Logo

معركة الممرات النفطية: الحوثيون يقلّصون خيارات السعودية التصديرية

 يواصل استمرار قصف الحوثيين السفن والمنشآت الاقتصادية خنق الممر البديل الذي يعتمد عليه الاقتصاد السعودي لتعويض اختناقات مضيق هرمز، ما ينشئ نقطة ضغط ثانية في البحر الأحمر الذي يمر عبره نحو 12% إلى 15% من التجارة البحرية العالمية، ويهدد بترسيخ حالة عدم الاستقرار الملاحي وتأخير تعافي الإمدادات النفطية.

ووقع آخر استهدافات الحوثيين في 11 أغسطس/آب الجاري، إذ أطلقت الجماعة صواريخ باليستية على سفينة الشحن التجارية "تهامة" أثناء إبحارها في مضيق باب المندب، ما أدى إلى اندلاع حريق وإلحاق أضرار جسيمة بالسفينة ومقتل ستة من أفراد طاقمها وإصابة 10 آخرين. 

و في بياناً مقتضباً قالت فيه جماعة الحوثي إن قواتها نفذت عملية استهدفت "سفينة تنقل معدات عسكرية سعودية"، إلا أن البيانات الملاحية أكدت أن السفينة يمنية (ترفع علم تنزانيا)، وتديرها شركة تشغيل مسجلة في مصر، وكانت محملة بمواد غذائية وسلع أساسية.

وأعلن الحوثيون في 20 يوليو/ تموز الماضي منع السفن السعودية أو تلك التي تتعامل مع المملكة من المرور في البحر الأحمر رداً على ما وصفوه بأنه حصار سعودي لليمن، وهو ما تنفيه الرياض. 

ومنذ ذلك الحين، تشن جماعة الحوثيين هجمات على السعودية وعدة مناطق يمنية بينها المخا ومأرب اللتين تسيطر عليهما الحكومة المعترف بها دولياً.

ونتيجة لهذا التصعيد، تتأثر عمليات التصدير المباشرة للأسواق الآسيوية، خاصة عبر السفن المملوكة للسعودية، ما يحول الممر الحيوي إلى منطقة مخاطر عالية ترتفع فيها أسعار التأمين، 

ورغم امتلاك المملكة خط أنابيب شرق-غرب (بترولاين) بطاقة استيعابية تصل إلى 7 ملايين برميل يومياً لنقل الخام من المنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر،

 لكن قدرة التصدير الفعلية تصطدم بالسقف الفيزيائي لموانئ ينبع، بحسب تقدير نشرته منصة كبلر، المتخصصة في تتبع حركة الملاحة وتدفقات الطاقة.

بدائل التصدير

تكشف بيانات الملاحة أن طاقة التحميل التشغيلية للميناء في ظروف النزاع لا تتعدى 3.8 إلى 4 ملايين برميل يومياً، وهو ما يقل كثيراً عن طاقة خط الأنابيب القصوى ويشكل اختناقاً يمنع تفريغ كامل الإنتاج، 

ومع تراجع عدد السفن التي تعبر باب المندب إلى نحو 24 سفينة يومياً مقارنة بـ34 سفينة قبل التصعيد، تفرض هذه الحدود الجغرافية والفنية قيوداً حاسمة على فاعلية الخط بديلا كاملا لمضيق هرمز، بحسب التقدير ذاته.
 
أما بدائل التصدير الأخرى المتاحة للالتفاف على باب المندب، فتواجه تحديات أخرى؛ فخيار توجيه الناقلات المحملة بالنفط شمالاً نحو قناة السويس وخط أنابيب سوميد المصري ينطوي على تعقيدات لوجستية وتكاليف مالية مرتفعة،

 إذ إن هذا المسار البديل يضيف ما بين 20 و25 يوماً إلى زمن الرحلة المتجهة إلى الأسواق الشرقية مقارنة بالعبور المباشر عبر باب المندب، 

فضلاً عن خلق أزمة في توفر الناقلات الضخمة واضطرارها لتفريغ أجزاء من شحناتها للمرور في القناة، بحسب تقرير نشرته منصة ذا ماريتيم إكزيكتيف المتخصصة في الشؤون البحرية والنقل البحري.
 
ويرافق ذلك تسعير إضافي لمخاطر الحرب مع اتساع نطاق هجمات الحوثيين ليشمل أهدافاً بالقرب من ينبع وخليج عدن، ما يقوّض جدوى الحلول الشمالية كمسار دائم وشامل للصادرات، بحسب التقرير ذاته.

 نقل المخاطر جغرافياً وتؤكد مجريات الأزمة البحرية على المدى المتوسط أنه لا توجد حلول هندسية أو أنبوبية قادرة على الاستغناء الكامل عن أمن الممرات المائية والاستقرار الإقليمي.

فمحاولة تحويل مسارات النفط من مضيق هرمز إلى ممر آخر مضطرب كالبحر الأحمر لا يلغي المخاطر بل ينقلها جغرافيا فقط، ما يترك البنية التحتية والموانئ السعودية تحت التهديد المستمر، 

ولذا يستنتج تقدير نشرته منصة "إينرجي كونكتس"، المتخصصة في شؤون وبنية الطاقة العالمية، أن البدائل المتاحة للسعودية تتسم بالجزئية والكلفة العالية، وتظل محكومة بالسعة التشغيلية للموانئ وتوافر أسطول الناقلات،

 ما يستوجب تأمين حماية دولية للخطوط الملاحية بدلا من الاعتماد الحصري على البدائل الهيكلية المغلقة.

وفي هذا الإطار، يرى الخبير المختص في الاقتصاد السياسي، زيان زوانه، أن الحكمة الاستراتيجية السعودية في العمل على تبريد ملف الحوثيين تمثل ضرورة ملحة، معتبراً أنه ليس من المصلحة السعودية أن يبقى هذا الملف بتبعاته منعكساً عليها.

ويشير زوانه إلى أن مضيق باب المندب يبرز، في هذا السياق، كإحدى أوراق ضغط الحوثيين في وجه السعودية تحديداً في الوقت الحالي، حيث ترتفع كلفة المواجهة خاصة إذا أضاف الحوثيون تعطيلاً كلياً أو جزئياً لأنبوب شرق-غرب لنقل النفط.
 
وفي السياق، يشير الخبير في الاقتصاد السياسي، رائد المصري، إلى أن القصف الأخير لمنشآت الطاقة في السعودية (في جازان يوم 9 أغسطس) جاء كجزء من اختبار قوة الردع الجديدة المستحدثة في اتفاق الدفاع المشترك بين إسلام أباد والرياض وأنقرة (اتفاق مكة)،

 واستكمالاً لاستراتيجية تشمل الاستحواذ على طرق الإمداد وسلاسل توريد الطاقة التي تمتلكها المملكة.

وبحسب المصري، فإن الجانب الإيراني يسعى إلى توسيع نطاق تحوطه مستنداً إلى اعتقاده بامتلاك مفاتيح مضيق هرمز وقدرته على تبادل المنافع مع واشنطن، وذلك خوفاً من الاستغناء عن المضيق وتطويق السعودية من الجنوب والشمال والشرق عبر تدخل الحوثيين والقصف المتكرر 

 مشيراً إلى أن طهران تعتبر بناء البدائل السعودية في موانئ البحر الأحمر تهديدًا لمفاتيح قوتها ونفوذها الإقليمي.

في المقابل، تعمل السعودية على تجنب أزمة طاقة عالمية كبرى من خلال تقديم بدائل عبر باب المندب وإحكام السيطرة الأمنية على ممرات الملاحة في البحر الأحمر، وهو جهد يرتبط بمواقف تركيا ومصر وأوروبا ودول العالم كافة وفق تحليل المصري، الذي يؤكد امتلاك المملكة مفاتيح وبدائل عسكرية واقتصادية وازنة.

وتمنع هذه الإمكانات التحكم بأمن الملاحة العالمي المرتبط بالدول النفطية الخليجية وصادرات الطاقة السعودية التي لا يمكنها قبول إحكام الطوق الاقتصادي عليها، 

ولذلك تطرح البدائل وتعوض المخاطر لتعطي نفسها وزناً أكبر في التعاطي الدولي، بحسب المصري، الذي يخلص إلى أن هذا الدور من شأنه أن يسهم في خلق بدائل كبيرة لإراحة الاقتصاد العالمي وضمان استقرار إمدادات الطاقة.

كريم رمضان