Logo

شتاء قارس جداً على العالم وأسعار ملتهبة ومواطن مطحون

 يبدو أن الشتاء المقبل سيكون قارساً وصعباً على الجميع: الدول الثرية، وفي مقدمتها أوروبا التي تعاني نقصاً شديداً في الغاز الطبيعي، وزيادات كبيرة في كلفة المعيشة 

وكذا الولايات المتحدة التي تشهد موجة غلاء، والدول الفقيرة مثل معظم دول المنطقة العربية وأفريقيا، جنوب الصحراء الكبرى، ودول جنوب شرق آسيا، في ظل الصدمات المستمرة لأسواق السلع والخدمات، واستمرار المخاطر الجيوسياسية حول العالم، خاصة في منطقة الشرق الأوسط والبحر الأسود، وارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، 

وقفزات أسعار الغاز بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النفطية في البلدين، واضطرابات التجارة وسلاسل التوريد، وتعطّل حركة شحن البضائع، وتنامي خطط التشدد النقدي حول العالم، وهو ما يهدد بتفاقم معدلات الفقر والجوع والتضخم والبطالة، وانعدام الأمن الغذائي، وتباطؤ النمو الاقتصادي، والإفلاس، والتعثّر المالي.

الصعوبة هنا خلال فصل الشتاء المقبل لا تعني فقط برودة الطقس، وتقلبات المناخ، والجفاف وتنامي ظاهرة النينيو شديدة التأثير في اقتصادات العالم، ولكن تتعلّق بشكل حيوي بزيادة أسعار السلع الرئيسية المتعلقة بالمواطن واحتياجاته اليومية، ووجود توقعات قوية باستمرار منحنى الأسعار في الصعود، وهو ما يزيد الضغوط على المراكز المالية للدول والأحوال المعيشية للمواطن.
 
أسعار الأغذية والطاقة ومشتقات الوقود والمعادن والأسمدة تأتي في المرتبة الأولى من حيث الصدمات خلال الشتاء المقبل، في ظل زيادة كل أنواع المخاطر وتكاليف الإنتاج، فهناك توقعات بزيادة أسعار القمح والأرز والسكر والعدس والفول وغيرها من الحبوب الرئيسية في العام المقبل، ومعها أسعار رغيف الخبز واللحوم والألبان والجبن، وغيرها من السلع الغذائية الحيوية.

وقد ترتفع أسعار الطاقة خلال هذا الشتاء بدرجة أكبر إذا تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، وتفاقمت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النفطية في كبريات الدول المنتجة للنفط، مثل السعودية وروسيا 

 علماً بأن تلك الأسعار زادت بنسبة 32% خلال العام الجاري، ومرشحة للزيادة في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز، والذي سبّب صدمة في أسواق الطاقة العالمية، ورفع أسعار الأغذية والأسمدة، وحجب معظم صادرات الغاز القطري عن الأسواق، وزادت الصدمة مع عودة التوتر بين السعودية وجماعة الحوثي.
 
وقد يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة بأكثر من المتوقع، والهجمات على شحنات الحبوب في البحر الأسود، وظاهرة النينيو، إلى تحول موسم الشتاء إلى فترة صعبة على جميع الدول، وانكشاف النظام الغذائي العالمي، وحدوث أزمة غذاء واسعة النطاق تلقي بالملايين حول العالم في براثن الجوع والفقر المدقع، على غرار ما شهده العالم في الفترة بين عامي 1959 و1961، 

إذ واجه أسوأ أزمة غذاء ومجاعة في التاريخ الحديث من حيث عدد الوفيات، والبالغ نحو 46 مليوناً، وكذا أزمة عام 1876 - 1878 المعروفة باسم أزمة النينيو الفائقة التي شهدت اندلاع موجة جفاف حادة في دول عدة، منها الصين والهند والبرازيل، في توقيت واحد، وتسبّبت في وفاة ما بين 30 و50 مليون شخص.

وبالنظر إلى أحدث الأرقام الصادرة مؤخراً عن البنك الدولي فإنها ترسم صورة متشائمة للأسعار، حيث توقعت زيادة أسعار السلع الأولية بنسبة 23% في عام 2026، مع تعطل شحنات الحبوب من روسيا وأوكرانيا وبعض الدول المنتجة للقمح، وتهديد ظاهرة النينيو للمحاصيل الزراعية، وارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، بسبب زيادة أسعار الوقود والأسمدة، وتوقع البنك استمرار تلك الزيادات العام المقبل.
 
أرقام البنك الدولي تتماشى مع تحذيرات أطلقتها قبل أيام كبرى شركات الأغذية والسلع الاستهلاكية حول العالم، والتي حذّرت من زيادات جديدة في أسعار منتجاتها خلال عام 2027، مع تصاعد أسعار الطاقة والمواد الخام والشحن بسبب الحرب على إيران، وهو ما يزيد الضغوط على القدرة الشرائية للأفراد، ويدعم ركود الأسواق والتضخم، ومن بين تلك الشركات كوكاكولا وبروكتر آند جامبل ونستله وريكيت.
 
أوروبا واحدة من أبرز المتضررين من الوضع الحالي المعقد، فهي تدخل فصل الشتاء بمخزون من الغاز الطبيعي هو الأدنى منذ عام 2013، بسبب نقص الإمدادات سواء من روسيا أو الشرق الأوسط، وهو ما يقلق صانع القرار، ويزيد تكلفة المعيشة في معظم دول القارة، 

وكذلك يغذي صعود اليمين المتطرف والاحتجاجات الشعبية، كما جرى في دول عدة قبل أيام.