كمائن القراصنة تصطاد السفن الهاربة من نيران الحرب
استغل القراصنة الصوماليون انشغال القوات البحرية الدولية بالحرب في المنطقة ليعودوا إلى مهاجمة سفن الشحن وناقلات النفط قبالة القرن الأفريقي بمستويات لم تشهدها المنطقة منذ نحو عقد،
ما أضاف تهديدا جديدا إلى طرق التجارة التي تعاني بالفعل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين واضطراب سلاسل الإمداد.
وذكرت صحيفة "ذا غارديان" البريطانية، اليوم الثلاثاء، أن القراصنة نفذوا 8 عمليات اختطاف منذ أواخر إبريل/ نيسان 2026، بينها عمليتان خلال أسبوعين في أغسطس/آب، استهدفت إحداهما ناقلة نفط مرتبطة بإيران
بينما طاولت الثانية سفينة "لوتوف" التي ترفع علم الكاميرون وكانت تحمل معدات عسكرية تركية.
وجاء التصاعد قبالة الصومال رغم تراجع حوادث القرصنة والسطو المسلح على السفن عالميا.
وبحسب تقرير المكتب البحري الدولي الصادر في لندن يوم 9 يوليو/ تموز 2026، انخفض عدد الحوادث المسجلة خلال النصف الأول من العام إلى 38 حادثة،
وهو أدنى مستوى في هذه الفترة من العام منذ 1992، مقابل 90 حادثة خلال الأشهر الستة الأولى من 2025، و60 حادثة في الفترة نفسها من 2024.
وتوزعت الحوادث المسجلة بين 27 سفينة صعد مهاجمون إلى متنها، و5 سفن تعرضت للاختطاف، و3 سفن أطلق مسلحون النار عليها، إلى جانب 3 محاولات هجوم لم تنجح.
وبلغت نسبة السفن التي تمكن المهاجمون من الصعود إليها 84% من إجمالي السفن المستهدفة، ما يعكس استمرار الخطر على الأطقم رغم انخفاض عدد الحوادث عالميا.
ووقعت 22 حادثة بينما كانت السفن مبحرة، مقابل 16 حادثة استهدفت سفنا راسية. كما احتجز المهاجمون 67 بحارا رهائن، وهددوا اثنين وأصابوا بحارا واحدا، ليصل إجمالي أفراد الأطقم المتضررين إلى 70 شخصا خلال 6 أشهر.
واستحوذت منطقة جنوب شرق آسيا على 24 حادثة، بينما سجلت المياه قبالة الصومال 10 حوادث، وخليج غينيا حادثتين، والأميركتان حادثة واحدة، وبقية مناطق العالم حادثة واحدة.
وشملت السفن المتضررة 13 ناقلة بضائع سائبة و10 سفن حاويات و6 ناقلات، إلى جانب 9 سفن من فئات أخرى. لكن تراجع الأرقام العالمية أخفى تصاعدا حادا في الخطر الصومالي.
فقد ارتفع عدد الحوادث قبالة سواحل الصومال من صفر خلال النصف الأول من عامي 2022 و2023 إلى 8 حوادث في الفترة نفسها من 2024، ثم تراجع إلى 3 حوادث في 2025، قبل أن يقفز إلى 10 حوادث خلال النصف الأول من 2026.
وقال مدير المكتب البحري الدولي مايكل هاوليت، وفق تقرير المكتب الأخير، إن بلوغ أدنى مستوى نصف سنوي منذ 1992 يعكس أثر الجهود المتواصلة التي تبذلها الحكومات وأجهزة إنفاذ القانون والمجتمع البحري،
لكنه حذر من أنه "لا مجال للتهاون"، في ظل استمرار المخاطر التي تهدد سلامة البحارة والارتفاع الجديد في نشاط القراصنة الصوماليين.
وكان القراصنة الصوماليون مسؤولين عن 94% من جميع أفراد الأطقم الذين احتجزوا رهائن عالميا خلال النصف الأول من 2026،
ما يؤكد استمرار قدرتهم على الصعود إلى أنواع مختلفة من السفن والسيطرة عليها. واختطفوا 4 سفن في المنطقة خلال إبريل/نيسان ومايو/أيار، قبل تسجيل هجمات ومحاولات اقتراب إضافية في يونيو/حزيران.
ودعا المكتب البحري الدولي القوات البحرية الدولية إلى الحفاظ على وجود قوي ومرئي في المنطقة لمنع تصاعد الهجمات، كما طالب السفن بالالتزام بأحدث ممارسات الإدارة المثلى للحماية من القرصنة.
وقال هاوليت: "نواصل حث ربابنة السفن والمشغلين على الإبلاغ الفوري عن جميع الحوادث"، موضحا أن الإبلاغ في الوقت المناسب يسرع الاستجابة ويساعد على منع هجمات أخرى ويحسن سلامة الأطقم والسفن القريبة.
ولا يقتصر الخطر العالمي على الصومال، إذ سجل مرسى مانيلا في الفيليبين 8 حوادث خلال النصف الأول من 2026، مقابل عدم تسجيل أي حادثة في الفترة نفسها من 2025.
وخلال يونيو/حزيران وحده، صعد مهاجمون يحملون أسلحة نارية وسكاكين إلى 3 سفن راسية هناك. وفي مضيق سنغافورة انخفض عدد الحوادث إلى 12، مقابل 57 حادثة في النصف الأول من 2025، و13 في 2024، و20 في 2023، و16 في 2022.
موجة قرصنة جديدة
وبدأت الموجة الصومالية الجديدة تتضح في إبريل/نيسان، عندما اختطف القراصنة ناقلة المنتجات النفطية "هونر 25" في 21 إبريل، وعلى متنها ما يصل إلى 17 بحارا، معظمهم باكستانيون، وفقا لعملية "أتالانتا" التابعة للاتحاد الأوروبي.
وبعد 5 أيام استولى القراصنة على سفينة "سوارد"، التي ترفع علم سانت كيتس ونيفيس وكانت في طريقها إلى مومباسا محملة بالأسمدة، وعلى متنها نحو 15 بحارا، معظمهم سوريون.
وتحولت "سوارد" لاحقا إلى أداة لتنفيذ هجمات جديدة، إذ استخدمها القراصنة "سفينة أم" لإطلاق القوارب الصغيرة وملاحقة أهداف أخرى بعيدا عن الساحل.
وتتيح هذه الطريقة للمجموعات المسلحة توسيع نطاق عملياتها والبقاء في البحر فترات أطول، بدلا من الاعتماد على قوارب محدودة الوقود والمدى.
وفي 17 أغسطس/آب، استخدم مسلحون "سوارد" للاقتراب من سفينة "لوتوف" بينما كانت تبحر على بعد نحو 3.5 أميال بحرية من بلدة مرايا الساحلية في ولاية بونتلاند. وصعد 8 مسلحين إلى السفينة وتمكنوا من التغلب على حراسها واقتيادها نحو ساحل إقليم نغال.
وكانت "لوتوف" تحمل أسلحة ومركبات عسكرية ومعدات اتصالات متجهة إلى منشأة التدريب العسكرية التركية في مقديشو.
وقالت وكالة أسوشييتد برس إن طاقمها ضم 10 أشخاص، بينهم 6 هنود ومواطن تركي وآخر جورجي، إضافة إلى حارسين أمنيين صربيين.
وأعلنت وزارة الدفاع الصومالية أن عملية مشتركة مع القوات التركية استمرت 10 أيام أسفرت عن مقتل 14 قرصانا وتدمير 4 قوارب، قبل فرار بقية المسلحين واستعادة السيطرة على السفينة.
لكن سلطات بونتلاند قدمت رواية مختلفة، وقالت إن الإفراج عن "لوتوف" جاء بعد دفع فدية بلغت 2.5 مليون دولار.
وأكد رئيس مكتب التنسيق الأمني في بونتلاند محمد مبارك دفع الفدية، وفق "ذا غارديان"، محذرا من أن وصول هذه الأموال إلى القراصنة سيشجع عمليات مماثلة ويمول شراء الأسلحة والقوارب ومعدات الاتصال.
ولم تعلن تركيا رسميا دفع أي مبالغ، فيما كشفت الروايات المتعارضة عن خلاف بين الحكومة الاتحادية وسلطات بونتلاند بشأن كيفية تحرير السفينة. وانتقلت الهجمات كذلك إلى مناطق أبعد من الساحل الصومالي.
ففي 20 أغسطس/آب، استولى 6 مسلحين على ناقلة المنتجات النفطية "سيبو 1" على بعد نحو 136 ميلا بحريا شرقي مدينة المكلا اليمنية، واقتادوها نحو بونتلاند.
وكانت الناقلة، التي ترفع علم إريتريا وتديرها شركة مقرها الإمارات، مدرجة على قائمة العقوبات الأميركية بسبب صلات قالت واشنطن إنها تربطها بـ"أسطول الظل" الإيراني.
وضمت الناقلة 20 بحارا من جنسيات مختلفة، بينهم 16 هنديا، ما أبرز قدرة القراصنة على مهاجمة السفن خارج نطاق المياه الساحلية الصومالية.
ويربط مستشار الأمن القومي في مركز الأمن البحري ماثيو ريزنر عودة القرصنة بإعادة توزيع القوات البحرية الدولية.
وقال للصحيفة إن الأساطيل التي كانت تكافح القرصنة قبالة القرن الأفريقي حولت جزءا من مواردها للتعامل مع التهديدات في مضيق هرمز والبحر الأحمر، بالتزامن مع الحرب على إيران وهجمات الحوثيين.
هروب السفن
وبحسب ريزنر، يجري تحويل مسار نحو 70% من حركة الملاحة التي كانت تعبر البحر الأحمر قبل تصاعد هجمات الحوثيين إلى طريق رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا.
ولا يعني هذا التحول ابتعاد السفن عن المخاطر، بل يدفعها إلى الإبحار فترة أطول بالقرب من مناطق يستطيع القراصنة الصوماليون الوصول إليها.
وتؤدي الرحلات حول أفريقيا إلى زيادة استهلاك الوقود وإطالة زمن التسليم وتقليص الطاقة الاستيعابية المتاحة،
إضافة إلى ارتفاع نفقات التأمين والحراسة المسلحة. وتشير تقديرات تجارية إلى أن تغيير المسار قد يضيف نحو مليون دولار إلى فاتورة الوقود لبعض الرحلات، فضلا عن أكثر من 10 أيام إلى زمن الإبحار، بحسب نوع السفينة ونقطة الانطلاق والوجهة.
وزادت هجمات الحوثيين والحرب على إيران أعباء شركات الشحن قبل عودة القرصنة الصومالية.
فقد ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب في البحر الأحمر خلال يوليو/تموز إلى نحو 0.75%من قيمة السفينة، مقابل 0.3% قبل إعلان الحوثيين "حصارا بحريا" على السعودية.
وتعني هذه النسبة كلفة تبلغ 750 ألف دولار لتغطية سفينة قيمتها 100 مليون دولار في رحلة واحدة. كما يجعل ارتفاع أسعار النفط ناقلات الخام والمشتقات أهدافا أكثر قيمة، إذ ترفع قيمة الشحنة قدرة القراصنة على طلب فدى أكبر.
وتتداخل هذه المخاطر مع اضطرابات مضيق هرمز وباب المندب وخليج عدن، ما يضع السفن أمام تهديدات عسكرية وأمنية متتابعة على طول الطريق بين آسيا وأوروبا.
وطورت مجموعات القرصنة أدواتها التقنية بالتوازي مع توسيع نطاقها الجغرافي. ونقلت "ذا غارديان" عن مسؤولين محليين أن القراصنة يستخدمون خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية "ستارلينك" لتعقب السفن وتبادل المعلومات وإجراء اتصالات سريعة بين المسلحين في البحر والمتعاونين معهم على اليابسة.
ووصفت نشرة "لويدز ليست"، في تقرير نشرته الثلاثاء الماضي، التهديد الصومالي بأنه أصبح أكثر قدرة على التكيف، ويكشف نقاط ضعف في الإجراءات الأمنية الحالية لشركات الشحن.
ويمنح الجمع بين سفن الأم والإنترنت الفضائي والأسلحة الحديثة القراصنة قدرة أكبر على تحديد الأهداف ومهاجمة السفن بعيدا عن قواعدهم الساحلية.
ذاكرة القرصنة
ويمتد نشاط هذه الشبكات إلى داخل المدن والمجتمعات الساحلية، حيث توفر جهات محلية الوقود والغذاء ونبات القات والمعلومات والقوارب للقراصنة.
وبعد الإفراج عن "لوتوف"، لاحظ سكان مدينة غالكعيو التجارية في إقليم مدغ زيادة تداول الأموال وارتفاع استهلاك القات وانتشار سيارات رياضية باهظة الثمن،
في مشهد يعيد إلى الأذهان طفرة القرصنة السابقة. وخلال الفترة الممتدة بين 2005 و2012، شهدت المياه الصومالية أكثر من ألف هجوم،
واختطف آلاف البحارة. وقدر تقرير أعده البنك الدولي والأمم المتحدة أن شبكات القرصنة حصلت على فدى تراوحت قيمتها بين 339 مليونا و413 مليون دولار، توزعت بين الممولين وقادة المجموعات والمسلحين والوسطاء والمجتمعات التي قدمت الإمدادات والخدمات.
وبلغت القرصنة ذروتها في 2011، قبل أن تتراجع بفعل انتشار قوات بحرية متعددة الجنسيات، وتطبيق السفن إجراءات أمنية مشددة، واستخدام الحراس المسلحين والأسلاك الشائكة وغرف الحماية الداخلية.
وأنفقت القوات البحرية العالمية خلال ذروة المواجهة أكثر من مليار دولار سنويا على عمليات مكافحة القرصنة قبالة الصومال، بينما قدرت الكلفة الإجمالية التي تحملها الاقتصاد العالمي في 2011 بنحو 7 مليارات دولار.
لكن إعادة بناء منظومة مماثلة تبدو أكثر صعوبة حاليا، مع توزيع الموارد العسكرية بين البحر الأحمر والخليج العربي والمحيط الهندي.
وكتب الأكاديميان المقيمان في بريطانيا أنيا شورتلاند وفيديريكو فاريزي، في مقال نشره موقع "ذا كونفرسيشن" في مايو/أيار الماضي، أنه لا توجد حاليا دولة أو جهة متحالفة تمتلك الإرادة أو القدرة على تنفيذ مهمة بحرية بحجم عمليات مكافحة القرصنة التي شهدتها المنطقة عامي 2011 و2012.
وترتبط عودة القرصنة كذلك بالأزمة السياسية والأمنية داخل الصومال، الذي يمتلك أطول ساحل في أفريقيا، لكنه يعاني نقص سفن الدورية وعدم انتظام دفع رواتب العاملين في حراسة السواحل.
كما أدى تمدد حركة الشباب في وسط البلاد وجنوبها إلى زيادة تعقيد المشهد الأمني.
وتظل قدرة القراصنة على الاحتفاظ بالسفن مرتبطة بحصولهم على ملاذات آمنة ودعم لوجستي على اليابسة، وهو ما يجعل الدوريات البحرية وحدها غير كافية.
وكان البنك الدولي قد خلص عقب موجة القرصنة السابقة إلى أن استعادة الأمن تتطلب بناء مؤسسات الدولة وتوفير وظائف بديلة لسكان السواحل وتطوير قطاع الصيد، إلى جانب تعزيز الشرطة والقضاء وتعقب تدفقات الفدى.