كيف تُعاد كتابة تاريخ الأغنية العربية بعد رحيل الكبار؟
ارتبطت صناعة التاريخ الغنائي، في كثير من الأحيان، بظاهرة الادعاءات المؤجلة، وهي حالة تتشكل ملامحها بوضوح عقب رحيل الرموز الكبرى؛
فبمجرد أن يغيب النجم، تظهر بعض الشهادات المتأخرة لتنسب لنفسها أدواراً مفصلية في صناعة العمل الفني، أو لتمنح ذواتها صك الأهمية من خلال حكايات عن مشاريع مبتورة، أو توجيهات لحنية حاسمة، أو حتى مواقف رفض أسطورية لم يُسمع بها والرموز في أوج حضورهم.
لا يمكن اعتبار هذا النمط من السرد مجرد خطأ للذاكرة أو رغبة عفوية في التوثيق، إذ هو آلية واعية للسطو على الشرعية الفنية التاريخية.
فالراحل الكبير يتحول في هذه الروايات إلى جسر يعبر فوقه المدعي للانتقال من المقاعد الخلفية للصناعة إلى كادر البطولة، مستفيداً من استحالة النفي، ومن شغف الجمهور بتصديق من يحضر الحدث.
خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في محاولة تضخيم الذات الفنية على حساب الغائبين، وإنما في قدرتها، عبر التكرار الإعلامي، على اختراق الذاكرة الجمعية وتزييف حقائق التاريخ الإبداعي.
بعد رحيل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ورياض السنباطي وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، أخذت ظاهرة الادعاءات المؤجلة في التبلور، ثم أخذت في الاتساع مع رحيل كل شهود القصة، وكل من يمكن الرجوع إليه ليؤكد أو ينفي.
لقد تحوّل غياب الكبار، مع مرور العقود، إلى ما يشبه المظلة الآمنة التي يستظل بها بعض الموسيقيين والشعراء والعازفين، لإعادة صياغة أدوارهم في عصر ازدهار الأغنية العربية، إذ ينبري فنان ما ليروي بلهجة الواثق كيف عدّل لحناً لعبد الوهاب، أو كيف رفض طلباً لأم كلثوم بالتعاون.
على مواقع التواصل الاجتماعي، وبين المهتمين بالحكايات الفنية، انتشر مقطع فيديو مدته أربع دقائق من لقاء تلفزيوني مع الملحن المصري حلمي بكر (1937 - 2024)، ولم يكن هناك سبب لانتشار هذا المقتطع إلا ما تضمنه من عجائب وغرائب.
سُئل الرجل عن علاقته بأم كلثوم، فأجاب بأن صحيفة الأهرام أجرت معها حواراً، قالت فيه إنها ستغني لملحنَين جديدين هما عبد المنعم الحريري و"شاب جديد كلموني عنه اسمه حلمي بكر"،
ثم كانت المرة الثانية حين كلمها عنه رياض السنباطي بنفسه قائلاً: "ده ولد كويس هاتيه"، فالثالثة حين اقترحه عليها كمال الطويل قائلاً: "فيه أغنية حلوة عاملها ولد اسمه حلمي بكر... يا ريت تغنيها".
يواصل بكر القصة: "اختارت أم كلثوم كلمات أغنيتين للشاعر عبد الوهاب محمد، منها أغنية عن الافتراق بسبب الملل، وبدأتُ في تلحينها، وأسمعتها المذهب. أعجبت به وقالت: حلو يا واد... مفيش مخلوق يسمع باللي بتعمله... ثم سافرت إلى أميركا للعلاج وعادت ميتة".
انتظر بكر نحو نصف قرن، حتى رحل كل من ذكر اسمه في هذه القصة: أم كلثوم، والسنباطي، وعبد المنعم الحريري، وكمال الطويل، وعبد الوهاب محمد،
وبعدها قرّر أن يحكيها للجماهير، لكن فيديو بكر لم يقتصر على تفاصيل محاولة التعاون التلحيني بينه وبين سيدة الغناء، إذ توالت في حديثه القصير مجموعات من المغالطات التي يمكن لأي مهتم أن يجزم بأنها محض أوهام، ومنها تمثيلاً أن السنباطي قاطع أم كلثوم 12 عاماً قبل أن يلحن لها قصيدة الأطلال، وأن عبد الوهاب محمد هو من أعاد العلاقة بينهما.
يزعم بكر أن السنباطي كلم أم كلثوم عنه واقترحه للتلحين لها أثناء بروفات قصيدة الأطلال، متناسياً أن الأغنية صدرت في إبريل/نيسان من عام 1966، أي قبل رحيل أم كلثوم بنحو تسع سنوات، وليس في أيامها الأخيرة حتى يمنعها الموت من غناء لحنه.
يواصل بكر سيل الأوهام، مؤكداً أن كمال الطويل اقترح اسمه على أم كلثوم أيام تلحينه "الثلاثية". دُهشت المحاورة وقاطعته قائلة: "أي ثلاثية؟"؛
فقال: "الثلاثية التي لحنها لها هو والموجي... قصيدة حانة الأقدار". يخلط بكر بين أغنية الثلاثية المقدسة التي لحنها السنباطي عام 1971 وبين أغاني أوبريت رابعة العدوية.
كان من الممكن حمل خطأ بكر على الارتباك في العناوين، لكن الرجل يجزم أن الطويل اقترحه على أم كلثوم خلال تلحينه أغاني أوبريت رابعة العدوية، متغافلاً أن هذا الأوبريت صدر عام 1957، حين لم يكن أحد قد سمع باسم حلمي بكر.
وبلغ الرجل ذروة أوهامه بالتأكيد أن أم كلثوم ماتت في الولايات المتحدة الأميركية، وعادت من رحلة العلاج ميتة، ووضعت السلطات جثمانها في غرفة العناية المركزة وهي ميتة، خوفاً من إعلان الخبر للجماهير، وتلك فرية أوضح وأبين من أي جهد يُبذل للرد عليها أو إبطالها.
لعازف الأكورديون في فرقة أم كلثوم فاروق سلامة حديث تلفزيوني شهير، يحكي خلاله أنه سافر إلى لبنان عام 1970، وانقطع عن بروفات سيدة الغناء ثلاثة أشهر متصلة، ثم عاد إلى القاهرة، واتصل بأم كلثوم فطلبت منه العودة إلى العمل فوراً، وتوافق ذلك مع بروفة أغنية دارت الأيام، من ألحان محمد عبد الوهاب.
يروي سلامة أنه لاحظ أن المقدمة الموسيقية التي وضعها عبد الوهاب لتعزف قبل مقطع "قابلني والأشواق في عينيه" تتطابق مع جملة موسيقية لبليغ حمدي، وتحديداً من أغنية "بعيد عنك". بعد انتهاء البروفة ومع انصراف أم كلثوم والموسيقيين، نبه سلامة عبد الوهاب إلى هذا التشابه، فأمسك موسيقار الأجيال بعوده، وأعاد عزف المقطع، وتأكد من تشابه اللحنين،
فقال منزعجاً: "يا خبر؟ وبعدين؟". وفوراً، اقترح سلامة -وفق روايته- جملة موسيقية أحضرها طازجة من لبنان، فأعجب بها عبد الوهاب، واعتمدها بديلاً للجملة المتشابهة مع لحن بليغ. انتظر سلامة رحيل عبد الوهاب، ومن قبله رحيل أم كلثوم، وكل أعضاء فرقتها أو معظمهم،
إذ من المحتم أن هؤلاء الأعضاء لاحظوا التغيير عند حضورهم البروفة التالية. ومع غياب كل الأطراف، ظهرت تلك القصة على لسان سلامة، لتصبح معلقة بين النفي والإثبات عند من يتحرّون مصداقية الأحاديث والمعلومات، ولتتحول إلى يقين لا يقبل الشك عند هواة الحكايات والتسالي.
منذ عدة سنوات، انتشر مقطع فيديو مستقطع من أرشيف التلفزيون المصري، وتحديداً من برنامج "كان زمان"، يظهر الفنان سمير صبري وهو يحاور عازف الإيقاع الشهير محمد العربي (1932 - 2009) الذي تحدث عن خلفيات انضمامه إلى فرقة أم كلثوم عام 1966.
تحدث العربي عن واقعة فنية جمعته بمحمد عبد الوهاب خلال البروفات التي سبقت قصيدة "أغداً ألقاك" عام 1971. قال العربي إنه عزف المقطع كما وضعه عبد الوهاب (جملة بسيطة من إيقاع اللف أو الملفوف ووزنه 4/8)، ثم أوضح أنه اقترح على موسيقار الأجيال ملء هذه المساحة بإيقاع مركب (عزفه العربي فجاء وزنه 12/8).
وزعم أن عبد الوهاب سعد جداً بالجملة الإيقاعية المقترحة، واعتمدها بدلاً من جملته الأصلية. انتظر الرجل رحيل أم كلثوم، ثم عبد الوهاب، ثم كل من يمكن أن يكون شاهداً على الواقعة، وبعدها اختار أن يتكلم، فلا يمكن لأحد أن ينفي روايته، كما لا يقدر أحد على تأكيدها، لتتحول مع مرور الزمن إلى مسلمة لا يجادل فيها أحد، ولتستدعى عند كل حديث عن هذا العازف، أو حتى عند كل حديث عن أغنية "أغداً ألقاك".
يكشف تأمل هذه الشهادات المتأخرة عن بنية نفسية واجتماعية معقدة تتجاوز مجرد الرغبة في التباهي الشخصي، لتلامس ما يمكن تسميته بـ"عقدة الهامش الإبداعي".
ففي عصر ازدهار الأغنية العربية، كان المركز متمثلاً في عدد محدود جداً من الأقطاب، يحتكرون القرار الفني، والضوء الإعلامي، بينما ظل العازفون، والشعراء المبتدئون، والملحنون الواعدون يدورون في فلك هذه المجرات الكبرى، وكأنهم عناصر مساعدة أو تروس في آلة ضخمة يقودها الكبار.
ومع رحيل هؤلاء الكبار، يشعر من لم يدرك مكانتهم بنوع من اليتم الفني والاجتماعي، يرافقه شعور بالغبن التاريخي، إذ يجد الفنان نفسه وقد تقدم به العمر، بينما مجده الفردي لا يقارن بمجد "نظير" رحل واستأثر بالخلود.
هنا، يتحول الادعاء المؤجل إلى آلية دفاعية نفسية يمارسها العقل الباطن لإعادة صياغة موازين القوى القديمة، فالعازف الذي كان ينضبط بإشارة من يد السنباطي، أو كلمة من فم عبد الوهاب، يقرر -في خريف عمره- أن يمارس نضالاً استردادياً ليضع نفسه في ندية إبداعية مع ملحن كبير، بل وفي موقع "المنقذ" الذي لولاه لتعثر اللحن أو تكررت الجملة الموسيقية.
إنها محاولة لتمرير الأنا الفنية عبر بوابات الكبار، فيصبح الادعاء بمثابة صك اعتراف متأخر بالوجود والفاعلية في عصر لم يكن يسمح لغير العمالقة بالسيادة المطلقة.
تكمن خطورة هذه الظاهرة في قدرتها على إنتاج ما يُعرف بـ"التاريخ الموسيقي الموازي"؛ فالرواية الشفهية المنفردة، حين تفتقر إلى الند الحواري الذي يفندها، وتتلقفها منصات التواصل الاجتماعي وشاشات التلفزة الباحثة عن الإثارة،
تتحول بمرور الوقت من حكاية مرسلة إلى حقيقة مكرسة. وهذا التحول البطيء يؤدي بالتدريج إلى خلخلة مفهوم الملكية الفكرية والجمالية للعمل الفني، ويشيع حالة من السيولة الشكية التي تضرب ثقة الأجيال الجديدة في أصالة الإنجاز الإبداعي للأعلام.
إن مواجهة هذا الانفلات السردي تتطلب تفعيل منهج الجرح والتعديل على الروايات الفنية، وإرساء تقاليد نقدية صارمة تُخضع الشهادة الشفوية لمقارنات وثائقية زمنية وفنية، لحماية التأريخ الموسيقي وضمان أن تبقى الكلمة الأخيرة دائماً للوثيقة والمنطق الإبداعي، لا لجرأة الادعاء تحت مظلة الغياب الآمن.
هيثم أبوزيد