Logo

شظايا الصراعات تتطاير على معيشة اليمنيين

 يتسارع التصعيد بوتيرة متسارعة مع تحوله إلى مواجهات عسكرية تتركز في المناطق ذات الكثافة السكانية في محافظتي تعز والحديدة بالقرب من المخا وباب المندب، مع توقعات بتمدده إلى مناطق أخرى وإعادة فتح جبهات كانت متوقفة بسبب الهدنة الأممية منذ إبريل/ نيسان 2022، ليتسبب بارتدادات اقتصادية واسعة، 

حيث يتزامن مع اضطراب الأوضاع في الملاحة وإمدادات الغذاء، وتوترات البحر الأحمر وباب المندب والممرات الأخرى في المنطقة.

يلقي التصعيد بتبعات قاسية على الأسواق وسكان هذه المناطق وأرزاقهم وسبل عيشهم والخدمات العامة في مدن عديدة وخاصة في الساحل الغربي لمحافظتَي تعز الحديدة،

 في ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة وحرجة على كافة المستويات، ولا سيما مع اتساع المواجهات خلال الأيام الأخيرة، لتشمل محافظات ومناطق أخرى وسط وشرقي اليمن في الجوف والبيضاء.

شكاوى المواطنين

تحدث مواطنون من سكان مناطق التصعيد عن معاناتهم الشديدة مما يحصل منذ أيام، إذ يكابدون لتوفير لقمة العيش. 

يقول موفق الشميري من سكان مديرية مقبنة في تعز أن هناك أضراراً لحقت بمزارعهم ومراعيهم بشكل كبير، 

فيما أشار المواطن خالد ياسر إلى انقطاع الطرق واستهداف الخدمات، في حين شهدت عديد القرى في هذه المناطق والمديريات نزوح الكثير من المواطنين والأسر هرباً من المواجهات إلى مناطق آمنة. 

كما تنطبق المعاناة ذاتها على سكان محافظة الحديدة أيضا، حيث أكد مواطنون أنّ أضراراً بالغة طاولت مصادر رزقهم، ولا سيما قوارب من يعملون في مجال الصيد.
 
في السياق، يشكل التصعيد العسكري الراهن المتزامن مع اضطرابات الملاحة البحرية في البحر الأحمر والخليج العربي، ضربة إضافية لاقتصاد يعاني أساساً من هشاشة هيكلية حسب خبراء اقتصاد، حيث تنعكس آثاره فوراً على معيشة المواطنين وسلسلة الإمداد التجارية. 
 
ويأتى ذلك وفق تصريح الباحث الاقتصادي والمدير التنفيذي لمركز تعز للدراسات اليمنية والخليجية (مستقل) وفيق صالح من خلال غلاء الأسعار وتآكل القدرة الشرائية، مع الاعتماد شبه الكلي على استيراد الغذاء والدواء ما يجعل الأسواق اليمنية عرضة لهزات سريعة،

 إذ تؤدي مخاوف انقطاع الإمدادات إلى موجات غلاء حادة واضطرابات تموينية في الأسواق. 

كما تؤدي اضطرابات الملاحة إلى تضاعف أقساط التأمين على المخاطر الحربية ورسوم الشحن إلى الموانئ اليمنية، مما يُحَمَّل على المستهلك النهائي بوصفه زيادة مباشرة في أسعار السلع الأساسية.

انكماش سلاسل التوريد يؤثر على اليمنيين

ووفق ما ذهب إليه المدير التنفيذي لمركز تعز للدراسات اليمنية والخليجية فإن الأثر يتضاعف على الوضع الاقتصادي من خلال انكماش القطاع الخاص وسلاسل التوريد، 

حيث تعاني الشركات والمستوردون من تأخر وصول البضائع، مما يعطل النشاط التجاري ويجبر العديد من المنشآت الصغيرة والمتوسطة على الإغلاق. 

كما يعمل التصعيد العسكري في الممرات البحرية على تعطيل قطاعات إنتاجية مثل قطاع الصيد، ويؤدي لهروب شبكات التجارة نحو مناطق أكثر استقراراً.

وبخصوص أسباب التمركز في عدة مناطق، يوضح صالح أن ذلك ينبع من الأهمية المباشرة لباب المندب، حيث يمثل المضيق الشريان الرئيسي لمرور نحو 12% من التجارة العالمية ونسب عالية من النفط المنقول بحراً،

 لذا فإنّ تحويله إلى منطقة صراع يمنح أطراف التصعيد أوراق ضغط جيو-سياسية واقتصادية على المستوى الدولي.

وتقدر المساحة الجغرافية لمناطق المواجهات في تعز "المخا، مقبنة، موزع، الوازعية، البرح"، إضافة إلى مديرية ذوباب التي يتبعها باب المندب بنحو 800 كيلومتر مربع، 

حيث تحيط بها الجبال من باب المندب جنوباً إلى مديرية حيس شمالاً في محافظة الحديدة التي كانت منذ أيام مسرحاً للمواجهات العسكرية بين القوات اليمنية والحوثيين، وبعمق يتراوح بين 40 و20 كيلومتر شرقاً، حيث تحيطها الوديان والرمال، ويحتضنها البحر من الغرب، وتشرف عليها الجبال من الشرق.

ويعتبر المواطن اليمني الخاسر الأكبر في هذه المعادلة كما يستنتج خبراء اقتصاد، 

لأن استمرار التصعيد وتهديد الملاحة ينتقل سريعاً إلى حياة الناس ومعيشتهم، من خلال ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والشحن، وتأخر وصول البضائع، وزيادة أسعار المواد الغذائية والوقود ومواد البناء، فضلاً عن الضغط على العملة والأسواق وسلاسل الإمداد.

8 آلاف نازح

أكد صندوق الأمم المتحدة للسكان في 6 سبتمبر/ أيلول الجاري أن أكثر من 8 آلاف شخص نزحوا بسبب تصاعد النزاع في تعز والساحل الغربي حصلوا على المساعدات المنقذة للحياة، بدعم من الاتحاد الأوروبي.

 جاء ذلك في مدونة نشرها على حسابه في منصة "إكس"، لافتاً إلى أن آلية الاستجابة السريعة التي يقودها، تمكنت من الوصول إلى 8365 من النازحين حديثاً في تعز والساحل الغربي بالإغاثة الطارئة المنقذة للحياة، وذلك منذ 10 أغسطس/آب الماضي حتى الأحد الماضي.
 
كذلك، كشف تقرير صادر عن منظمة الهجرة الدولية، أول من أمس، أن تصاعد النزاع على طول الساحل الغربي لليمن وفي أجزاء من تعز والحديدة أجبر أكثر من 18 ألف شخص على النزوح من منازلهم خلال الـ72 ساعة الماضية.

وأوضحت الهجرة الدولية أن الاشتباكات المستمرة وانقطاع شبكات الاتصالات في المناطق المتضررة، "تُعيق جهود الوصول إلى الأسر النازحة حديثاً، مما يزيد من صعوبة الاستجابة، خاصة مع نفاد مخزونات الطوارئ، لا سيما المساعدات الغذائية والمأوى والمستلزمات المنزلية، بشدة في أعقاب الفيضانات الأخيرة واستجابات الساحل الغربي".

صدمة في التجارة والاستيراد

من جهته، يرى الخبير في الاقتصاد السياسي وأستاذ الاقتصاد بجامعة عدن محمد جمال الشعيبي أن "الاقتصاد اليمني، الذي يعاني أصلاً من هشاشة شديدة وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، لا يحتمل صدمة جديدة في حركة التجارة والاستيراد. 

وأي اضطراب طويل في باب المندب يمكن أن يتحول إلى اختناق في الأسواق، ونقص في بعض السلع، وارتفاع إضافي في الأسعار، وتراجع في النشاط التجاري والاستثماري".

وعليه، كما يستخلص الشعيبي فإن التعامل مع باب المندب باعتباره ورقة في الصراع العسكري والسياسي يمثل تهديداً ليس لليمنيين وحدهم، وإنما لأمن الملاحة والتجارة الإقليمية والدولية، ويجعل من استمرار التصعيد مخاطرة يدفع ثمنها المواطن اليمني أولاً، قبل أي طرف آخر.

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، قد اتهم الحوثيين بشن الهجمات الأخيرة على عدة جبهات والتي أدت إلى تصاعد حدة الاشتباكات، مما يُنذر باتساع نطاق النزاع، واصفاً ذلك بأنه تطور بالغ الخطورة. 

وأشار، في بيان، إلى أن التقارير الواردة عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، ونزوح أسر، وتضرر البنية التحتية المدنية، تثير قلقاً بالغاً، في حين أن مطالب اليمنيين بالأمن، ومؤسسات فاعلة، ومستقبل يتجاوز هذا النزاع، تتطلب مساراً سياسياً ذا مصداقية، قادراً على معالجة القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية التي تقع في صميم النزاع.

محمد راجح