حزمة قرارات لمعالجة أزمة الكهرباء في عدن بعد تجدّدها
اعتمد المجلس الأعلى للطاقة في اليمن، الأحد، حزمة من القرارات والمشاريع الهادفة إلى تحسين خدمة الكهرباء وتأمين إمدادات الوقود وتطوير البنية التحتية لمنظومة الطاقة في عدن والمحافظات الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
كما وجّه المجلس الذي عقد اجتماعاً طارئاً في عدن بتأمين حصة الوقود الخام اللازمة لتشغيل توربينات محطة الرئيس في عدن بكامل طاقتها الإنتاجية، إضافة إلى إقرار آلية مستدامة لتأمين إمدادات الوقود وضمان استمرارية التوليد،
تضمنت معالجة الفجوة التموينية لمادتي الديزل والمازوت مقارنة بالاحتياج الفعلي، وذلك عبر الاستفادة المثلى من الكميات المتوفرة ضمن الاتفاقية المبرمة مع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن.
وتولي الحكومة اليمنية أهمية قصوى في الفترة الراهنة لملف الطاقة باعتباره عصب التنمية ومرتبطاً بشكل مباشر بالحياة اليومية للمواطنين، بالتركيز على الحلول الاستراتيجية بالتوازي مع الإجراءات العاجلة لتخفيف معاناة المواطنين من جراء انقطاعات الكهرباء.
يأتي ذلك مع تجددّ أزمة الكهرباء في عدن المتخذة عاصمة مؤقتة من قبل الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بعد فترة من الاستقرار بسبب المنحة السعودية التي ساهمت في تخفيف الأزمة،
حيث زادت ساعات الإضاءة بشكل كبير منذ مطلع العام 2026، ولأول مرة منذ سنوات، عن ساعات الانقطاع.
وبدأت ساعات الانقطاع ترتفع بشكل لافت مقابل ساعات الإضاءة بحسب الجدولة اليومية للمؤسسة العامة للكهرباء، إذ تم رصد تدرجها طوال الأسبوع بالارتفاع من 5 ساعات في اليوم مقابل ساعتين إضاءة إلى 8 ساعات،
وصولاً إلى 12 و14 ساعة انقطاع مقابل ساعتين إضاءة فقط، مع خروج محطة الرئيس عن الخدمة مدة استمرت يومين قبل إعادتها إلى المنظومة الكهربائية،
الأمر الذي ترتبت عنه جدولة جديدة للكهرباء تتراوح بين 8 و10 ساعات انقطاع مقابل ساعتين إضاءة.
وأشار المحلل الاقتصادي والصحافي المختص بمتابعة ملف الكهرباء في عدن عبد الرحمن أنيس إلى أنّ تجددّ الأزمة متوقع، فهناك تأرجح في الجدولة اليومية للكهرباء بحسب كمية الوقود المتوفرة،
مؤكداً أنّ المشكلة الحقيقية في الكهرباء في عدن، كما يعلم الجميع وجرى التحدث عنها كثيراً، تتعلق بغياب الوقود، وتهالك البنية التحتية، وانعدام المعالجات الجذرية،
كما أنّ توربيناً كاملاً في محطة الرئيس بعدن مغطى حالياً بـ"طربال" لعدم توفر النفط الخام اللازم لتشغيله، رغم أن النفط الخام مكدس في ميناء الضبة بحضرموت، فيما يشترط محافظها وعضو مجلس القيادة الرئاسي سالم الخنبشي دفع 20 دولاراً عن كل برميل وكأنه يُصدَّر إلى الخارج لا يُنقل إلى مدينة عدن.
في المقابل، فإن محطات المازوت والديزل أيضاً لا تعمل بكامل طاقتها بسبب عدم استقرار تموين المشتقات، وعدم سداد مديونيات تجار الوقود.
وحتى مطلع مايو/ أيار، لم يتجاوز إجمالي التوليد المتوفر من الكهرباء 255 ميغاواط خلال ساعات النهار الأولى، ويتقلص إلى 190 ميغاواط خلال فترة المساء،
في حين أن هناك انخفاضاً تدريجياً في التوليد خلال النصف الأول من مايو/ أيار، حيث من المتوقع استمراره في الانخفاض إلى أقل من 150 ميغاواط مع نهاية الشهر، بالتزامن مع تناقص كمية الوقود المتوفرة لتشغيل المحطات.
بينما تحتاج الجهات المسؤولة عن الكهرباء إلى كميات وقود أكبر بثلاثة أضعاف مما يُخصَّص لمحطة بترو مسيلة في عدن "الرئيس" لتتمكن من رفع القدرة التوليدية إلى 230 ميغاواط، ولمواجهة أزمة الصيف والحد من الانقطاعات خلال هذه الفترة، إضافة إلى تموين محطات المازوت والديزل بكميات كافية، والتسريع في توسعة المحطة الشمسية في عدن.
وأوضح الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد المالي بجامعة عدن خلدون الشيخ، أنّ هذه هي النتيجة الطبيعية للهوس بالحلول المؤقتة، الذي تسبب في إهمال الصيانة الوقائية للمحطات الحكومية، فتآكلت قيمة الأصول نفسها التي يُتعوَّل عليها،
إضافة إلى تكلفة التوليد الجنونية، حيث ننتج الكيلوواط الواحد بتكلفة تبلغ أضعاف نظيرتها في الاقتصادات المستقرة، ما يعني أن كل ريال يدفع دعماً حكومياً لا يشتري استقراراً، بل يغذي دورة تشغيل عقيمة.
أضاف أنّ التحسن السابق كان الصيف الفترة الحقيقية لاختباره، إن كان سيصمد ولو بالحدّ الأدنى مؤقتاً، أو سينهار في حال حدوث أي اضطراب في إمدادات الوقود، كما هو حاصل الآن، ويتجسد بصورة أخرى في زيادة الطلب.
وأشار إلى أنّ منظومة الكهرباء مرهونة بشكل كلي للوقود الأعلى كلفة المتمثل بالديزل والمازوت، وهو ما يجعل الكهرباء أول خدمة تتأثر بالأزمات والمستجدات الطارئة، كما يحصل حالياً بسبب تبعات وتأثيرات الحرب والتوترات في المنطقة، وأزمة الشحن البحري وارتفاع أسعار الطاقة، وكذا رهينة لمستجدات أخرى كتقلبات سعر الصرف، وتأخر المنح الخارجية.
ووقف المجلس الأعلى للطاقة أمام عدد من مشاكل قطاع الكهرباء وسبل المعالجة السريعة لها، بما في ذلك تنفيذ إصلاحات عاجلة، وتنفيذ الصيانات لمحطات التوليد، والتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، إضافة آليات تشجيع الشراكة مع القطاع الخاص للاستثمار في هذا القطاع الحيوي.
وأكد أنّ محطات التوليد، بوضعها الراهن، لا تغطي الاحتياجات الفعلية للاستهلاك اليومي من الطاقة الكهربائية، في ظل التزايد المستمر في الأحمال وارتفاع الطلب، الأمر الذي يتطلب تكثيف الجهود لتنفيذ أعمال الصيانة الدورية والعاجلة لمحطات التوليد ورفع كفاءتها التشغيلية، بما يضمن تحسين مستوى الخدمة واستقرارها.
كما أكد المجلس الأعلى للطاقة أهمية التوسع في تركيب العدادات الذكية وتنظيم عملية التحصيل، ورفع كفاءة الإيرادات لضمان استدامة الخدمة، مشدداً على ضرورة تحصيل رسوم استهلاك الكهرباء واتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية بحق المتخلفين عن السداد، بما يسهم في الحد من الفاقد وتعزيز موارد قطاع الكهرباء وقدرته على الوفاء بالتزاماته التشغيلية.
محمد راجح