Logo

أغانٍ تصعد القمر... تحليق في مدارات العلم والحبّ

 مع حماس العالم وانجذابه بعودة الإنسان من جديد إلى القمر بعد أكثر من خمسين سنة من آخر رحلة مأهولة إليه، جاءت رحلة أرتميس 2، التي أطلقتها وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) مطلع الشهر الحالي،

 لتتذكر الإنسانية حدثاً من أهم أحداث القرن العشرين، وهو صعود الإنسان إلى القمر، الأول في رحلة أبولو 8 حول القمر، 

والأهم في رحلة أبولو 11، في الهبوط عليه لأول مرة بالتاريخ عام 1969، والأخير في أبولو 17، عام 1972: يمشي عليه، ويتحرك، ويتكلّم، ويضع آثاره وذكرياته هناك في هذا المكان الذي لطالما عاش في الأساطير والشِّعر والخيالات الرومانسية البعيدة للغاية عن الواقع.

يبدو أن هذا التحوّل في "فلسفة" القمر، وطعن رومانسيته بالدوس على سطحه، والوصول إليه على كل حال، واختراق هذا المحال الخيالي لم يمر بسهولة على خيالات الفنانين، خصوصاً في الغرب، 

فعندما كان العالم كلّه ينظر إلى الأعلى، كان الفنانون يحاولون استيعاب هذا "الخرق" لفلسفة القمر الذي عرفه الإنسان لآلاف السنين بكل خواصه.

هذا الحدث لم يلهم فقط الفنانين، بل قد ألهمه الفنانون أيضاً. تسجيل أغنية "حلِّق بي إلى القمر" (Fly Me to the Moon) لفرانك سيناترا الذي صدح على متن رحلتيْ أبولو 10 وأبولو 11، وهما في طريقهما إلى القمر، 

كان مثالاً جاهزاً عن بداية تحقق معاني هذه الأغاني التي كنّا نظنها خيالية لقرون: من آلهة القمر إلى الحبيب الذي يشبه القمر، إلى استعارات المستحيل بالصعود إلى القمر ولمسه.
 
وبعيداً عن فناني المشرق، العربي خصوصاً، الذي بقي التأثير عليهم محدوداً بموجة أبولو، ظلّ ذاك هو القمر الذي بـ"ينوّر أكثر" من فرح السيدة أم كلثوم، وظلّ جاراً لفيروز، واستمر محمد فوزي بسؤاله "مال القمر ماله؟". وظلّ قمر فايزة أحمد ينتظر على الباب.
 
ليس من قلّة فهم أو اهتمام في المشرق بالفلك، بل هذا الاهتمام الذي كان قد أسس لنفسه أساساً متيناً هنا في العصر العبّاسي، أثّر على القصائد والأغاني العربية لسنوات طويلة، في تنوّع مفردات الفلك، حتى في غير أغراضها العلمية، في تنوّعها داخل هذه الفنون، 

بل ربما لأن صدمة كبيرة كهذه لم تستوعبها بعد قواميس الفن العربي "الأصيلة"، التي تربّت بمعزل عن كل شيء، عن واقعها أصلاً قبل واقع غيرها.

أما في الجانب الآخر، في الغرب القريب من الحدث، فكانت الأغاني قد انسجمت سريعاً مع هذا التحوّل الإنساني الصادم، 

من ناحية أن طبيعة هذه الأغاني لم تكن صارمة ومقيّدة بقواعد، خصوصاً تلك الألوان الغنائية التي انتشرت سريعاً في الستينيات، منها الروك، الذي بدا كأنه قريب إلى حد بعيد من هذا الحدث الإنساني الهام، قريباً من الواقع الفاقع جداً، معبراً بذلك عن اقتراب هذه الحقبة بلونها الفنّي الجديد من ثورة علميّة وفنيّة في آن.
 
وربما يكون عمل ديفيد بوي "سبايس أوديتي" (Space Oddity) الأهم في هذا السياق، كونه قد صدر قبل أيام معدودة من رحلة أبولو 11، 

فلم يتناول هذا العمل مثلاً الفضاء بخيال معتاد، بل ابتكر محادثة "غير مكتملة" بين مركز القيادة ورائد الفضاء الذي يسبح في الفضاء وحيداً وبعيداً ليواجه مصيراً فريداً من بين النهايات.

هذا الاعتراف المتبادل بين الفن والعلم، كان بداية لثورة حقيقية ربما تحدث في تغيّر مفهوم القمر والفضاء عموماً، اعتراف سريع جداً ومشتعل، يؤكد ليونة هذه الألوان الغنائية الثورية التي انتعشت في قلب الصراع الفضائي، واستعانت بهذه الروح التي كانت تنظر إلى الأعلى فقط. 

لم تعكس أعمال، كهذه الأعمال، أي روح احتفائية بهذا الحدث العظيم، بل عن مشكلاته أيضاً، وبهذه السرعة طبّعت هذه الأعمال مع هذا الحدث برؤية أبعد من الاحتفال.

إلى نهاية السبعينيات، وأغنية "المشي على القمر" (Walking On The Moon) لفرقة ذا بوليس (The Police) التي صوّرت بمشاهد من داخل مركز كيندي للفضاء، التابع لناسا، والمعتمد لإطلاق رحلات أبولو وأرتميس اليوم.

 وحتى يظهر في الفيديو ستيوارت كوبلاند وهو يضرب الإيقاع بالعصا على صاروخ الإطلاق "ساتورن 5".
 
بهذا المفهوم، ومع كلمات الأغنية التي أعادت صياغة رومانسية لرحلات الفضاء، دمج بين المفهوم القديم الخيالي مع هذه الرحلات "الواقعية" المعقدة، بمفاهيم تسلسل هذا التطبيع المستمر مع حالة هذه الرحلات الفضائية إلى القمر.

في الجانب الآخر، بالعودة إلى المشرق العربي، فإن الأقرب إلى ليونة الروك، وحرية الجاز، كانت الأغاني الشعبية التي لا تتقيد كثيراً بملزمات الأصالة، في اللحن والنظم، 

فبالبحث عن أغانٍ بين سطور الأغنية العربية آنذاك، نجد أن فلسفة القمر قد تأثرت عند هؤلاء بصعود الإنسان إلى القمر، 

منها أغنية الفنان اليمني محمد أبو نصّار، الذي ينتمي إلى الأسرة الحاكمة لليمن الملكية سابقاً، التي يقول فيها: "يا ذي عبرت الفضاء، بالله كيف الحقيقة لوما وصلت القمر؟  بيني وبين الحبيب حقي مسافة دقيقة، ولا لقيت له أثر".

هذا التحوّل الكبير الذي يطرأ على الأغنية العربية، خصوصاً في اليمن، كان هذا النموذج الفريد في خروج القمر وأخيراً عن الخيال، وعودته سريعاً إلى وصف الحبيب، ليؤكد عن هذا الدمج بين واقع القمر وخياله في فلسفة الغناء المشرقية.

 وربما أن أبو نصّار لم يمر عليه هذا الحدث التاريخي بسهولة، بل إنه سجّل عملاً آخر بعنوان "أنا مسافر فوق سطح القمر"، حزيناً على فراق حبيبه، يهيئ بذلك للبشرية تقبّل سهولة السفر إلى القمر بعد الآن.
 
وبنموذج مشابه أيضاً، تصدر أغنية شهيرة في السعودية، بصوت الفنانَيْن الشعبيين الشهيرين حينها، عيسى الإحسائي وبشير شنّان، في بداية السبعينيات، إبان ذروة الرحلات المتتابعة أبولو إلى القمر، في كلماتها: "الناس طلعت على سطح القمر، وأنا معك ما قدرت أوصل إليك".
 
ربما بذلك كانت هذه النماذج أسهل انسياباً مع هذا الحدث العالمي، أكثر امتصاصاً للصدمة، بأن القمر اليوم لم يعد خيالاً محضاً، بل أصبح واقعاً، ملموساً، نمشي عليه، مثال من المستحيل إلى تحقيق المستحيل، 

وهنا بالضبط قد تكمن علاقة الفن بالعلم، هو ترجمة الفن لروح العلم. فقد لا يوصل العلم كل شيء بوضوح، ولكن الفن يفعل ذلك، وبعمق أحياناً.

هذه النماذج الفنية القليلة التي ذكرت هنا، بالتأكيد ليست الوحيدة التي تأثرت بهذا الحدث التاريخي، ولكنها كافية لتمييز هذه العلاقة، بين الفن والعلم التي برزت كثيراً في فلسفة القمر، خصوصاً ونحن نشاهد اليوم عودة هذه الرحلات إلى القمر، واستعادة مفاهيم ألفناها، وترجمتها من خلال سياقات الفن والفلسفة والتعبير الإنساني، من ديفيد بوي إلى محمد أبو نصّار، غرباً وشرقاً، علماً وفناً.

صهيب الأغبري 
معماري وباحث في التاريخ.