Logo

استئناف تصدير النفط يشعل حرب الموارد في اليمن

 أشعل إعلان الحكومة اليمنية استئناف تصدير النفط صراعا جديدا على أهم موارد البلاد، وسط تحذيرات من أن تتحول الحقول والموانئ النفطية مجددا إلى ساحة مواجهة،

 بما يهدد الإيرادات العامة، ويعقد جهود السلام، ويضع الاقتصاد اليمني أمام اختبار جديد، في وقت تراهن فيه الحكومة على عائدات الخام لإنقاذ المالية العامة، وصرف رواتب الموظفين، وتحسين الخدمات الأساسية. 

وأعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في خطاب متلفز بثته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ)، استئناف تصدير النفط الخام، مؤكدا تخصيص عائداته لصرف الرواتب، وتحسين الخدمات، والوفاء بالالتزامات الأساسية للدولة، 

معتبرا أن ثروات اليمن يجب أن تعود إلى جميع المواطنين، لا أن تبقى، بحسب وصفه، رهينة "ابتزاز الحوثيين". كما دعا إلى اصطفاف وطني خلف مؤسسات الدولة والقوات الحكومية لاستعادة مؤسساتها وإنهاء سيطرة الجماعة على مقدرات البلاد.

ويعد القرار أول إعلان رسمي باستئناف تصدير النفط منذ توقف الصادرات في أكتوبر/تشرين الأول 2022، عقب استهداف الحوثيين ميناءي الضبة في حضرموت والنشيمة في شبوة، 

ما أدى إلى توقف الصادرات وفقدان الحكومة أهم مصادر النقد الأجنبي والإيرادات العامة، واضطرارها إلى الاعتماد بصورة متزايدة على الدعم الخارجي لتغطية النفقات الأساسية. 

إلا أن استئناف التصدير يأتي في ظروف أكثر تعقيدا مما كانت عليه قبل ثلاث سنوات، في ظل تراجع الإنتاج النفطي، وخروج عدد من الشركات الأجنبية، وإعادة ترتيب عقود التشغيل، إلى جانب استمرار التهديدات الأمنية التي تحيط بالحقول والموانئ النفطية. 

وتشير تقديرات إلى أن الإنتاج الحالي لا يتجاوز نصف مستواه المسجل قبل اندلاع الحرب عام 2014، ما يحد من قدرة القطاع على تعويض الخسائر المتراكمة. 

ويتزامن القرار أيضا مع ضغوط متزايدة يمارسها صندوق النقد الدولي على الحكومة اليمنية لاستعادة الموارد العامة، وفي مقدمتها النفط والغاز الطبيعي المسال، بهدف تقليص العجز المالي، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، وتحسين إدارة الإيرادات، في ظل استمرار تدهور العملة المحلية، واتساع أزمة الخدمات العامة.

الموارد لا تكفي وحدها

وفي الوقت الذي تراهن فيه الحكومة على أن يشكل استئناف التصدير نقطة تحول في معالجة أزمتها المالية، يرى خبراء أن المشكلة تتجاوز استعادة الصادرات إلى كيفية إدارة العائدات وتوظيفها في دعم الاقتصاد الحقيقي.

 ويؤكد الباحث الاقتصادي اليمني والمتابع لملف الطاقة عبدالواحد العوبلي، أن الأولوية يجب أن تكون لوقف نزيف العملة الصعبة وتقليص الإنفاق، وليس مجرد إعادة تصدير النفط، 

موضحاً أن العائدات المتوقعة، في أفضل الأحوال، لن تتجاوز ما بين مليار ومليار ونصف مليار دولار سنويا. ويشير العوبلي إلى أن هذه الإيرادات ستظل أقل بكثير من فاتورة استيراد المشتقات النفطية التي تتجاوز ضعفها 

ما يعني أن البلاد ستواصل تصدير النفط الخام لتستخدم معظم حصيلته في استيراد الوقود، من دون معالجة أزمة النقد الأجنبي أو تحسين استقرار سعر الصرف.

 ويرى أن الحل الأكثر جدوى يتمثل في توجيه جزء من الإنتاج لتلبية احتياجات السوق المحلية، وإعادة تشغيل مصافي عدن، وإنشاء قدرات تكرير في حضرموت وشبوة، بما يقلص فاتورة الاستيراد ويوفر قيمة مضافة للاقتصاد، على أن يصدر الفائض بعد تغطية الطلب المحلي، بالتوازي مع ترشيد الإنفاق الحكومي.
 
ولا ينفصل قرار استئناف التصدير عن المسار السياسي، إذ يشكل ملف النفط أحد أبرز محاور خريطة الطريق التي ترعاها الأمم المتحدة، والتي تقوم على استئناف تصدير النفط وتوجيه عائداته لصرف رواتب موظفي الخدمة المدنية في مختلف أنحاء اليمن. 

وكانت الأطراف اليمنية قد أبدت موافقة مبدئية على هذه التفاهمات، بدعم سعودي ووساطة عُمانية، قبل أن يؤدي اندلاع الحرب في غزة أواخر عام 2023، ثم انخراط الحوثيين في التصعيد الإقليمي، إلى تجميد تنفيذ خريطة الطريق وتعطيل معظم بنودها. 

وجاء إعلان العليمي عقب اجتماع طارئ لمجلس القيادة الرئاسي خُصص لبحث الرد على إعلان جماعة الحوثيين فرض حظر على الملاحة السعودية، إذ اتهم الجماعة بإفشال جهود السلام واستغلال معاناة اليمنيين لخدمة مشروعها السياسي، 

مؤكداً أن الحكومة امتنعت عن التصعيد بعد استهداف موانئ التصدير عام 2022، واعتمدت آنذاك على الدعم السعودي لتعويض الإيرادات المفقودة، قبل أن تتجه اليوم إلى استئناف التصدير "بكل الوسائل".

ورغم إعلان الحكومة استئناف التصدير، لا تزال تساؤلات عديدة تحيط بقدرتها على تنفيذ القرار عمليا، في ظل استمرار التهديدات الأمنية التي تواجه المنشآت النفطية. 

ويقول الخبير الاقتصادي ورئيس قسم المالية والمصرفية بجامعة حضرموت محمد الكسادي، إن نجاح الخطوة يتوقف على قدرة الدولة على حماية موانئ التصدير، وفي مقدمتها ميناء الضبة في حضرموت، إلى جانب استعادة مستويات إنتاج تسمح بتحقيق عائدات مؤثرة في المالية العامة. 

ويشير الكسادي إلى أن دراسة أعدها حول القطاع النفطي أظهرت تراجعاً كبيراً في الإنتاج والتصدير خلال السنوات الماضية، 

موضحا أن الكميات التي تشرف شركة بترومسيلة على إنتاجها وتصديرها لا تتجاوز حاليا نحو 55 ألف برميل يومياً، وهو مستوى يقل كثيراً عن احتياجات الاقتصاد اليمني، 

ويجعل استعادة الإيرادات السابقة مرهونة بتوسيع الإنتاج وضمان استمرار عمليات التصدير من دون انقطاع.

 في المقابل، تتحدث مصادر مقربة من جماعة الحوثيين عن رفضها إعلان الحكومة، معتبرة أن استئناف التصدير بصورة أحادية يمثل تجاوزا للتفاهمات السابقة، 

وأن أي عائدات للنفط يجب أن تخصص لصرف رواتب جميع موظفي الدولة في مختلف المحافظات ضمن اتفاق شامل. 

وترى هذه المصادر أن الحكومة استجابت متأخرة لمبادرة سبق أن طرحتها الجماعة قبل سنوات، لكنها فعلت ذلك من دون تفاهمات مسبقة، الأمر الذي قد يدفع نحو مزيد من التصعيد السياسي والعسكري.

 ويعزز هذا المشهد، بحسب مراقبين، المخاوف من عودة المنشآت النفطية إلى واجهة الصراع، خصوصاً مع تلويح الحوثيين بتوسيع إجراءاتهم ضد المصالح الاقتصادية السعودية،

 واعتبارهم النفط أحد أهم أوراق الضغط في أي مواجهة مقبلة، وهو ما يضع المحافظات النفطية في حضرموت وشبوة أمام مرحلة شديدة الحساسية، بعد نحو ثلاث سنوات من توقف الصادرات نتيجة استهداف الموانئ النفطية.
 
الرواتب في قلب الصراع

ويثير الإعلان الحكومي آمال مئات الآلاف من موظفي الدولة الذين انقطعت رواتبهم منذ نقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن في سبتمبر/أيلول 2016، 

غير أن خبراء يرون أن نجاح هذه الوعود سيظل مرهوناً بقدرة الحكومة على استئناف التصدير بصورة منتظمة وضمان وصول العائدات إلى أبواب الإنفاق المعلنة. 

ويقول الباحث الاقتصادي والمالي وحيد الفودعي، إن الإعلان المفاجئ يثير تساؤلات مشروعة، بعدما ظل تصدير النفط متوقفاً سنوات رغم تفاقم الأزمة المالية وانهيار سعر صرف الريال اليمني وتراجع الخدمات الأساسية. 

ويتساءل: إذا كانت الدولة قادرة اليوم على حماية المنشآت النفطية واستئناف التصدير، فلماذا بقي أهم مورد سيادي معطلا طوال هذه السنوات؟ 

مؤكدا أن المعيار الحقيقي لنجاح القرار لن يكون الإعلان عنه، بل ضمان استمراره وتوجيه عائداته فعلياً إلى صرف الرواتب وتحسين الخدمات، بعيدا عن الفساد وسوء الإدارة.

وتتجه أنظار الموظفين المدنيين، ولا سيما في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين، إلى مآلات هذا التطور، إذ يعلق كثيرون آمالهم على أن يفتح استئناف التصدير الباب أمام معالجة واحدة من أطول الأزمات المعيشية في البلاد. 

وتشير تقديرات إلى أن نحو 600 ألف موظف في الخدمة المدنية داخل مناطق الحوثيين لم يتلقوا رواتبهم بانتظام منذ سنوات، 

فيما يبلغ إجمالي عدد موظفي الدولة، وفق آخر موازنة أُقرت قبل الحرب عام 2014، نحو 1.2 مليون موظف، بينهم أعداد كبيرة في القطاعين الأمني والعسكري. 

ويقول الموظف المدني خالد العواضي إن جميع الأطراف تتصارع منذ سنوات على الموارد، بينما يدفع الموظفون وأسرهم الثمن من أرزاقهم ومعيشتهم. 

ويشاركه الرأي الموظف نبيل صالح، الذي يأمل أن يؤدي أي اتفاق حول النفط إلى تحييد ملف الرواتب عن التجاذبات السياسية، وإنهاء معاناة مئات الآلاف من الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب. 

كما يشير موظفون آخرون إلى تراجع دور النقابات والوساطات المحلية التي كانت تضغط سابقاً لإيجاد حلول لهذا الملف، ما جعل أزمة الرواتب أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

مقترح لإنقاذ أهم مورد سيادي

ولا يستبعد كثيرون في اليمن أن يؤدي استئناف تصدير النفط إلى توسيع رقعة الصراع نحو المناطق النفطية شرقي البلاد، التي بدأت منها شرارة المواجهة الاقتصادية عقب استهداف الحوثيين موانئ التصدير في حضرموت وشبوة أواخر عام 2022. 

كما يرجح مراقبون أن تلجأ الجماعة إلى استخدام ورقة النفط مجددا إذا تعرضت لضغوط سياسية أو عسكرية، في ظل ارتباط ملف الرواتب بعائدات النفط، وفق خريطة الطريق الأممية والتفاهمات المتعلقة بالموانئ والموارد العامة. 

وكان خبراء اقتصاد قد حذروا خلال الفترة الماضية من أن استئناف التصدير قد يقود إلى صراع فصائلي جديد، داعين إلى اعتماد نموذج للتصدير المشروط بالحوكمة الدولية، باعتباره "الفرصة الأخيرة" لإنقاذ الاقتصاد والحفاظ على مؤسسات الدولة، مع عزل ملف النفط عن الصراع السياسي والعسكري، بعد أن تبادلت الحكومة والحوثيون الاتهامات بشأن أسباب توقف الإنتاج والتصدير.

وفي هذا السياق، طرح مقترح الخبير الاقتصادي المتخصص في اقتصاد الحرب يوسف شمسان، القاضي بإنشاء الصندوق السيادي اليمني للتعافي والاستثمار، لإدارة عائدات النفط تحت رقابة دولية، من خلال ربط عمليات البيع إلكترونياً، وإنشاء حساب مصرفي بإشراف جهة مستقلة لإدارة الإيرادات. 

ويرى شمسان أن اليمن يخسر نحو 70% من موارده بسبب توقف التصدير، في وقت يظل فيه الدعم الخارجي مرهوناً بإصلاحات تعجز الحكومة عن تنفيذها، بينما أسهمت التوترات الإقليمية وارتفاع كلفة الشحن والتأمين في زيادة الضغوط الاقتصادية. 

ويشير إلى أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر برميل النفط توفر نحو ربع مليار دولار سنوياً، إذا تراوح الإنتاج بين 60 و80 ألف برميل يومياً، بما يرفع حصيلة الصادرات إلى ما بين 1.7 و2.6 مليار دولار سنويا،

 فضلا عن تحقيق وفر يقدر بنحو ملياري دولار عبر إعادة تكرير النفط محلياً وتشغيل محطات الكهرباء بالغاز بدلا من تصديره.

محمد راجح