النفط في دائرة الخطر... وشريان طاقة الخليج يختنق بين ممرات هرمز الملغومة
تكشف البيانات الأخيرة لأسواق الطاقة العالمية أن إنتاج منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) من النفط الخام شهد قفزة غير متوقعة خلال شهر يونيو/حزيران الماضي، جاءت مدفوعة باستئناف تدفقات صادرات النفط عبر مضيق هرمز في أعقاب مرحلة التهدئة المؤقتة ومذكرة التفاهم التي سادت بين الولايات المتحدة وإيران قبل انهيارها، ما سمح حينها للعديد من الشحنات والناقلات الراكدة بالتحرك مجدداً،
غير أن هذا التعافي سرعان ما اصطدم بتجدد الصراع العسكري وتصاعده في المنطقة في منتصف يوليو/تموز الماضي.
وأظهر مسح أجرته "رويترز" أن إنتاج النفط من منظمة أوبك ارتفع في يونيو من أدنى مستوى له منذ أكثر من عقدين، مع بدء الدول الأعضاء في منطقة الخليج استئناف الإمدادات التي توقفت خلال الحرب مع إيران وما ترتب عليها من إغلاق فعلي لمضيق هرمز.
وأظهر الاستطلاع أن إنتاج منظمة البلدان المصدرة للبترول أوبك، التي تضم 11 عضواً، ارتفع بمقدار 3.3 ملايين برميل يومياً في يونيو مقارنة بالشهر السابق له.
ورغم ذلك، رفع "سيتي بنك"، أول من أمس، توقعاته لمتوسط سعر خام برنت في الربع الثالث إلى 80 دولاراً للبرميل، مقارنةً بـ 75 دولاراً للبرميل سابقاً، مستنداً إلى التأخيرات المتواصلة في حل النزاع بين الولايات المتحدة وإيران.
وأشار البنك إلى أنه لا يزال يتوقع التوصل إلى حل بين البلدين.
مستويات الإنتاج
المراقبون للسوق يؤكدون أن مستويات الإنتاج الإجمالية للمنظمة لا تزال أقل بكثير من معدلاتها المسجلة قبل اندلاع الحرب، حيث تراجع الإنتاج الفعلي بنحو 7.3 ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل انخفاضاً بنسبة 28% مقارنة بشهر فبراير/ شباط، وهو ما يفسر حذر المستثمرين الذين يترقبون مآلات المشهد الجيوسياسي، بحسب ما أورد تقرير نشرته "بلومبيرغ" في 5 يوليو الماضي.
وفي تفصيل هيكلي لمستويات الارتفاع الإنتاجي بين الدول الأعضاء الإحدى عشرة الخاضعة لحصص المنظمة، تظهر المؤشرات أن دولة الكويت تصدرت التعافي النفطي، حيث قفز إنتاجها بمقدار 870 ألف برميل يومياً ليصل إلى 1.36 مليون برميل يومياً، بعد أن كان قد تعرض لخفض هائل قارب 80% بسبب تداعيات الصراع العسكري،
فيما حلت السعودية في المرتبة الثانية بزيادة إنتاجية بلغت 550 ألف برميل يومياً، ليرتفع متوسط إنتاجها اليومي خلال يونيو الماضي إلى 7.2 ملايين برميل، تلتها إيران التي رفعت إنتاجها بمقدار 510 آلاف برميل يومياً ليبلغ متوسط إنتاجها اليومي 2.85 مليون برميل.
ورغم هذا الصعود الإيراني، لا تزال طهران تصطدم بعقبات تسويقية حادة متمثلة في ندرة المشترين، ما أدى إلى تراكم كميات ضخمة من خامها على متن ناقلات تخزين عائمة في عرض البحر بانتظار العثور على منافذ تصريف،
ويتزامن هذا التغير الهيكلي في العرض مع تصدعات سياسية داخل "أوبك"، حيث غادرت الإمارات المنظمة رسمياً في مايو/ أيار الماضي لكسب مرونة إنتاجية بمجرد استقرار الملاحة في مضيق هرمز بالكامل، تزامناً مع تلميحات عراقية مماثلة بالانسحاب ما لم يُمنح حصة إنتاجية أعلى تلائم تطلعاته الاقتصادية، بحسب ما أورد تقرير نشرته منصة فوتون (Futunn)، المعنية بالخدمات المالية وتحليلات الأسهم والسلع، في 3 يوليو الماضي.
وتفرض هذه التطورات واقعاً اقتصادياً معقداً على دول مجلس التعاون الخليجي في ظل استمرار تصاعد الحرب؛ فالأسواق أصبحت تتداول تحت وطأة تضافر الإمدادات المستعادة مع تباطؤ مستويات الطلب في الصين والنمو القوي للإمدادات الأميركية، ما يرشح مزيداً من الضغوط المالية على خطط التنمية الاقتصادية بالمنطقة في ظل استمرار الحرب وتجدد المواجهات،
بدلاً من الرهان على تعافٍ سريع، بحسب تقدير نشرته منصة ديسكفري أليرت (Discovery Alert)، المتخصصة في الاستشارات الاقتصادية وتحليلات أسواق المعادن والسلع، في 16 يوليو الماضي.
وفي سياق تقييم مآلات هذا التعافي في ظل الصراع، يشير محللون إلى أن التحديات الأمنية واللوجستية مع تصاعد الحرب لا تزال تعوق العودة الكاملة للتدفقات النفطية السابقة،
فرغم أن الصادرات السعودية استعادت نحو 90% من معدلاتها المعتادة عبر محطة رأس تنورة العملاقة، يمثل وجودُ ما يقرب من 80 لغماً بحرياً غير منفجر في الممرات الملاحية الرئيسية لمضيق هرمز تهديداً أمنياً داهماً يرفع تكاليف التأمين البحري،
ويحد من رغبة العديد من شركات الشحن الكبرى في المخاطرة بقطع هذا الممر المائي، بحسب مراقبين.
وإضافة إلى ذلك، تواجه دول المنطقة أزمة البنية التحتية المتضررة نتيجة الحرب، حيث تعرضت مصافي نفط وموانئ حيوية في البحرين والعراق والكويت والسعودية لأضرار تتطلب عمليات إصلاح وصيانة باهظة التكلفة وقد تستمر لعدة سنوات، ما يثبت أن قفزة الإنتاج في يونيو كانت مكسباً مؤقتاً لا يلغي الآثار العميقة للمواجهات حتى حال انتهاء الحرب مستقبلاً، بحسب التقرير ذاته.
وتحول مضيق هرمز الملغوم إلى مصيدة حقيقية تخنق شريان طاقة الخليج، حيث تتشابك التهديدات الأمنية المباشرة مع تصاعد تكاليف التأمين البحري. فهذا الحصار الملاحي يعزل موانئ المنطقة ويشل مرونتها التصديرية، مما يفرض ضغوطاً مالية قاسية تهدد الموازنات العامة وخطط التنمية، ويضع مستقبل النفط الخليجي أمام معضلة اقتصادية وجيوسياسية غير مسبوقة،
ويأتي ذلك وسط آمال بالوصول إلى اتفاق حول مضيق هرمز وفق المفاوضات الجارية.
مفاضلة صعبة
رغم انهيار التهدئة وتجدد الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي أعادت إحكام الإغلاق على مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو ثلث الإنتاج العالمي النفطي، تمكنت الدول الخليجية من إعادة تشغيل مصافيها ومحطاتها التابعة واستئناف تصدير بعض الشحنات النفطية، ما يعكس مرونة لوجستية مهمة في مواجهة الأزمات، وفق إفادة الخبير في الشأن النفطي، أحمد حسن كرم .
وتعتمد الدول الخليجية بشكل شبه كلي على إيرادات بيع النفط لتغطية نفقاتها العامة، وتواجه دول مثل الكويت والبحرين وقطر تحدياً جغرافياً حاداً لعدم امتلاكها منافذ بحرية بديلة عن مضيق هرمز، لذا تمثل استعادة عمليات الإنتاج والتصدير جرعةَ أملٍ حيويةً لإعادة تدفق الإيرادات وتسديد التزامات الموازنات العامة وضمان استمرار العجلة الاقتصادية، بحسب ما يرى كرم.
غير أن استمرار شن الضربات العسكرية وتصاعد التوترات السياسية وإغلاق المضيق سيؤدي حتماً إلى ضعف في الإمدادات وارتفاع أسعار النفط، وهو ما قد يقابله تراجع في حجم الإيرادات الفعلية بسبب عدم القدرة على التصدير بالكميات المعتادة، ما يضع الدول الخليجية، بحسب كرم، أمام خطر شبه توقف أو عجز عن التحرك بالسرعة السابقة،
محذراً مما وصفها بـ"المفاضلة الصعبة" بين السعر والكمية في زمن الحصار الملاحي.
قراءة حذرة
في السياق، يقرأ نائب الرئيس الأول لشؤون التكرير والكيميائيات وأسواق النفط في مؤسسة وود ماكنزي الاستشارية الدولية، آلان جيلدر، التعافي الاستثنائي في الإنتاج النفطي بحذر،
لافتاً إلى أن استمرار إغلاق مضيق هرمز يرشح أسعار برنت للارتفاع إلى ما فوق 150 دولاراً للبرميل، بحسب ما أورد تقدير نشرته منصة أميريكان أويل آند غاز ريبورتر، المتخصصة بقطاع النفط والغاز، في 22 يوليو الماضي.
ويضيف جيلدر أن سلسلة القيمة الكاملة، للنفط وموانئ دول مجلس التعاون الخليجي، ستستغرق الجزء الأكبر من العام الجاري للتعافي الكامل،
كما أن المشكلة الحقيقية تكمن في "الآثار الارتدادية" الهيكلية للصدمة على سلوك الدول المستوردة الكبرى؛ إذ إن انقطاع الإمدادات الطويل قد يدفع المستهلكين إلى تبني سياسات حمائية وأكثر عدوانية نحو تقليص الاعتماد على الهيدروكربونات والتعجيل ببرامج الطاقة المتجددة.
ويوضح جيلدر أن التوقعات تشير على المدى الطويل إلى أسعار نفط أضعف هيكلياً مما كانت عليه في فترة ما قبل الحرب إذا سرعت الدول المستوردة جهودها للحد من الاعتماد على النفط،
وإذا تقدمت عملية الكهربة بشكل أكثر قوة وتم استبدال واردات النفط، فإن هذا سيضيف ضغطاً هبوطياً إضافياً على الأسعار، حيث يمكن لـ"برنت" أن يتجه نحو الانخفاض بمقدار عشرة دولارات للبرميل مقارنة بسيناريو السلام السريع في الأمد المتوسط والطويل.
ويضيف الخبير أن تذبذب أسعار "برنت" واستقرارها لاحقاً حول 78 دولاراً في عام 2027 سيمر بمراحل صعبة ومتقلبة للغاية نتيجة عدم المزامنة بين وتيرة ملء المخزونات الاستراتيجية للدول وتعافي الطلب الفعلي،
محذراً من أن البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال، ولا سيما في قطر وإيران، تعرضت لأضرار فادحة ستحتاج إلى نحو خمس سنوات لإصلاحها، ما يؤخر تعافي قطاع الغاز بشكل ملحوظ مقارنة بالنفط.
ويشير جيلدر إلى أن "وود ماكنزي" تتبنى توقعاً متبايناً لمستقبل الطاقة بناء على توقيت إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل؛
ففي حين يفترض سيناريو السلام السريع هبوط "برنت" إلى 80 دولاراً بنهاية 2026 ثم 65 دولاراً في 2027 مع عودة التخمة السوقية، فإن سيناريو الاضطراب الممتد (الواقع حالياً) من شأنه أن يدفع أسعار النفط نحو عتبة 200 دولار للبرميل وعقود الديزل ووقود الطائرات إلى 300 دولار للبرميل بحلول نهاية العام في حال استمرار التوترات الملاحية وإغلاق هرمز.
كريم رمضان