الحرب تقطع إمدادات مصانع التونة في اليمن... وخطة حكومية لزيادة الإنتاج
تواجه صناعة التونة في اليمن أزمة متفاقمة بفعل الحرب والاضطرابات التي تشهدها المنطقة، بعدما امتدت تداعياتها إلى إمدادات الأسماك الخام ومستلزمات الإنتاج، ورفعت تكاليف الصيد والتشغيل، ما قلص قدرة المصانع على تشغيل خطوطها بكامل طاقتها.
وتصطدم المصانع بصعوبة الحصول على كميات منتظمة من التونة، المعروفة محلياً باسم أسماك الثمد،
بالتزامن مع القيود التي تحد من وصول الصيادين إلى مناطق انتشارها في خليج عدن وبحر العرب، والحاجة إلى تحديث أنظمة مراقبة سفن الصيد وتتبعها.
ويتراوح إنتاج اليمن من التونة بين 40 ألف طن و50 ألفاً سنوياً، بحسب بيانات وزارة الزراعة والري والثروة السمكية في عدن.
ويعتمد الإنتاج بالكامل على الصيادين الحرفيين، بينما تستهلك مصانع التعليب المحلية نحو 25 ألف طن من الأسماك الخام سنوياً لتغطية احتياجات خطوطها الإنتاجية.
وتضع الجهات الحكومية صناعة التونة ضمن أولوياتها، في إطار جهود إعادة تنشيط القطاع السمكي، الذي يعد من أبرز القطاعات الاقتصادية الواعدة في البلاد، لما يوفره من غذاء وفرص عمل ومصادر دخل للسكان في المناطق الساحلية.
خطة لإنقاذ خطوط الإنتاج
وأكدت مصادر حكومية أن وزارة الزراعة والري والثروة السمكية في عدن تعمل، بالتعاون مع شركاء التنمية والقطاع الخاص، على إعداد خطة لمعالجة التحديات التي تواجه صناعة التونة ورفع كفاءة المصانع خلال الفترة المقبلة.
وكشف وكيل قطاع الثروة السمكية في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، غازي بلحمر، أن الخطة تركز على تأمين الأسماك الخام وضمان استدامة تدفقها إلى المصانع، من خلال دراسة مشروعات تستهدف زيادة الإنتاج السنوي وتغطية فترات الركود الموسمية.
وأوضح بلحمر أن الخطة تتضمن استكشاف تقنيات "تسمين التونة" ودعم سلاسل الإمداد، وتحديث أنظمة الرقابة والتتبع، عبر إدخال نظام لمراقبة سفن الصيد بالأقمار الصناعية، بما يساعد على تنظيم الصيد التقليدي والصناعي وحماية المخزون السمكي وتعزيز سلامة الصيادين.
وأكد أن صناعة التونة تلبي جزءاً كبيراً من احتياجات السوق المحلية، باعتبارها من الوجبات الأساسية لدى اليمنيين، إلى جانب تصدير الفائض إلى الأسواق المجاورة والإقليمية، إذ تتمتع التونة اليمنية بسمعة تجارية جيدة وتشهد طلباً مرتفعاً.
وقال بلحمر إن مناطق خليج عدن وبحر العرب تتميز بوفرة أسماك التونة وجودتها، مؤكداً أنها تصنف ضمن الأنواع الجيدة عالمياً بسبب طبيعة البيئة البحرية ونقاء مياهها.
ويمثل قطاع الأسماك عموماً، وصناعة التونة خصوصاً، ركيزة للأمن الغذائي ومحركاً للتنمية الاقتصادية وتوفير فرص العمل في اليمن.
وتعمل في البلاد عدة مصانع لتعليب التونة، تتركز بصورة رئيسية في محافظة حضرموت جنوب شرقي اليمن، إلى جانب مصانع أخرى في عدن وعدد من المحافظات.
وتغطي منتجات هذه المصانع جانباً مهماً من احتياجات السوق المحلية، وتنتشر أصنافها في معظم المدن والمحافظات، وفي مقدمتها تونة "الغويزي" التي تصدّر كميات منها إلى الأسواق الخارجية.
وتتوزع مصانع تعليب الأسماك بين القطاعَين العام والخاص، ويتركز الجزء الأكبر منها في حضرموت، التي تضم أربعة مصانع رئيسية، أبرزها مصنع المكلا لتعليب الأسماك "الغويزي" التابع للقطاع العام، إلى جانب مصانع أخرى يديرها مستثمرون من القطاع الخاص.
وتراوحت الطاقة الإنتاجية الإجمالية لهذه المصانع، خلال فترات ذروة التشغيل، بين 50 مليون علبة و70 مليوناً سنوياً، لكنها تواجه حالياً صعوبات مرتبطة بتأمين الأسماك الخام وارتفاع تكاليف التشغيل واضطراب سلاسل الإمداد.
وقال عادل مجلي، وهو مالك متجر لبيع المواد الغذائية بالتجزئة، إن الأسواق اليمنية شهدت خلال الفترة الماضية تدفق أصناف عديدة من التونة المستوردة.
لكن أمجد هشام، وهو بائع في متجر، أكد أن الأصناف اليمنية لا تزال الأكثر طلباً لدى المستهلكين، رغم الارتفاع الكبير في أسعارها، خصوصا تونة "الغويزي" التي زاد سعرها بأكثر من 150%.
وقفز سعر العلبة الكبيرة إلى نحو 2500 ريال في عدن والمناطق الخاضعة لإدارة الحكومة المعترف بها دولياً، مقابل نحو ألف ريال في صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
ويرجع التفاوت الكبير في الأسعار إلى انقسام العملة واختلاف أسعار الصرف بين مناطق السيطرة،
إذ يبلغ سعر الدولار نحو 1600 ريال من العملة الجديدة المتداولة في عدن، مقابل نحو 533 ريالاً من العملة القديمة المتداولة في صنعاء، ما انعكس على أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية.
الصيادون يدفعون ثمن الأزمة
في المقابل، يواجه الصيادون أوضاعاً صعبة بسبب تدهور الظروف الاقتصادية والأمنية وارتفاع تكاليف الوقود ومعدات الصيد، إلى جانب صعوبة الوصول إلى مناطق وجود التونة.
وقال ياسين بن كريد، العامل في مجال الصيد بمحافظة حضرموت، إن الصعوبات تفاقمت خلال الفترة الماضية، وأصبح صيد الثمد مهمة مكلفة وشاقة، بدلاً من أن يكون عملاً مستقراً ومصدراً مضموناً للرزق.
وأوضح أن الوصول إلى مناطق الصيد البعيدة يتطلب رحلات أطول وكميات أكبر من الوقود، ما يرفع تكاليف الصيادين ويقلص العائد من الرحلة، داعياً الجهات الحكومية إلى الاهتمام بأوضاعهم وتوفير احتياجاتهم ودعم قدرتهم على مواصلة العمل.
وينفذ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مشروعات لدعم الصيادين والعاملين في صناعة التونة في اليمن، مؤكداً أهمية هذه الأسماك باعتبارها مورداً رئيسياً لتعزيز الأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية وتوفير فرص العمل وسبل العيش.
ويرى البرنامج أن ارتفاع الطلب على التونة، بالتزامن مع تداعيات التغيّر المناخي ومحدودية الوصول إلى معدات حفظ الأسماك وتبريدها، يضغط على المخزون ويرفع أسعار هذا الغذاء الأساسي في السوق المحلية.
ويشير إلى أن الصيادين يواجهون قيوداً على الوصول إلى مناطق الصيد، ما يحد من قدرتهم على التحرك في نطاقات بحرية أوسع والحصول على كميات أكبر من الأسماك.
وتشكل التونة مصدراً مهماً لدخل الصيادين نظراً إلى قيمتها السوقية المرتفعة، فيما يسمح توفير معدات الحفظ والتبريد بتخزين الصيد لفترات أطول وتقليل الفاقد، بما يساعد على ضمان دخل أكثر استقراراً وتوفير الغذاء خلال فترات انخفاض الإنتاج.
وعرض برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تقرير صدر نهاية يونيو/حزيران 2026، نتائج دراسة شاملة لنظام سوق المصايد السمكية وسلسلة القيمة في أربع مناطق ساحلية يمنية، هي البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب ومحافظة المهرة.
وأظهر التقرير استمرار هشاشة أوضاع الصيادين والعاملين في القطاع، بسبب ارتفاع تكاليف الوقود، ومحدودية الوصول إلى الخدمات المالية، وتقلب أسعار الأسماك، وتراجع كميات المصيد، والاعتماد على ترتيبات تمويل غير رسمية.
وحدد التقرير أبرز التحديات في ضعف البنية التحتية لسلسلة التبريد، ومحدودية عمليات التصنيع وإضافة القيمة، وضعف تنويع الأسواق، وتراجع فاعلية جمعيات الصيادين في بعض المناطق.
وتضع هذه التحديات صناعة التونة اليمنية أمام اختبار صعب، إذ يتوقف رفع إنتاج المصانع واستعادة قدرتها التشغيلية على ضمان وصول الأسماك الخام بصورة منتظمة، وتطوير سلاسل التبريد، وتحديث أسطول الصيد وأنظمة التتبع، مع توفير الحماية والدعم للصيادين الذين يمثلون المصدر الوحيد للإنتاج المحلي.
محمد راجح