Logo

الفاتورة الاقتصادية العالمية للسيطرة على باب المندب... مَن يدفعها؟

 لإدراك سبب القلق العالمي من سيطرة الحوثيين على باب المندب، ومن ثم تحوله إلى "مضيق حوثي"، عليك أن تتصور أن عرض مضيق باب المندب عند القناة الشرقية ثلاثة كيلومترات فقط، ما يعني سيطرة الحوثيين بالعين المجردة على مرور السفن، وإمكانية منعهم أي سفينة بأي سلاح بسيط.

إذ يبلغ عرض مضيق باب المندب نحو 30 إلى 32 كيلومتراً، لكنه ينقسم بفعل جزيرة بريم (ميون) إلى قناتين، يبلغ عرض القناة الشرقية نحو ثلاثة إلى خمسة كيلومترات، فيما تصل القناة الغربية إلى نحو 25 كيلومتراً،

 ويمكن غلقه بقصف أي سفينة ولو بقذيفة مدفع دون تقنيات حديثة أو صواريخ أو طائرات، وذلك بخلاف مضيق هرمز الذي يبلغ عرض أقل نقطة فيه 33 كيلومتراً، ويصعب السيطرة عليه إلا عبر رادارات وأجهزة متطورة من جانب إيران.

لذا فمع سيطرة الحوثيين على مواقع استراتيجية على الساحل اليمني وجزيرة بريم، يبرز السؤال الأكبر: كم ستبلغ الفاتورة الاقتصادية إذا تحوّلت السيطرة العسكرية على المضيق إلى تهديد دائم لحركة السفن؟

فباب المندب لم يعد مجرد نقطة اختناق بحرية على خريطة التجارة العالمية، بل تحول إلى ورقة اقتصادية يمكن أن تمتد آثارها من موانئ الخليج وآسيا إلى قناة السويس وأوروبا، وصولاً إلى أسعار الوقود والتضخم الذي يدفعه المستهلك.
 
ولا تتوقف الإجابة عن حجم الفاتورة الاقتصادية على عدد السفن التي ستتوقف عن العبور لو قرر الحوثيون ذلك، لأن الخسارة الاقتصادية تبدأ قبل الإغلاق الكامل،

 فمجرد ارتفاع أخطار المرور يمكن أن يدفع شركات الشحن إلى تغيير المسارات، وتحمّل أيام إضافية في البحر، واستهلاك وقود أكبر، ودفع أقساط تأمين أعلى، ثم نقل هذه التكلفة في النهاية إلى المستورد والمستهلك.
 
بوابة الطاقة والتجارة

حسب تقارير إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وبيانات متعلقة بحركة النفط السعودي وقناة السويس، يربط باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن، ومنه تمر السفن المتجهة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس،

 لذا فهو أحد أهم نقاط اختناق تجارة النفط والغاز، إذ ينقل نحو 12% من تجارة النفط بحراً عالمياً و8% من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
 
لذا أعاد التقدم العسكري للحوثيين تسليط الضوء على تهديدات الملاحة وإمدادات النفط السعودية، لأنه يتزامن مع تراجع المخزونات النفطية الاستراتيجية، وارتفاع تكاليف الطاقة عالمياً، ووسط تحذيرات من تداعيات استمرار الحصار الأميركي على إيران، وتفاقم الضغوط الاقتصادية على واشنطن وحلفائها.

وتكمن أهمية باب المندب في أنه لا يعمل منفرداً، فهو جزء من سلسلة ملاحية متصلة تبدأ من المحيط الهندي وخليج عدن، ثم البحر الأحمر، فقناة السويس، وصولاً إلى البحر المتوسط وأوروبا، 

لذلك فإن اضطراب باب المندب يهدد الطريق بأكمله، حتى لو لم يحدث إغلاق رسمي للمضيق.

وتظهر أهمية ذلك في سوق النفط بصورة خاصة، فقبل التصعيد الحالي كانت السعودية قد رفعت صادرات النفط والمنتجات النفطية عبر موانئ البحر الأحمر إلى نحو 4.7 ملايين برميل يومياً بين مارس/ آذار ويونيو/ حزيران 2026،

 مقابل 1.6 مليون برميل يومياً في الفترة نفسها من العام السابق، وكان أكثر من 90% من هذه الصادرات يمرّ عبر باب المندب، وفق بيانات الشحن.
 
وهذا يعني أن السيطرة الحوثية لا تستهدف طريقاً تجارياً عادياً، بل تضرب أحد مسارات تصدير الطاقة التي لجأت إليها السعودية أصلاً لتقليل اعتمادها على الطرق المعرضة للخطر في الخليج.

الخسارة الأولى: النفط يصبح أغلى

أولى الفواتير الاقتصادية لسيطرة الحوثيين على باب المندب وقصف النفط السعودي، سوف تظهر في أسواق الطاقة، 

ويقول المحلل الأميركي، غريغ بريدي، في تحليل نشرته مجلة "ناشونال إنتريست" إن شبح وصول سعر الخام إلى 150 دولاراً للبرميل قد يعود بسبب هذه التطورات، وهو حالياً يقترب من 108 دولارات، 

فالمخاطر وحدها لتصدير النفط عبر طريق معين ترفع تكلفة نقل البرميل، أو ترفع تكلفة المخاطر على الإمدادات.

والأكثر أهمية أن الأسواق تتعامل مع باب المندب وهرمز باعتبارهما أزمة واحدة، فإذا أصبح هرمز معرضاً للاضطراب من جهة، وباب المندب من جهة أخرى، تقل قدرة السوق على تعويض فقدان أحد المسارين بالآخر.

ولهذا فإن الخطر لا يتعلق فقط ببرميل النفط الذي لا يصل إلى وجهته، وإنما بالعلاوة الجيوسياسية التي تضاف إلى سعر كل برميل، بسبب احتمال تعطل الإمدادات.

الخسارة الثانية: طريق رأس الرجاء الصالح

إذا أصبح المرور عبر باب المندب عالي المخاطر، فإن البديل الأكثر وضوحاً أمام كثير من السفن هو الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، لكن هذا البديل مكلف للغاية.
 
وتقدر إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن رحلة ناقلة نفط من الخليج إلى مركز تجارة النفط في أمستردام - روتردام - أنتويرب تستغرق نحو 19 يوماً عبر قناة السويس، مقابل قرابة 35 يوماً عبر رأس الرجاء الصالح، أي إن تغيير المسار يمكن أن يضيف نحو 16 يوماً إلى الرحلة.
 
هذه الأيام ليست مجرد وقت ضائع، فهي تعني وقوداً إضافياً، وأجور أطقم، وتأجير سفن لفترة أطول، وتجميد رأس المال، وتقليل عدد الرحلات التي تستطيع السفينة تنفيذها خلال العام.

فبحسب منظمة BIMCO، لأصحاب السفن ومستأجريها ووسطاء السفن ووكلائها، سيؤدي اضطرار ناقلات النفط السعودية إلى تجنب باب المندب إلى مضاعفة مسافة الإبحار إلى الموانئ الآسيوية،

 ورفع إجمالي المسافة التي تقطعها السفن عالمياً بنحو 5% إلى 10%، وهو ما يضغط صعوداً على أسعار الشحن.

الخسارة الثالثة: فاتورة التأمين

هناك تكلفة أخرى أقل ظهوراً للمستهلك، لكنها شديدة الأهمية لشركات النقل: تأمين مخاطر الحرب، فخلال أزمة البحر الأحمر السابقة، أدت المخاطر الأمنية إلى ارتفاع أسعار ناقلات المنتجات النفطية التي تستخدم البحر الأحمر.
 
وفي يوليو/ تموز 2026، كانت أقساط التأمين على السفن التي تعبر باب المندب قد ارتفعت إلى نحو 0.5% من قيمة هيكل السفينة، مقارنة بـ 0.1% في أجزاء أكثر أمناً من البحر الأحمر، بحسب بيانات سوق التأمين البحري.

وهنا تتضاعف المشكلة، فالسفينة التي تصبح رحلتها أخطر تحتاج إلى تأمين أغلى، وإذا قررت تغيير مسارها فإنها تحتاج إلى وقود أكثر ووقت أطول. أي إن الشركات تواجه زيادة مزدوجة في تكلفة الرحلة.

الخسارة الرابعة: قناة السويس ومصر

الأثر الأكثر حساسية في المنطقة سوف يطاول مصر وقناة السويس، فأي سفينة تتجنب باب المندب لتدور حول أفريقيا تتجنب في الوقت نفسه البحر الأحمر وقناة السويس.

وقد أثبتت أزمة هجمات الحوثيين السابقة حجم هذه الصدمة، إذ أعلن صندوق النقد الدولي أن تجارة قناة السويس انخفضت بنحو 50% خلال أول شهرين من 2024 مقارنة بالعام السابق، 

وفي 2024 بأكمله، تراجعت إيرادات قناة السويس إلى نحو 3.99 مليارات دولار، مقابل 10.25 مليارات دولار في 2023، وفق بيانات نقلتها وكالة أسوشييتد برس، أي خسارة تقارب 6.26 مليارات دولار في عام واحد.

وهذه الأرقام تقدّم نموذجاً لما يمكن أن يحدث إذا تحولت أزمة باب المندب الحالية إلى اضطراب طويل الأمد.
 
ولا يعني هذا أن قناة السويس ستخسر على طول الخط، فهي قد تستفيد في بعض الحالات من السفن التي تختار المرور عبرها، بدلاً من باب المندب، عند إعادة ترتيب بعض شحنات النفط، 

لكن الخسارة الأكبر تأتي عندما تقرر سفن الحاويات والناقلات تجنّب البحر الأحمر بالكامل، والتوجه إلى رأس الرجاء الصالح.

الخسارة الخامسة: التضخم يصل إلى المستهلك

بلا شك، لن تبقى الفاتورة النهائية في البحر، بل تنتقل للمستهلك في صورة ارتفاع أسعار النفط والسلع، فزيادة تكلفة الوقود والتأمين والشحن وطول الرحلات تعني ارتفاع تكلفة استيراد السلع. 

وهذا يضغط بصورة أكبر على السلع التي تعتمد على النقل البحري لمسافات طويلة، وعلى الاقتصادات التي تستورد معظم احتياجاتها من الغذاء والطاقة والمواد الخام.
 
وقد أظهرت أزمة البحر الأحمر السابقة كيف انتقلت اضطرابات الممرات البحرية إلى سلاسل الإمداد العالمية؛ إذ سجلت تكاليف بعض خطوط الحاويات بين آسيا وأوروبا قفزات حادة، فيما أدت الرحلات الأطول إلى نقص في السفن المتاحة وتأخير في مواعيد التسليم.

هل يفرض الحوثيون ضريبة على التجارة العالمية؟

المشكلة الأكبر والخطر الاقتصادي الحقيقي والخسارة الخامسة في الفاتورة، قد لا تتمثل في إغلاق باب المندب بصورة كاملة، فقد يحاول الحوثيون تحقيق مكاسب اقتصادية حتى مع استمرار جزء من حركة الملاحة، عبر فرض ضريبة، كما تريد إيران.

هذا الأمر يعني أن السيطرة الحوثية على باب المندب مختلفة عن مجرد السيطرة على ميناء أو جزيرة، فالمضيق يقع على طريق يربط مراكز الإنتاج الآسيوية بالأسواق الأوروبية، ويخدم في الوقت نفسه تجارة الطاقة القادمة من الخليج.
 
الخطر الأكبر باختصار على الفاتورة الاقتصادية العالمية هو أن الحوثيين لا يحتاجون إلى إغلاق باب المندب بالكامل حتى يفرضوا كلفة اقتصادية على العالم، 

إذ يكفي أن يمتلكوا القدرة على تهديده، لأن قيمة المضيق ليست في عرضه، أو عدد السفن التي تمر خلاله فقط، بل في كونه أقصر حلقة في سلسلة تربط النفط الخليجي بالمستهلك الآسيوي والأوروبي، وآسيا بأوروبا عبر قناة السويس.

وحين يتحول باب المندب إلى منطقة اضطراب أمني لا مجرد ورقة استراتيجية بيد الحوثيين، سيصبح السؤال الاقتصادي الأكبر هو: كم سيدفع العالم مقابل إبقائه مفتوحاً؟ وليس: هل سيُغلق المضيق أم لا؟

محمد جمال عرفة
 كاتب صحفي مصري