عُمان تراهن على موانئها... أحتوي التداعيات التجارية للهجمات
أثار ما شهدته الأيام الماضية من تصعيد عسكري حاد في منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز، طاول سيادة ومرافق سلطنة عُمان بشكل مباشر، قلقاً متزايداً حول سلامة حركة الملاحة والتجارة الإقليمية
خاصة بعد إعلان الحرس الثوري الإيراني استهداف البنية اللوجستية في ميناء الدقم ومحافظة مسندم ردّاً على الغارات الأميركية الأخيرة التي استهدفت مواقع عسكرية ساحلية في إيران
ما سلّط الضوء على مدى تأثر حركة التجارة العُمانية والتأثيرات المؤقتة لاستمرار التصعيد عليها.
وتحركت الحكومة العُمانية ومؤسساتها الاقتصادية لاحتواء تداعيات الهجمات الإيرانية وضمان استمرار النشاط التجاري واللوجستي في السلطنة، وأدانت مسقط هذه الاستهدافات التي طاولت أراضيها
حيث "تعرضت عدة أهداف في محافظة مسندم الشمالية لهجوم بطائرات مسيرة"، بحسب ما ذكرته وكالة الأنباء العُمانية الرسمية في 12 يوليو/ تموز الجاري نقلاً عن مصادر عسكرية، واستدعت السفير الإيراني لتقديم احتجاج رسمي على هذا الانتهاك.
ولا يعتبر هجوم الأيام الماضية على ميناء الدقم معزولاً، بل يأتي امتداداً لسلسلة هجمات بالطائرات المسيرة والقوارب المفخخة استهدفت الموانئ العُمانية منذ مارس/ آذار 2026 كجزء من الصراع الإقليمي الممتدّ،
ففي الأول من مارس تعرض ميناء الدقم لضربة بمسيرتين أصابت إحداهما وحدة سكنية للعمال الأجانب، تلاها استهداف خزان وقود في الميناء نفسه في وقت لاحق من الشهر ذاته.
وتوسعت العمليات لتشمل ميناء صلالة الاستراتيجي، إذ جرى تعليق العمليات في محطات الحاويات في صلالة بعد أن ضربت طائرات مسيرة خزّانين للوقود في الميناء العُماني، كإجراء احترازي في 11 مارس الماضي،
كما تعرض الميناء لضربة أخرى في 28 مارس ألحقت أضراراً بإحدى الرافعات.
ولم تسلم موانئ أخرى من التصعيد، إذ تعرض ميناء بخاء في مسندم لضربة في 3 إبريل/ نيسان الماضي، وتلاها استهداف لميناء الفحل النفطي بمسيرة في 5 يونيو/ حزيران الماضي
فضلاً عن اندلاع "حريق" في غرفة محركات ناقلة نفط شمال شرق ميناء صحار في مايو/ أيار الماضي.
انعكست هذه التطورات الميدانية المتلاحقة بشكل ملحوظ على حركة التجارة وسلاسل الإمداد، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في تكاليف الشحن وتأمين السفن العابرة للممرات المائية المحيطة بالسلطنة
خاصة بعدما تسبب التصعيد منذ بداية الحرب وإغلاق مضيق هرمز في دفع شركات التأمين وإعادة التأمين الدولية الكبرى لتقليص خدماتها وتصنيف مياه المنطقة كمنطقة عالية المخاطر، ما تسبب في إحداث "فجوة حماية" لشركات الملاحة.
وعلى الرغم من هذه الضغوط الشديدة على ممرات الشحن البحري، تحاول الإجراءات الحكومية والحلول اللوجستية لسلطنة عُمان احتواء جزء كبير من التداعيات الاقتصادية والحفاظ على توفر السلع واستقرار الأسواق المحلية،
وتجلت هذه الحلول في تفعيل حركة الشحن البري واستغلال المعابر الحدودية البديلة لتجاوز الاختناق المائي لمضيق هرمز،
ولعب الطريق البري الدولي رقم 95، الذي يربط الحدود السعودية العُمانية عبر الربع الخالي وصولاً إلى موانئ صحار والدقم وصلالة، دوراً إنقاذياً في تدفق السلع الأساسية والمواد الإنشائية والأدوية.
ووفقاً لبيانات الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة في سلطنة عُمان، فإن قيمة البضائع التي تعبر الحدود تضاعفت نحو 3 مرات لتصل إلى 830 مليون دولار في مارس الماضي، من 300 مليون دولار في فبراير/ شباط،
ما مكّن الشركات العُمانية من الحفاظ على كفاءة سلاسل إمدادها واستقرار أسواق الاستهلاك.
وإزاء ذلك، يرى خبراء اقتصاد أن البنية المرفئية للسلطنة، ولا سيما الموانئ الاستراتيجية الواقعة خارج مضيق هرمز، تمنح عُمان قدرة استثنائية على الصمود والحد من الآثار الطويلة للأزمة بفضل إطلالها المباشر على بحر العرب والمحيط الهندي.
ورغم أن استمرار التوترات الإقليمية يفرض تباطؤاً مؤقتاً في نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي إلى 1.4% في عام 2026 نتيجة تراجع السياحة والاستثمار الخاص،
إلا أن الحفاظ على تدفقات النفط والغاز عبر موانئ الفحل والدقم وصلالة يضمن استقرار الميزانية العامة العمانية ويحافظ على ركائز الاقتصاد الوطني ضد الصدمات الممتدة، بحسب تقدير نشرته مؤسسة التصنيف الائتمانية "ستاندرد آند بورز" في 27 مارس الماضي.
في هذا الإطار، يؤكد الخبير الاقتصادي العُماني، خلفان الطوقي أن سلطنة عُمان تستفيد من موقعها الجغرافي الاستراتيجي،
إذ تقع موانئها الرئيسية الأربعة، وهي ميناء قابوس وميناء صحار وميناء الدقم وميناء صلالة، خارج مضيق هرمز، ما يجعلها الممر الآمن والرئة التنفسية الوحيدة في الخليج عندما تتعثر الحركة في المضيق،
إذ لا يمكن الوصول إلى أي ميناء خليجي آخر بسهولة إلا عبر الأراضي العُمانية أو باستخدام بنيتها التحتية.
وتقوم عُمان بتوفير ممرات خضراء للتجارة مع الإمارات ودبي، كما تربط شبكات الطرق البرية السلطنة بباقي دول الخليج بما فيها السعودية والكويت والبحرين،
لذا فإن أي مشكلة تعترض الملاحة في مضيق هرمز تدفع التجار والشركات للجوء إلى الموانئ العمانية لتفريغ البضائع وتخزينها في المخازن المحلية،
ثم إعادة تصديرها عبر الطرق البرية أو البحرية نحو آسيا وبقية دول المنطقة، ما يعزز الدور اللوجستي الحيوي للسلطنة في أوقات الأزمات، كما يوضح الطوقي.
وترافق هذه الزيادة في الحركة التجارية، وفق الطوقي، ارتفاعاً في أسعار النفط، ما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد العُماني ويسمح للحكومة بتقديم دعم لنحو 400 سلعة أساسية تشمل الفواكه والخضراوات والمنتجات المحلية والعديد من المواد اليومية،
بينما تبقى السلع الفاخرة والماركات العالمية باهظة الثمن خاضعة لضريبة القيمة المضافة، وهو ما يساهم في الحفاظ على استقرار الأسعار للمواطن العادي ويحد من تأثير التضخم الذي يبقى ضمن نسب بسيطة مقارنة بالدول الخليجية الأخرى.
وإزاء ارتفاع التكاليف، تتأثر بعض القطاعات مثل تجارة الحديد ومواد البناء وبعض المواد الغذائية، كما أن قطاع السياحة يتأثر سلباً باستمرار الأزمة كونه جزءاً من المنظومة الإقليمية المتضررة من أجواء الحرب وعدم الاستقرار،
لكن هذا التأثير يراه الطوقي محدوداً مقارنة بحجم الصدمات التي تتعرض لها اقتصادات دول الخليج الأخرى
معتبراً أنه عند موازنة المكاسب والخسائر في جدول واحد، تظهر أن فوائد الموقع الاستراتيجي والحركة التجارية المتزايدة تفوق بكثير الخسائر، ما يجعل المحصلة النهائية لصالح الاقتصاد العُماني خلال فترات التوتر الإقليمي.
كريم رمضان