حياة الفهد... أيقونة الخليج الفنية تغيب
بين الأبيض والأسود وألوان الحاضر، ظلّ حضور سيدة الشاشة الخليجية حياة الفهد يتحرّك مع الزمن، عبر أدوار حُفرت في ذاكرة الجمهور، وجعلت منها فنانة استثنائية ووجهاً مألوفاً رافق أجيالاً، منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي وحتى رحيلها أمس عن عمر ناهز 78 عاماً، في خبرٍ شكّل صدمة واسعة لجماهيرها.
الراحلة التي عاشت عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان، شهدت الفترة الأخيرة من حياتها تراجعاً ملحوظاً، بعد إصابتها بسلسلة من الجلطات الدماغية التي أثرت على وظائفها الحيوية، وأدخلتها في رحلة علاج طويلة تنقلت خلالها بين الكويت ولندن، قبل أن تعود لاستكمال علاجها تحت إشراف طبي دقيق.
ومع تكرار الانتكاسات، تدهورت حالتها تدريجياً في الأشهر الأخيرة، لتنتهي هذه الرحلة بعد مضاعفات صحية معقدة أبعدتها عن الساحة الفنية، حتى رحيلها.
وقبل يوم واحد من رحيلها، نُشر عبر حسابها الرسمي على "إنستغرام" بيان جاء فيه: "نهيب بجمهورنا الكريم ومحبي الفن الأصيل، الدعاء للفنانة القديرة حياة الفهد، حيث تمر هذه الأيام بوعكة صحية حرجة، نسأل الله أن يشملها بلطفه ورحمته، وأن يمنّ عليها بالشفاء العاجل، ويعيدها إلى أهلها ومحبيها سالمة معافاة".
وُلدت حياة الفهد عام 1948 في منطقة شرق في الكويت، وانتقلت مع عائلتها إلى المرقاب وهي في الخامسة من عمرها بعد وفاة والدها، في ظروف معيشية صعبة أسهمت في تشكيل شخصيتها الصلبة.
ولم تُكمل تعليمها النظامي في المرحلة الابتدائية، لكنها تمكّنت من تعلّم القراءة والكتابة باللغتين العربية والإنكليزية، قبل أن تبدأ حياتها العملية موظفة في مستشفى الصباح.
دخلت عالم الفن بالصدفة، إذ التقت بالممثل القطري حسين بوجسوم خلال عملها في المستشفى، حيث شجّعها على خوض التمثيل.
وعلى الرغم من معارضة عائلتها الشديدة في البداية، فإن والدتها وافقت لاحقاً بشروط، من بينها مرافقة شقيقها لها أثناء التصوير، لتبدأ مسيرتها الفنية فعلياً عام 1964 من خلال مسلسل "عائلة بوجسوم" الذي شكّل نقطة انطلاقها في الدراما الخليجية.
مسيرة حياة الفهد في المسرح
شكّل المسرح الركيزة الأولى في تجربة حياة الفهد الفنية، حيث انطلقت منه في مطلع ستينيات القرن الماضي، وشاركت في أعمال مبكرة مثل "الضحية" (1963)، و"الخطأ والفضيحة" و"الأسرة الضائعة"، قبل أن تواصل حضورها في "أنا والأيام" و"الجوع".
وخلال السبعينيات، عزّزت موقعها عبر أعمال مثل "فلوس ونفوس"، و"البوم"، و"القاضي خايف"، و"ضاع الديك"، و"يا غافلين"، و"بني صامت"، و"السدرة"، وصولاً إلى "الفخ" و"للأمام سر".
وفي الثمانينيات، بلغت تجربتها المسرحية ذروتها من خلال أعمال بارزة مثل "حرم سعادة الوزير"، و"القرقور"، و"باي باي عرب"، و"الطين"، و"الأوانس"، و"أرض وقرض"
إضافة إلى "إذا طاح الجمل" التي نالت عنها جائزة أفضل ممثلة. واستمرت مشاركاتها لاحقاً في أعمال مثل "سيف العرب"، و"عبيد في التجنيد"، و"قناص خيطان"، و"صح النوم يا عرب"، و"يا أهل الشرق"، ما يعكس حضوراً ممتداً على الخشبة داخل الكويت وخارجها.
بين التلفزيون والسينما
على مدى أكثر من ستة عقود، رسّخت الفهد حضورها بصفتها إحدى أبرز نجمات الدراما الخليجية، عبر أكثر من 200 عمل بين التلفزيون والمسرح والإذاعة والسينما.
ومع أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات، دخلت مرحلة البطولة المطلقة، وقدّمت شخصيات قريبة من الناس عكست واقع المجتمع الخليجي، خصوصاً قضايا المرأة.
ويُعدّ دورها في مسلسل "خالتي قماشة" (1983) من أبرز محطاتها، إلى جانب أعمال أخرى مثل "رقية وسبيكة" (1986)، و"جرح الزمن" (2001)، و"عندما تغني الزهور" (2005).
كما تميّزت بقدرتها على التنقّل بين الدراما الجادة والكوميديا، فشاركت في أعمال كوميدية لاقت رواجاً واسعاً، مثل "عائلة فوق تنور ساخن" (1987) و"زوجة بالكمبيوتر" (1985)، إلى جانب أدوارها في الأعمال الاجتماعية ذات الطابع النقدي.
وفي الألفية الجديدة، واصلت حضورها من خلال أعمال ركّزت على قضايا المجتمع، مثل "ريحانة"، و"حال مناير"، و"حصة قلم"، و"حدود الشر" و"أبلة نورة" و"الخراز"
وصولاً إلى "أفكار أمي" الذي جسدت فيه شخصية "شاهة" وعُرض في رمضان 2025، ليكون حضورها الأخير بعد غيابها عن موسم 2024 بسبب ظروف صحية.
لم يقتصر نشاط حياة الفهد على التمثيل، بل خاضت تجربة الكتابة الدرامية، وقدّمت أعمالاً مثل "سليمان الطيب" (1993)، و"الشريب بزة" (2002)، و"الفرية" (2006)، ما عزّز مكانتها فنانةً شاملة.
كما عملت مذيعة في الإذاعة الكويتية في بداياتها، وأصدرت ديواناً شعرياً عنوانه "عتاب" في أواخر سبعينيات القرن الماضي، عكست فيه جانباً من تجربتها الإنسانية.
في السينما، شاركت في فيلم "بس يا بحر" (1971، إخراج خالد الصديق)، وفيلم "الصمت" (1980، إخراج هاشم محمد الشخص)، والفيلم السعودي "نجد" (2020، إخراج سمير عارف).
لم تخلُ مسيرة حياة الفهد من محطات أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الفنية والإعلامية. عام 2020، تعرّضت لانتقادات حادة عقب تصريحات أدلت بها خلال جائحة كوفيد-19،
دعت فيها إلى تقليص أعداد العمالة الوافدة في الكويت، ما أثار ردات فعل حقوقية وإعلامية واسعة. وفي العام نفسه، أثار مسلسل "أم هارون" جدلاً سياسياً ودينياً،
إذ اعتبره بعض المنتقدين طرحاً إشكالياً في سياق العلاقة مع اليهود في المنطقة، بينما دافعت الفهد عن العمل باعتباره معالجة درامية لمرحلة تاريخية واجتماعية منسية.
كما ارتبط اسمها، على فترات، بخلافات داخل الوسط الفني، من بينها تباينات مع الممثلة سعاد عبد الله، إضافة إلى خلافات مع عدد من المنتجين والممثلين.
"إحدى رائدات الفن"
حصلت خلال مسيرتها الطويلة على جوائز وتكريمات عدة، بينها جائزة أفضل ممثلة في مهرجان الكويت المسرحي (1989)، وتكريمات من مهرجانات عربية عدة، من بينها مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون، ومهرجان الإعلام العربي،
إضافة إلى تكريمها من جامعة الدول العربية ضمن مهرجان الرواد العرب، تقديراً لإسهاماتها في تطوير الدراما الخليجية.
في السنوات الأخيرة، واجهت تحديات صحية، من بينها إصابتها بجلطة دماغية استدعت دخولها العناية المركزة، إلى جانب خضوعها لعملية قسطرة قلبية، قبل أن تتدهور حالتها في الأيام الأخيرة، ما أدى إلى وفاتها صباح اليوم.
وبرحيلها، تفقد الدراما الخليجية واحدة من أبرز رائداتها، ممن أسهمن في تشكيل هويتها وتطوير لغتها الفنية.
فقد استطاعت، عبر أعمالها، أن تعكس تحولات المجتمع الخليجي، وأن تقدّم شخصيات نسائية معقّدة ومؤثرة، ما جعلها حاضرة في الذاكرة الجماعية لجمهور واسع في العالم العربي.
ونعتها وزارة الإعلام الكويتية، ولفتت إلى أنها "قدّمت مسيرة فنية وإنسانية حافلة بالعطاء امتدت لأكثر من ستة عقود في خدمة الفن والثقافة في الكويت والخليج".
وأضافت الوزارة أن حياة الفهد شكّلت "إحدى رائدات الفن"، بما قدّمته من إسهامات بارزة أثرت الساحة الفنية ورسّخت مكانتها كأحد أبرز أعمدة الدراما الخليجية.
وأكدت أن الممثلة تميّزت "بموهبة فريدة والتزام مهني عالٍ"، وحرصت على تقديم أعمال لامست قضايا المجتمع بصدق وعمق، لتكون "نموذجاً للفنانة التي جمعت بين الإبداع والرسالة".
كما نعاها الاتحاد الكويتي للإنتاج الفني والمسرحي والترفيه عبر رئيسه خالد الراشد الذي كتب أن الفهد رحلت "بعد معاناةٍ مع المرض، إثر مسيرةٍ حافلة بالعطاء الفني والإنساني".
وأضاف أنها "كانت رمزاً من رموز الدراما الخليجية، وتركت إرثاً خالداً سيبقى في ذاكرة الأجيال". وكتبت مؤسسة الدوحة للأفلام: "وداعاً سيدة الشاشة الخليجية حياة الفهد.
رحلت عنّا اليوم قامة من أهم قامات الفن الخليجي والعربي، بعدما أثرت المكتبة الفنيّة العربية بأعمال حُفرت في وجدان كل بيت عربي، عبر شخصيات منحتها روحاً ومصداقية،
لتظلّ مسيرتها الفنية عنواناً للعطاء الفني والإخلاص والتفاني والإيمان العميق برسالة ودور الفن في النهوض بالمجتمعات وإرساء القيم الإنسانية وترسيخ دور الفنان عبر أبعاد وآفاق أوسع وأشمل.
عبر شاشات التلفزيون وخشبة المسرح، كانت أعمالها نبراساً لأجيالٍ كاملة من الشغوفين بالفن والتمثيل، وسيظلّ ما قدّمته شاهداً على فنانة استثنائية رحلت لكن ذكراها العطرة باقية ولن تُمحى".
وودعها فنانون وعاملون في الوسط الفني عبر منصات التواصل الاجتماعي، مستذكرين أعمالها وإرثها، ومؤكدين أنها شكّلت علامة فارقة في تاريخ الدراما الخليجية.