Logo

الحرب تحرق عائدات الذهب السودانى: التهريب يتفاقم

 تصاعد الجدل حول خسائر الذهب من التهريب وتداعياته على الاقتصاد السوداني، عقب تراجع قيمة عائدات إنتاج الذهب عبر القنوات الرسمية إلى 909.57 ملايين دولار في الفترة من يناير/ كانون الثاني حتى سبتمبر/أيلول عام 2025، مقارنةً بـ2.09 مليار دولار خلال عام 2021.

 ولم تعلق الحكومة على تراجع حجم عائدات إنتاج الذهب المصدَّر عبر القنوات الرسمية، إلا أن وزير المعادن نور الدائم طه قال يوم 26 يوليو/ تموز الجاري إن مواجهة هذه الظاهرة (التهريب) لا يمكن أن تقتصر على الحلول الأمنية وحدها، بل تتطلب رؤية شاملة تجمع بين إصلاح السياسات وتقديم حوافز مشجعة للمصدرين.

 وأكد أن وزارته تعمل على صياغة نهج متكامل يوازن بين ضبط الأسواق والحد من التهريب، وفي الوقت نفسه تشجيع المنتجين والمصدرين عبر سياسات مرنة وحوافز عملية، بما يضمن استقرار قطاع التعدين وتحويله إلى رافعة اقتصادية حقيقية.

وفي هذا السياق، يقول الخبير والمختص في شؤون الذهب أحمد بن عمر "في العموم، شهد الوضع بعد الحرب زيادة في نسبة تهريب الذهب"، ويرى أن "الفكرة الأساسية هي تهريب العملة الصعبة في صورة معدن لتمويل الواردات". 

وقال إن هناك اكتنازاً للأموال الصعبة في الخارج لتمويل الواردات، وأرجع ذلك إلى أن "البنوك عانت من الحرب ولا تستطيع التمويل، بالتالي جاءت فكرة التهريب لتمويل الواردات، 

وإذا لم تتخذ الحكومة معالجات داخلية فستستمر عمليات التهريب بصورة كبيرة، ففي عامي 2012 و2013 كان الجزء الأكبر من الإنتاج، وتحديدا نحو 90% منه، يُهرَّب إلى الخارج".

 ويضيف: "الآن زادت نسبة توريد الذهب إلى مصر، بالتالي نجد هناك زيادة في الميزان التجاري مع مصر". ويؤكد أن الذهب الذي تم تصديره خلال عام 2025 بالطرق الرسمية بلغ نحو 14.7 طناً من كامل الإنتاج المقدر بحوالي 70.15 طناً.
 
وأطلق اقتصاديون تحذيرات للجهات المختصة، وقالوا إن سلعة الذهب تحولت في سياق الحرب وانهيار الدولة إلى العنصر الأكثر حساسية في معادلة الاقتصاد السياسي للصراع، 

وتساءلوا عن مدى استفادة المواطن البسيط من عائدات الذهب في معاشه اليومي في ظل الارتفاع المستمر للأسعار وانخفاض قيمة الجنيه السوداني، فيما يتزايد الحديث عن الفساد في القطاع الذي بات المصدر الأول للمال في البلاد.

ويقول الخبير الاقتصادي عمر سيد أحمد إن الذهب أصبح فعلياً هو المورد السيادي الذي يعمل على توفير النقد الأجنبي وتمويل الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، 

غير أن هذا المورد خرج بالكامل تقريباً من أي إطار وطني ليتحوّل إلى وقود اقتصادي مباشر لاستمرار الحرب، ومصدر ربح لشبكات محلية وإقليمية تستفيد من غياب الدولة وتجد في الفوضى بيئة مثالية لتراكم الثروة والنفوذ.

الذهب لا يُدار بكفاءة

ويضيف: "حتى قبل الحرب لم يكن الذهب مورداً يُدار بكفاءة داخل الاقتصاد السوداني، فبعد فقدان عائدات النفط عقب انفصال جنوب السودان، ومع التراجع المزمن في الزراعة والصناعة، أصبح الذهب يمثل العمود الفقري المتبقي للاقتصاد، ومصدراً أساسياً للنقد الأجنبي؛ 

حيث بلغ الإنتاج الرسمي للذهب في عام 2022 نحو 87 طناً، وهو رقم يعكس الأهمية المتزايدة للمورد، لكنه في الوقت نفسه يكشف هشاشة إدارته؛ فقد ظل جزء كبير من الإنتاج خارج القنوات الرسمية في ظل ضعف البنك المركزي، وازدواجية السوق، واتساع الاقتصاد الموازي.

ومع اندلاع الحرب، يرى أحمد أن الذهب انتقل بسرعة من مورد هش إلى مورد خارج عن سيطرة الدولة بالكامل؛ إذ تعطلت منظومات الرقابة، وتوقفت آليات الشراء الرسمية، وتحوّلت مناطق التعدين، لا سيما التقليدي، إلى فضاءات مفتوحة تُدار بالقوة المسلحة لا بالقانون.
 
وفي هذا السياق، لم يعد تهريب الذهب ظاهرة هامشية أو استثنائية، بل أصبح النمط السائد لخروج الذهب من السودان. وتشير تقديرات مراكز أبحاث دولية إلى أن ما بين 50% و80% من الذهب السوداني يُهرَّب خارج القنوات الرسمية، وهي نسبة تعكس عمق انهيار الدولة.

ولا يقتصر اقتصاد الذهب المرتبط بالحرب في السودان على المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية وحدها، بل يمتد كذلك إلى مناطق تقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع، خصوصاً في إقليم دارفور ومناطق التعدين التقليدي المرتبطة به. 

وفي ظل الغياب شبه الكامل للدولة، وانعدام أي منظومة توثيق أو رقابة أو شفافية، لا تتوافر بيانات دقيقة حول حجم الإنتاج أو الصادر من هذه المناطق.

أما عضو تجمع تجار الذهب بابكر محمد سيد، فيقول إن الشعب لم يستفد مطلقاً من صادرات الذهب في أيام السلم ولا الحرب. 

ويضيف أنه في أحسن الأحوال كانت الدولة تضع ثلاثة أو أربعة أطنان كاحتياطي في البنك المركزي، وسرعان ما تبيعه لتسيير دولاب الدولة. 

ويرى أن سياسات الدولة تقف وراءها مافيا مستفيدة وتجار ورجال أعمال ينهبون ثروات السودان لمصلحتهم بكل الطرق؛ 

فهناك شبكات تهريب متنوعة، بعضها متخصص في التهريب بالطرق الرسمية لمصلحة نافذين، وأخرى متخصصة في التعدين الأهلي، وأخرى لشركات "الكرتة"، بالإضافة إلى المسؤولين عن تحصيل العوائد من شركات الامتياز الكبيرة.