الخليج بين واشنطن وبكين.. من صراع التجارة إلى حلبة المصالح
لم تكن عبارة الرئيس الصيني شي جين بينغ بأن "لا رابح في الحرب التجارية" مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل بدت أقرب إلى إعادة ضبط هادئة لبوصلة العلاقة الاقتصادية مع الولايات المتحدة.
جاء هذا التصريح في توقيت حساس خلال قمة بكين مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الحدث الذي يرقب نتائجه العالم بأسره،
حيث بدا واضحاً أن الطرفين يحاولان اختبار مساحة جديدة بين الصدام والتهدئة، في اقتصادين يسيطران معاً على الجزء الأكبر من حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.
ورغم الخطاب السياسي الحاد الذي طبع السنوات الماضية، فإن لغة الأرقام تكشف واقعاً أكثر تعقيداً، يجسد ترابطاً اقتصادياً عميقاً يجعل فك الارتباط الكامل بين البلدين شبه مستحيل.
ماذا تبيع الصين لأمريكا؟
- هيمنت الإلكترونيات الصينية بـ 140.5 مليار $ (2024)، أي 20.9% من واردات أمريكا في القطاع.
- بلغت الآلات والمعدات الصناعية 92.5 مليار $، ضمن سلاسل الإنتاج الأمريكية.
- سجّل الأثاث والمباني الجاهزة 31.7 مليار $.
- الألعاب والمعدات الرياضية وصلت إلى 26.9 مليار $.
- المواد البلاستيكية بلغت 23.7 مليار $.
- البطاريات الكهربائية سجلت 16.4 مليار $، مرتبطة بالسيارات الكهربائية والطاقة.
ماذا تبيع أمريكا للصين؟
- صادرات أمريكا إلى الصين بلغت 143.2 مليار $ (2024)، ثم تراجعت إلى 106.3 مليارات $ (2025).
- الغاز وفول الصويا تصدّرا المشهد: 13.5 مليار$ للغاز، و12.5 مليار $ للصويا.
- الرقائق الإلكترونية بلغت 9.7 مليارات $.
- تشمل الصادرات أيضاً الطائرات والمعدات الصناعية والطبية والبصرية.
- العجز الأمريكي بلغ 202.1 مليار $ (2025)، من 382.3 مليار $ (2022)، ثم 279.6 مليار $ (2023)، ثم 295.5 مليار $ (2024).
تفوق لصالح الصين
تشير الأرقام والمعلومات إلى تفوق صيني واضح تجسد في عدة قطاعات ومجالات وصناعات، بحسب ما تشير تقارير دولية، ويمكن تبيان ذلك من خلال:
- الاستثمار الصيني في أمريكا سجل 40 مليار $ (2024)، مقابل 52.7 مليار $ (2020).
- الاستثمار الأمريكي في الصين سجل 122.9 مليار $ (2024)، مقابل 116.5 مليار $ (2020).
من جانب آخر تفيد وكالة الطاقة الدولية بأن الصين تتسيد العالم في المعادن النادرة الضرورية لتقنيات الطاقة الحديثة وللاقتصاد الأوسع.
وتلفت إلى أن 85% من تصنيع خلايا البطاريات موجود في الصين، وأكثر من 75% مملوك لشركات صينية؛ وذلك لكون الصين الموقع الأقل تكلفة لإنتاج تقنيات الطاقة النظيفة.
وتشير إلى أن قيمة سوق 6 تقنيات نظيفة كبرى في الصين تخطت 700 مليار دولار في 2023، ويتوقع أن تتجاوز تريليوني دولار بحلول 2035.
الخليج في قلب المعادلة
من اللافت أن جزءاً من "الدبلوماسية الاقتصادية" بين البلدين بات يُدار عبر الشركات الكبرى، حيث شارك في اللقاء مع شي رؤساء تنفيذيون من بينهم الملياردير إيلون ماسك، وجنسن هوانغ من شركة إنفيديا، وتيم كوك من شركة أبل.
هذه الشركات تمتلك استثمارات وسلاسل إنتاج ضخمة داخل الصين، من مصانع الهواتف الذكية إلى رقائق الذكاء الاصطناعي، ما يجعلها طرفاً عملياً في الضغط باتجاه التهدئة؛ لأن أي تصعيد جديد يعني اضطراباً فورياً في سلاسل التوريد العالمية.
لذلك فإن أي تهدئة بين واشنطن وبكين -بالنسبة لدول الخليج العربية- تحمل آثاراً مباشرة، لا سيما في ما يخص أسواق الطاقة، والاستثمارات الصينية والأمريكية في المنطقة، التي أصبحت جزءاً من تنافس اقتصادي واسع يشمل البنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة.
ومن جانب آخر يأتي موقع الخليج ليمثل حلقة وصل بين أكبر اقتصادين في العالم، وبناءً على ذلك فإن أية مواجهة تحدث بين واشنطن وبكين لن يبقى أثرها محصوراً بين العاصمتين فقط، بل سيمتد إلى كل اقتصاد في العالم، من وول ستريت إلى الخليج.
تأثير الإغراءات الأمريكية
يرى د. محمد فحيلي، خبير المخاطر الاستراتيجية والباحث لدى الجامعة الأمريكية في بيروت، أن أي انفتاح أمريكي تجاه الصين لا يمكن قراءته بوصفه خطوة بروتوكولية أو اقتصادية منفصلة، بل باعتباره جزءاً من شبكة تفاوض جيوسياسية معقدة تتداخل فيها ملفات التجارة والطاقة والتكنولوجيا والعقوبات والأمن الدولي.
ويشير فحيلي إلى أن واشنطن قد تسعى، عبر أي تقارب مع بكين، إلى تضييق المساحة الاقتصادية المتبقية أمام إيران، واصفاً الصين بأنها تمثل الرئة الاقتصادية الأهم لطهران.
لكنه يؤكد أن بكين لا تتعامل بعقلية التحالفات التقليدية، بل بمنطق المصالح البحتة المرتبطة بأمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد والحفاظ على نمو اقتصادها.
ومن هنا لا يستبعد الخبير الاستراتيجي أن تدخل الإغراءات الاقتصادية الأمريكية على خط التفاهمات، سواء عبر تخفيف القيود التجارية أو تهدئة ملف الرسوم الجمركية أو توسيع مساحات التبادل الاستثماري بين أكبر اقتصادين في العالم.
وفي ما يتعلق بالخليج، يلفت فحيلي إلى أن المنطقة باتت تمثل نقطة التوازن الأكثر حساسية في العلاقة الأمريكية الصينية.
وفي ذات السياق يبين أن بكين تدرك أن أي إضعاف كامل لإيران قد يمنح واشنطن نفوذاً أوسع داخل الخليج، ويقلّص هامش المناورة الصيني في منطقة تُعد شرياناً أساسياً لأمن الطاقة العالمي ولمشروع "الحزام والطريق".
من جانب آخر يلفت فحيلي إلى أن الصين تنظر إلى الخليج بوصفه أكثر من مجرد مصدر للنفط؛ باعتباره عقدة استراتيجية تربط التجارة العالمية بالممرات البحرية وسلاسل الإمداد الدولية، ما يجعل استقرار المنطقة أولوية مباشرة للاقتصاد الصيني.
ولهذا السبب فإن بكين تفضّل إدارة التوازنات بدلاً من الانخراط في سياسة كسر العظام ضد طهران، خشية أن يؤدي أي انهيار إقليمي إلى اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع تكاليف الإمدادات، وفق فحيلي.
ويلفت إلى أن الهدف الأمريكي لا يبدو منصباً على فصل الصين عن إيران بشكل كامل، بل على دفعها إلى خفض مستوى الدعم الاقتصادي والسياسي بما يكفي لزيادة الضغط على طهران، دون الوصول إلى مرحلة تهدد استقرار الخليج أو تعصف بأسواق النفط العالمية، لأن أي اهتزاز حاد في المنطقة ستكون له ارتدادات مباشرة على الاقتصاد الدولي بأكمله.
وفي سياق متصل يوضح فحيلي أن المظاهر الدبلوماسية العلنية لا تعكس دائماً حقيقة التفاهمات التي تُدار خلف الكواليس، مؤكداً أن تدفق الطاقة العالمية سواء من قبل إيران أو روسيا أو دول أخرى إلى الصين كان بتسهيلات أمريكية.