Logo

ميادة الحناوي تحيي ذاكرة الطرب في مهرجان قرطاج

 كان مهرجان قرطاج في المسرح الروماني في ليلته الـ60 يستعيد واحداً من الأصوات التي صنعت جانباً أساساً من ذاكرة الأغنية العربية، فيما كان الجمهور يستعيد مع ميادة أغنيات لم تفقد قدرتها على العبور من جيل إلى آخر.

لم تكن عودة "مطربة الجيل" إلى قرطاج مجرد محطة في برنامج مهرجان يحتفي بستينيته، بل بدت أشبه باختبار لذاكرة الأغنية العربية: 

هل لا يزال الجمهور قادراً على الإصغاء إلى أغنية طويلة، وإلى صوت لا يستعجل الوصول إلى نهايته، وإلى لحن يحتاج إلى وقت كي يكشف أسراره؟

كانت الإجابة واضحة منذ اللحظات الأولى. وحين بدأت ميادة وصلتها، كان واضحاً أن السنوات التي تفصلها عن ظهورها الأخير في قرطاج لم تستطع أن تفصلها عن جمهورها. 

الأغنية التي ولدت في زمن مختلف وجدت طريقها مجدداً إلى المدرجات، وكأن الزمن لم يكن سوى استراحة طويلة بين حفلتين.

بعد 21 عاماً... عودة الصوت إلى ذاكرته

تحمل العودة إلى قرطاج بالنسبة إلى ميادة الحناوي أكثر من معنى. فمنذ آخر حفل لها هناك سنة 2005 تغير كثير في المشهد الموسيقي العربي: تبدلت منصات الاستماع، اختصرت الأغنية، 

تسارعت إيقاعات صناعة النجومية، وانتقل جزء كبير من الجمهور من الإصغاء إلى الأغنية كاملة إلى استهلاك مقاطعها القصيرة.

لكن ميادة عادت من الباب نفسه الذي خرجت منه: باب الأغنية الطربية.
 
افتتحت وصلتها بأغنية "أنا مخلصالك"، قبل أن تتوالى الأعمال التي ارتبط بها وجدان الجمهور، ومنها "حبينا وتحبينا" و"مهما يحاولوا يطفوا الشمس" و"فاتت سنة"، 

وصولاً إلى أغنيات بليغ حمدي التي أصبحت جزءاً من الهوية الفنية لميادة، وفي مقدمها "الحب اللي كان" و"أنا بعشقك".

في هذه الأغنيات لم يكن الجمهور يستمع إلى الماضي باعتباره شيئاً انتهى، بل كان يستعيده بوصفه جزءاً من حاضره. ردد الحاضرون الكلمات مع ميادة، في لحظة بدا فيها أن الذاكرة الجماعية أقوى من المسافة الزمنية.

ولعل هذا هو سر بعض الأغاني الكبرى: أنها لا تبقى في زمنها. إنها تنتقل مع أصحابها، وتكبر معهم، ثم تجد أجيالاً جديدة تتبناها من دون أن تكون قد عاشت اللحظة التي ولدت فيها.

ميادة وبليغ... حين تصبح الأغنية ذاكرة

يصعب الحديث عن تجربة ميادة الحناوي من دون استحضار بليغ حمدي. فالعلاقة بين صوتها وألحانه لم تكن مجرد تعاون بين مطربة وملحن، وإنما كانت واحدة من أكثر العلاقات الفنية تأثيراً في الأغنية العربية الحديثة.

مع بليغ، وجدت ميادة المساحة التي تسمح لصوتها بأن يتحرك بين القوة واللين، وبين الانفعال والسيطرة، وأن تتحول الأغنية إلى بناء موسيقي طويل لا إلى جملة لحنية سريعة.

ولهذا بدت "أنا بعشقك" في قرطاج أكثر من أغنية ناجحة. كانت استعادة لمرحلة كان فيها الملحن شريكاً حقيقياً في صناعة شخصية المطرب، وكانت الكلمة واللحن والتوزيع والأداء تتحرك داخل مشروع واحد.

وفي زمن أصبحت فيه الأغنية أكثر ارتباطاً بسرعة الانتشار، عادت ميادة لتذكر الجمهور بأن هناك نوعاً آخر من العلاقة بين المغني والمتلقي: علاقة تقوم على الانتظار، وعلى التدرج، وعلى منح الصوت مساحة كي يتنفس.

ربما لهذا السبب لم تبدُ الأغنيات القديمة غريبة عن جمهور اليوم. فالعمل الذي يمتلك عناصره الفنية الحقيقية لا يحتاج إلى زمن مناسب كي يعيش. يكفي أن يجد أذناً مستعدة للإصغاء.

وحتى حين تغني ميادة أغنياتها القديمة، فإنها لا تعيد إنتاج الماضي حرفياً. الزمن يمر على الصوت كما يمر على الذاكرة، ويترك أثره في طريقة الأداء وفي معنى الكلمات. 

تصبح الأغنية التي عرفها الجمهور قبل عقود مختلفة قليلاً حين يسمعها اليوم، لأن المستمع نفسه أصبح شخصاً آخر.

قرطاج... حين ينتصر الطرب على الزمن

لم تكن ميادة الحناوي وحدها في استعادة الذاكرة السورية في هذه السهرة. فقد افتتح الفنان محمد خيري الحفل بوصلة من القدود الحلبية، مستحضراً تراثاً غنائياً سورياً عريقاً، وموجهاً تحية إلى أستاذه الراحل صباح فخري.

 ورافقت الفرقة الوطنية الموسيقية الفنانين بقيادة المايسترو التونسي يوسف بالهاني.
 
وهكذا اتخذت السهرة شكل حوار بين أكثر من ذاكرة: ذاكرة الأغنية السورية، وذاكرة الطرب العربي، وذاكرة قرطاج نفسه. فالمهرجان الذي احتفل هذا العام بدورته الـ60 يعرف جيداً معنى أن يعيد إلى مسرحه أسماء ارتبطت بذاكرته. 

وكانت عودة ميادة واحدة من أبرز هذه العودات، خصوصاً أنها جاءت بعد أكثر من عقدين من الغياب.

لكن الأهم أن الحفل لم يكن احتفالاً بالماضي من أجل الماضي. فـ"الزمن الجميل" ليس زمناً تاريخياً محدداً بقدر ما هو مفهوم جمالي. إنه الزمن الذي كانت فيه الأغنية تحتاج إلى شاعر وملحن ومطرب وموسيقيين، وإلى جمهور يمنحها الوقت كي تنمو داخله.

في زمن السرعة، تبدو تلك التجربة أكثر إلحاحاً لا أقل. وحين تصعد ميادة الحناوي إلى مسرح قرطاج، فإنها لا تنافس الأصوات الجديدة ولا تحاول استعادة زمن انتهى. إنها تفعل شيئاً أكثر أهمية: تضع أمام الجمهور نموذجاً فنياً مختلفاً، وتترك له حرية المقارنة.

من هنا اكتسبت السهرة معناها الحقيقي. لم يكن السؤال هل تستطيع ميادة أن تعود إلى قرطاج بعد 21 عاماً، بل هل يستطيع قرطاج أن يستعيد، ولو لساعات، ذلك النوع من الإصغاء الذي صنعت من أجله أغانيها؟

الجواب جاء من المدرجات. الجمهور الذي ردد الأغنيات معها أثبت أن الذاكرة الموسيقية العربية لم تنتهِ، وأن الأغنية التي صنعت بعناية يمكنها أن تعبر العقود من دون أن تفقد قدرتها على التأثير.

في النهاية، لم تُغنِّ ميادة الحناوي "الزمن الجميل" فحسب، بل جعلته يقف معها على خشبة قرطاج. وفي ليلة واحدة، بدا الماضي أقل بعداً، والحاضر أقل استعجالاً، والأغنية العربية قادرة، مرة أخرى، على أن تكون مساحة للإنصات، لا مجرد صوت عابر في زمن سريع.

محمد عربي 
كاتب تونسي