار، مؤسس "إعمار العقارية" ورئيس مجلس إدارة "إيجل هيلز"، في دمشق على رأس وفدٍ من رجال الأعمال الإماراتيين، حيث التقى الرئيس السوري أحمد الشرع.
وجرى خلال اللقاء استعراض الفرص الاستثمارية والتطويرية المتاحة في سوريا، في مقدمتها قطاع التطوير العقاري، بما يسهم في دعم مسيرة التنمية الاقتصادية.
هذا الحضور الشخصي بدلاً من إيفاد فرقٍ فنية كما جرت العادة في مرحلة الاستكشاف، يشير إلى انتقال ملف الاستثمار الإماراتي في سوريا من خانة الفرص قيد الدراسة إلى خانة الصفقات قيد التفاوض.
واستقبل رئيس هيئة الاستثمار السورية، طلال الهلالي، الوفد الإماراتي في دمشق، وأعلن عبر منصة "إكس" أن الزيارة تستهدف "استكشاف فرص الاستثمار والمشاركة في المنتدى السوري–الإماراتي الأول".
وبحسب موقع "اقتصاد الشرق" السعودي تدرس شركة "إيجل هيلز" إطلاق مشروعَين في سوريا بكلفة تطويرية إجمالية تتجاوز 50 مليار دولار.
المشروع الأول يقع في دمشق على مساحة 33 مليون متر مربع، ضمن مخططٍ متعدد الاستخدامات يشمل وحداتٍ سكنية وفندقية وتجارية.
كما تُشير التقديرات الأولية إلى مساهمةٍ تراكمية في الناتج المحلي تتجاوز 63 مليار دولار، مع تدفقاتٍ نقدية أجنبية تقارب 25 مليار دولار، واستثمارٍ أجنبي مباشر بنحو 20 مليار دولار، وأثرٍ غير مباشر بـ25 مليار دولار على القطاعات المرتبطة وهي الطيران، واللوجستيات، والضيافة، والتعليم، والصحة.
أما المشروع الثاني فيقع في اللاذقية على 15 مليون متر مربع، ويتضمّن أكثر من 29 ألف وحدة سكنية، و2800 غرفة فندقية، و5.5 مليون متر مربع من المرافق العامة، وشبكة طرق بطول 90–150 كيلومتراً.
كما يُتوقَّع أن يضيف نحو 18 مليار دولار إلى الناتج المحلي على مدى عشر سنوات، بإيراداتٍ سياحية سنوية تتجاوز 550 مليون دولار.
كلا المشروعين لا يزال في مرحلة العروض الأولية، لكن حضور العبّار يرفع احتمال انتقالهما إلى الإطار التعاقدي خلال الأشهر المقبلة.
الحضور الإماراتي
وكانت شركة "إعمار" قد أعلنت، في 2005، عن خطط استثمارية في سوريا شملت مشروع "تلال دمشق"، ومشاريع تطوير عقاري أخرى لاحقاً بمليارات الدولارات، من بينها "البوابة الثامنة"، قبل أن تتوقف بعد الثورة التي شهدتها البلاد بعد عام 2011.
غير أن ملف "البوابة الثامنة" عاد إلى الواجهة مجدداً نهاية أبريل الماضي، بعدما وقعت المؤسسة العامة للإسكان في سوريا ملحق عقد للمشروع مع شركة "إعمار"، بالشراكة مع مجموعة "الاستثمار لما وراء البحار" التي تتخذ من الإمارات مقراً لها، وفق وكالة الأنباء السورية "سانا".
يقع المشروع في منطقة يعفور بريف دمشق على مساحة تقارب 300 ألف متر مربع، ويضم مركزاً تجارياً تزيد مساحته على 200 ألف متر مربع، وأكثر من 250 منفذاً تجارياً، إضافة إلى وحدات سكنية وفندقية تشمل نحو 600 شقة و200 غرفة فندقية من فئة الخمس نجوم، إلى جانب مكاتب ومرافق خدمية وترفيهية.
وسبق أن دشنت الإمارات حضورها الاستثماري في سوريا، حيث حصلت "موانئ دبي العالمية"، في يوليو 2025، على عقد امتيازٍ لمدة 30 عاماً لتشغيل ميناء طرطوس بقيمة 800 مليون دولار، مع مذكرة تفاهم أولية وُقّعت في مايو من العام نفسه.
الاتفاقية شملت تطوير محطة حاويات متعددة الأغراض، إلى جانب التعاون في إنشاء مناطق صناعية حرة وموانئ جافة على المحاور الاستراتيجية. هذه الصفقة تمنح أبوظبي نقطة ارتكازٍ بحرية على شرق المتوسط تكمّل حضورها في عدن وجبل علي وسقطرى.
وفي 29 أبريل 2026، بدأ مرفأ اللاذقية شمال غربي سوريا تحميل أول شحنة سيارات ترانزيت قادمة من الإمارات، تمهيداً لنقلها إلى الأسواق الأوروبية، في خطوة تعكس تنامي النشاط اللوجستي للمرافئ السورية.
وتضم الشحنة أكثر من 200 سيارة متجهة إلى دول أوروبية، من بينها إسبانيا وبلجيكا، ضمن مسار عبور يربط الخليج العربي بأوروبا عبر الأراضي السورية.
وسبق أن زار الرئيس السوري أحمد الشرع أبوظبي في 22 أبريل 2026، حيث استقبله نظيره الإماراتي، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، لبحث "تعزيز جوانب التعاون التنموية والاقتصادية".
كما التقى الشرع مع رجل الأعمال الإماراتي البارز محمد إبراهيم الشيباني، في 4 مايو 2026، حيث بحثا الفرص المتاحة أمام الشركات الإماراتية للمساهمة في مشاريع إعادة الإعمار، إلى جانب قطاعات التطوير العقاري والسياحة والخدمات المالية.
عوامل نادرة
الحضور الإماراتي في سوريا - وفق موسى قرقور الباحث في علم المخاطر والحرب - قد يكون الأهم من حيث الاستثمارات، إذ هو امتداد لسياسة أبوظبي القائمة على استخدام البنية التحتية كأداة نفوذ طويلة الأمد.
وأضاف :
- المنتدى السوري الإماراتي الأول المرتقب ليس حدثاً عادياً أو عابراً، بل لحظة تحول هامة كمأسسة العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين لعقود طويلة.
- عقد امتياز ميناء طرطوس لمدة 30 عاماً مقابل 800 مليون دولار ليس صفقة موانئ عابرة، بل نقطة ارتكاز بحرية مهمة على شرق المتوسط للإمارات.
- سوريا اليوم تمتلك عواملَ نادراً ما تتقاطع في وقتٍ واحد، وهي مجتمعة تقدم "فرصة كبيرة" للراغبين بالاستثمار فيها.
- أهم هذه العوامل حجم السوق السورية الكبيرة نسبياً، وتتجاوز 22 مليون نسمة بديموغرافيا شابة، وسوق عطشى للإنتاج والبناء.
- في المقابل لدى الإمارات سيولة فائضة تبحث عن فرص ذات عوائد مرتفعة، خارج الأسواق المتشبعة في الولايات المتحدة وأوروبا، وسوريا فرصة مهمة في ظل توافق إقليمي ودولي غير مسبوق على دعم استقرارها.
- الإمارات تجلب إلى السوق السورية خبرة تنفيذية متراكمة في الأسواق الصعبة، وشبكة علاقات دولية ضخمة.
- لكن في المقابل، سوريا تحتاج لقانون استثمار عصري يضمن حماية الملكية، ويسمح بالتحكيم الدولي، ويُتيح حرية تحويل الأرباح، مما قد يضاعف جاذبية السوق السورية.