Logo

ضربة إماراتية موجعة للاقتصاد الإيراني المتعثر

 وجهت الإمارات يوم الثلاثاء ضربة موجعة للاقتصاد الإيراني المتعثر أصلاً، ولكمة لمنافذه ومفاصله الرئيسية وأنشطته الحيوية، خاصة قطاعات البنوك والمال وتحويل الأموال والطاقة وتجارة السلع والمعادن من صادرات وواردات، 

حيث قررت الدولة الخليجية "وقف جميع الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران، وذلك حتى إشعار آخر"، وهو ما يعد أشد الإجراءات قسوة بحق اقتصاد إيران منذ اندلاع الحرب الحالية في نهاية فبراير/شباط 2026.

ضربة قد تفوق ارتداداتها وتأثيراتها تلك الضربات الاقتصادية الموجعة التي تلقتها إيران في السنوات الماضية، 

وقد ينتج عنها توتير العلاقات بين أهم شريكين تجاريين في المنطقة، وضرب روابط اقتصادية مستقرة طوال عقود، وكانت تصنف على أنها من أكثر وأعمق العلاقات التجارية والاستثمارية والمالية نشاطاً في منطقة الخليج والشرق الأوسط.

خطوة كتلك ستلحق أضراراً بالطرفين معاً، حيث إن الإمارات هي ثاني أكبر شريك تجاري لإيران على مستوى العالم، بعد الصين، والشريك الخليجي والعربي الأول لها، وهناك علاقات تجارية وصفقات مالية وتشابكات مصرفية قوية ومستقرة بين الطرفين،

 وهناك وجود قوي لبنوك وشركات ومدارس ومستشفيات إيران داخل الإمارات، والدولة الخليجية تربح مليارات الدولارات سنوياً من الصفقات والأنشطة المقدمة لإيران.
 
ونظرة لخريطة وحجم التجارة بين البلدين فإنها تبرهن على ذلك، حيث قاربت قيمة التبادل التجاري السلعي غير النفطي بين طهران وأبوظبي 30 مليار دولار، 

وتستحوذ الإمارات وحدها على نحو 12.8% من إجمالي صادرات إيران، أي ما يعادل نحو 7.16 مليارات دولار، يتكرر الموقف في الجانب الآخر من شاطئ الخليج، حيث بلغت قيمة صادرات الإمارات غير النفطية إلى إيران نحو 19.1 مليار دولار، 

وهذا يعني أن الكلفة التجارية والمالية لمصلحة أبوظبي المستفيد الأول من تلك العلاقة.
 
والواقع يقول إن الإمارات ظلت لعقود رئة الاقتصاد الإيراني وشريان تدفقاته النقدية والمصدر الرئيسي للإيرادات الدولارية والسلع الحيوية من أدوية وأغذية ومشتقات وقود ومواد خام، 

وإن منطقة جبل علي وموانئ دبي وأبوظبي والفجيرة والشارقة وغيرها من الموانئ الإماراتية لعبت الدور الأكبر في تموين الأسواق الإيرانية باحتياجاتها من السلع الضرورية، 

وبالتالي مساعدتها على الحد من التضخم الجامح وانهيار العملة المحلية، وأن الدولة الخليجية لعبت وعلى مدى سنوات الدور الأكبر في مساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات الغربية، 

حيث كانت منفذاً رئيسياً لتحويل أموالها والتغلب على العقوبات المفروضة منذ نحو نصف قرن وتصدير بضائعها إلى الأسواق العالمية.
 
كما لعبت الإمارات دوراً مهماً في حماية الأموال والأصول الإيرانية، فقد استقطبت استثمارات إيرانية ضخمة سواء تلك التي هربت من داخل إيران خلال فترات الحصار أو من دول أخرى، 

ووفق تقديرات فإن حجم تلك الاستثمارات داخل الإمارات يتجاوز 200 مليار دولار، وهو مبلغ ضخم، وأي مساس به يمكن أن يربك المشهد الاقتصادي والمالي الإماراتي، وهو ما حرصت الدولة الخليجية على عدم الاقتراب منه رغم الحرب الشرسة بينهما.
 
وبالتالي، فإنه بحسابات الربح والخسائر تكون إيران هي الخاسر الأكبر إذا ما استمرت الإمارات في خنق اقتصادها المتعثر أصلاً بسبب الخسائر الفادحة الناتجة عن الحرب الحالية، والتي قدرتها حكومة طهران بنحو 270 مليار دولار في حين رفعتها مصادر أخرى إلى 400 مليار دولار، 

وهي الخاسر من قرار أبوظبي قطع شرايين التجارة معها، وتعميق أزمة "أسطول الظل" الإيراني والذي تعتمد عليه طهران في بيع ونقل النفط الخام والتغلب على العقوبات الأميركية، وضمان تدفق الإيرادات المالية واستمرارية عمليات التصدير عبر شبكة سرية تضم ناقلات نفط ووسطاء وشركات.
 
الإعلان الإماراتي عن قطاع العلاقات التجارية مع إيران ليس مفاجئاً من الناحية السياسية في ظل تصاعد الخلافات بين طهران وأبوظبي على خلفية الحرب الحالية والاضطرابات الجيوسياسية في المنطقة، لكن ربما تأتي الصدمة على المستوى الاقتصادي، 

حيث إنه يمس علاقات تجارية مستقرة وقوية، إذ لم تكن الدولتان يوماً مجرد جارتين تفصل بينهما الحدود البحرية ومياه الخليج، بل شريكين تجاريين وثيقي الصلة رغم التوترات السياسية المتكررة بينهما واحتلال إيران ثلاث جزر إماراتية هي طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى منذ العام 1971.

ورغم أن القرار الإماراتي يضغط على أسواق إيران ويؤدي إلى زيادة أسعار السلع والضغط على العملة وإشعال التضخم، لكنه في المقابل سيحرم بنوك وموانئ وأسواق الإمارات من مليارات الدولارات الإيرانية، 

فالإمارات استحوذت وحدها على نحو 40% من حجم التبادل التجاري بين إيران ودول الجوار خلال عام 2024.

مصطفى عبد السلام
صحافي مصري