Logo

خنق اقتصاد تعز: اتساع الاشتباكات يضاعف الأزمة المعيشية

تعيش تعز، الواقعة جنوب غربي البلاد، على وقع معارك عسكرية عنيفة متصلة بجبهة باب المندب. وبعدما أحكم الحوثيون سيطرتهم على المناطق الساحلية الرئيسية مثل المخا وذوباب، وتمكنوا من الوصول إلى جزيرة ميون الاستراتيجية، اتسعت رقعة القتال لتصل إلى أرياف تعز الغربية ومرتفعاتها الحاكمة المضيقَ، في مسعى مستمر من الجماعة لفرض سيطرتها المطلقة عليه وتأمينه من جميع المحاور.

وألقى ذلك بتبعات وارتدادات واسعة تطاول أرزاق الناس ومعيشتهم في المحافظة الاستراتيجية ذات الكثافة السكانية العالية، إضافة إلى تأثيرها على الفترة الأهم من الموسم الصيفي، حيث كان سكان المناطق الريفية المشتعلة يستعدون لحصاد مزروعاتهم من الحبوب، 

ناهيك عن تسبب الاشتباكات في خنق الشريان الوحيد المتاح لسكان المدينة وريفها والمعروف باسم هيجة العبد، والذي يربطها بعدن ومينائها ومن ثم ببقية المدن والمحافظات، إذ يعبره بشكل يومي المواطنون وشاحنات نقل البضائع والسلع والمواد الغذائية من ميناء عدن والمنافذ الاستيرادية الأخرى إلى المدينة، وذلك بعد قطع الشريان الآخر في الساحل الغربي إثر سيطرة الحوثيين على المخا ومينائها.

وأكد سكان محليون في هذه المناطق الممتدة من الوازعية إلى التربة، مروراً بجبل حبشي، أن المعارك المشتعلة فاقمت معاناتهم بشكل كبير، وتسببت في أضرار بالغة طاولت حقولهم ومواشيهم ومصادر رزقهم، وعطلت مصالحهم وأعمالهم، إلى جانب تسببها في حصارهم وخنق تنقلهم.

تداعيات النزوح

أصابت الهجمات وإغلاق الطرق المتكرر حركة الأسواق بحالة من الجمود، وتضاعفت معاناة المرضى والطلاب العالقين بين جحيم التنقل وارتفاع كلفة المعيشة الباهظة.

وظهرت الآثار الإنسانية قاسية في اضطراب سبل العيش، حيث اضطرت أسر عديدة إلى تقليص وجباتها الغذائية، وتوقفت مسيرة تعليم الأطفال في المناطق القريبة من خطوط النار، بينما يتصاعد العوز وسط حركة نزوح واسعة تزيد من الضغوط المعيشية على الأسر.
 
في السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي مصطفى نصر، رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي (منظمة أهلية يمنية)، أن إشعال كل مناطق تعز الريفية وحواليها، بعد مناطق الساحل، يلقي بتداعيات سلبيّة كبيرة على معيشة المواطنين وعلى اقتصاد هذه المناطق وقطاعاتها الحيوية، لا سيما بعد اقتحام مدينة المخا والسيطرة عليها، وتحويلها إلى "مدينة ميتة" وفق تعبيره، 

كما يعني، وفق نصر، القضاء على النشاط التجاري والاستثماري الناشئ الذي كان قائماً فيها، حيث تسببت في انتقال الكثير من المواطنين والأسر وأصحاب رؤوس الأموال إلى مدينة تعز، فيما توجه البعض إلى عدن. وأكدت بيانات المنظمة الدولية للهجرة تسجيل حركة نزوح واسعة طاولت أكثر من 145 ألف شخص في ثماني محافظات يمنية من جراء التصعيد المستمر.
 
وتتصدر محافظة تعز المشهد بما هي أكثر المحافظات استقبالاً للنازحين بأكثر من 81 ألف نازح، يشكلون أكثر من نصف إجمالي النازحين، وسط تدفق مستمر لعشرات الأسر الهاربة من أتون المواجهات. 

​هذا الضغط البشري الهائل انعكس بعمق على تفاصيل الحياة اليومية داخل القرى والأحياء والأسواق، حيث يؤدي النزوح، بحسب حديث نصر لـ"العربي الجديد"، إلى مضاعفة المأساة الإنسانية التي أثّرت على عشرات الآلاف من النازحين حتى الآن. 

كما يقضي على معظم النشاط الزراعي والأعمال التجارية في الأسواق الثانوية في ريف تعز.

ويوضح نصر أن الحوثيين يسعون إلى خنق تعز عبر حصار اقتصادي وآخر عسكري، وسبق لها أن قامت بتجربة مشابهة في 2015 بفرض حصار من المدخل الرئيسي شرقي المدينة والواقع في منطقة الحوبان، قبل أن تنجح وساطات محلية قبل نحو عامين بإعادة فتحة، 

فيما ينعكس هذا الحصار، وفق حديث رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، على الناس ويفاقم معاناتهم ومعيشتهم ويذيقهم الويلات، مؤكداً أن الجماعة قطعت عنهم المياه والغاز المنزلي وغيرها، وتريد أن تكرر هذا العمل الآن في مناطق الساحل الغربي لتعز وحالياً ريفها.

حصار يطاول المعيشة

وأبدى المبعوث الأممي إلى اليمن السويدي هانس غروندبرغ، في بيان ، قلقاً بالغاً إزاء التطورات في محافظة تعز، حيث تصاعدت حدة القتال بشكل كبير، 

مؤكداً أن العمليات العسكرية التي تنفذها جماعة أنصار الله الحوثيين في المنطقة تمثل مخاطر جسيمة على السكان المدنيين.

وأشار إلى أن مكتبه تلقى تقارير مقلقة حول ما يجري في تعز، وتضرر البنية التحتية، وإغلاق طرق رئيسية، ما يعوق قدرة السكان على مغادرة المنطقة، حيث تُعد تعز ثالث أكبر مدينة في اليمن، 

وتستضيف المحافظة حالياً غالبية اليمنيين الذين نزحوا مؤخراً من جراء القتال في مناطق أخرى، داعياً إلى حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية.

كما شدد على ضرورة بذل كل جهد للحيلولة دون وقوع المزيد من الأضرار وضمان وصول المساعدات بأمان ودون عوائق إلى المحتاجين، واحتواء الوضع على وجه السرعة وضمان حرية حركة المدنيين. 

وتمتلك تعز منفذاً وحيداً في الوقت الراهن لاستقبال كل السلع، بما فيها السلع الأساسية والغاز المنزلي، عبر طريق هيجة العبد - تعز - التربة - لحج - عدن.

إذ يعتبر الخبير الاقتصادي مصطفى نصر أن محاولة إغلاق هذا الطريق بشكل متكرر بمثابة جريمة حرب مكتملة، لا سيما أنها ستحرم ملايين من السكان المدنيين من احتياجاتهم المعيشية الضرورية في مدينة ومناطق مكتظة بشكل كبير بالسكان.
 
ويرى خبراء اقتصاد أن الاشتباكات والمعارك لم تتوقف تبعاتها عند حدود المعاناة التي تفاقمت بشكل كبير لتطاول مجتمعاً معروفاً بالعمل والتجارة وأصحاب المهن والحرف والمنتشرين في مختلف المدن اليمنية وليس فقط في تعز، بل رفعت من تكلفة التضخم المعيشي بسبب نقل الحوثيين المعركة من الساحل إلى مديريات ريف تعز.

وأدى تقطع الشرايين الرئيسية للنقل والخطوط الرابطة بين الساحل والمدينة وسط توسع رقعة الاشتباكات إلى نشوء حلقة جديدة من الإرهاق المالي من جراء تقييد حركة تدفق البضائع والسلع التجارية، حيث بات التجار يعانون بشدة من جراء تضاعف تكلفة النقل، وتزايد المخاطر وتلف البضائع بسبب وعورة الطرق البديلة، وفق حديث الباحث الاقتصادي وفيق صالح .

وإجمالاً، فإن توسع التصعيد العسكري للحوثيين، كما يؤكد صالح، أدى إلى شل الحركة التجارية الداخلية، وتدمير سبل الإنتاج المحلي، لا سيما القطاع الزراعي الذي يمثل عصب الحياة لأغلبية السكان في الريف، 

ومع تراجع الإنتاج وانقطاع سلاسل التوريد المحلية، تضاعفت تكاليف النقل بفعل اضطرار الشاحنات لسلك طرق بديلة أكثر وعورة وخطورة، ما انعكس بشكل مباشر وفوري على أسعار السلع الأساسية داخل الأسواق، لتعيش المحافظة على وقع تضخم غير مسبوق يزيد من معدلات الفقر والبطالة. 

محمد راجح